فهرس الكتاب

الصفحة 855 من 2330

أيها الناس، إن الله ـ عز وجل ـ قسم المعاش وقدر الأرزاق، والناس أجمع لا يملكون عطاء ولا منعا، وإنما الناس وسائط، فما أعطوك، فهو بقدر الله وما منعوك فهو بقدر الله، وما كان لك، فسوف يأتيك على ضعفك، وما كان لغيرك فلن تناله بقوتك، وما عليك إلا أن تجد وتعمل، وتضرب في آفاق الأرض، وتأخذ بأسباب الرزق، فمن جد وجد، ومن زرع حصد، فلا كسب بلا عمل، ولا حصاد بلا زرع، ومسألة الرزق أدق من أن تدرك، وأبعد من أن تنال. وانظروا إلى الناس، ترون منهم الغواصين، الذين جعل الله رزقهم في أعماق البحار، والطيارين، الذين جعل الله معاشهم في بحار الهواء بين السماء والأرض، وأصحاب المناجم يجدون خبزهم، مخبوءا في الصخر الأصم، فلا ينالونه إلا بتكسيره. ومُروِّضُ [4] الأسود والفيلة، الذي يترصده الموت كل حين، يجد مصدر رزقه، بين أنياب الأسود أو تحت أرجل الفيلة: أَهُمْ يَقْسِمُونَ رَحْمَةَ رَبّكَ نَحْنُ قَسَمْنَا بَيْنَهُمْ مَّعِيشَتَهُمْ فِى الْحياةِ الدُّنْيَا وَرَفَعْنَا بَعْضَهُمْ فَوْقَ بَعْضٍ دَرَجَاتٍ لّيَتَّخِذَ بَعْضُهُم بَعْضًا سُخْرِيًّا وَرَحْمَةُ رَبّكَ خَيْرٌ مّمَّا يَجْمَعُونَ [الزخرف:32] .

فلا تجزعوا من الفقر عباد الله، فإن الفقر قد يسمو، كما سما فقر المصطفى ولا تغتروا بالغنى؛ فإن الغنى قد يدنو، كما دنى غنى قارون وأبي جهل.

واجعلوا الفقر والغنى مطيتين، لا تبالون أيهما ركبتم، إن كان الفقر، فإن فيه الصبر، وإن كان الغنى فإن فيه البذل. وأبشروا بقول المصطفى: (( إن روح القدس نفث في روعي أن نفسا لن تموت، حتى تستكمل أجلها، وتستوعب رزقها، فاتقوا الله وأجملوا في الطلب ولا يحملن أحدكم، استبطاء الرزق أن يطلبه بمعصية الله، فإن الله ـ تعالى ـ، لا ينال ما عنده إلا بطاعته ) )أخرجه ابن حبان وأبو نعيم في الحلية [5] .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت