ومع هذه المدنية الزائفة وتعلق القلوب بها، ولهث الناس وراء الدنيا وانشغالهم بها، تعلو القلوب غشاوة، وتلفها غبرة، فيستحكم الشيطان على النفوس، ليلقي بوساوسه كلما هم المسلم بالصدقة: [أنت أحوج إلى جمع المال, والأيام تتقلب, وأنت اليوم غني وغدًا فقير, فأمسك المال ليوم تحتاجه فيه، ثم أنت صاحب المال، أنت الذي جمعته بكدك وعرق جبينك، فلماذا يستحوذ عليه ذلك الفقير بلا عناء أو تعب؟] فتنطلي تلكم الخدع والوساوس على المسكين؛ ليرد ماله في جيبه, ويمضي لا يلوي على شيء.
أو ما درى أحدنا أن المال مال الله؟! وكم من غني ما عرف حق الله في ماله، أمسى معدمًا فقيرًا! وارقبوا الناس من حولكم, فأحوالهم صور وعبر, تشهد على أن الصدقة ثمرة للمال وزيادة.
روى مسلم في صحيحه عن أبي ذر رضي الله عنه قال: كنت أمشي مع النبي صلى الله عليه وسلم في حرة المدينة عشاء, ونحن ننظر إلى أُحد, فقال لي رسول الله صلى الله عليه وسلم: (( يا أبا ذر ) )قال: قلت: لبيك يا رسول الله، قال: (( ما أحب أن أحدًا ذاك عندي ذهب، أمسي ثالثة عندي منه دينار، إلا دينارًا أرصده لدين، إلا أن أقول به في عباد الله هكذا ـ فحثا بين يديه ـ وهكذا ـ عن يمينه ـ وهكذا ـ عن شماله ـ ) ) [7] .
وفي مسلم كذلك عن أبي سعيد الخدري رضي الله عنه, أن ناسًا من الأنصار سألوا رسول الله صلى الله عليه وسلم فأعطاهم، ثم سألوه فأعطاهم حتى إذا نفد ما عنده قال: (( ما يكن عندي من خير, فلن أدخره عنكم ) ) [8] .
قال عمر رضي الله عنه: (إن الأعمال تباهت فقالت الصدقة: أنا أفضلكم) .
وكم دعينا إلى الصدقة في مشروع إغاثي أو دعوي أو نصرة لإخواننا هنا أو هناك، فيجلس أحدنا يقلب الأعذار، فقراء البلد أحوج، وما أدري أتصل أم لا؟