3.ثالثًا: اختلاف معادن اناس وطاقاتهم:
وفي هذا الحديث يخبر النبي -صلى الله عليه وسلم- أن الناس يتفاوتون كما تتفاوت معادن الذهب والفضة، والمعادن قد تحتاج إلى تنقية إذا علقت بها شوائب، فهي تختلف فيما بينها تبعًا لكمية هذه الشوائب العالقة بها، ثم إنها تتفاوت فيما بينها -أيضًا- في القيمة والنفاسة، فالذهب ليس كالفضة في القيمة، والفضة كذلك ليست كسائر المعادن، وتختلف أيضًا في أدوارها بقدر الاستفادة منها في الصناعات وفي خدمة الإنسان وحاجته إليها، فكل هذه المعادن مطلوبة جميعًا، فكذلك الناس يتفاوتون، كما قال الله سبحانه وتعالى: (نحن قسمنا بينهم معيشتهم في الحياة الدنيا ورفعنا بعضهم فوق بعض ليتخذ بعضهم بعضًا سخريًا ورحمة ربك خير مما يجمعون(. وكما أن معادن الناس وطاقاتهم وقدراتهم تختلف، فكذلك تربيتهم، والتربية تختلف باختلاف البيئة والزمن، فمن نشأ في البادية ليس كمن نشأ في المدينة أو القرية، فهم يتفاوتون جميعًا في طريقة التفكير وفي الشخصية والسلوك. وقد كان السلف -رحمهم الله- يتفاوتون فيما بينهم، قال ابن المبارك:"رأيت أعبد الناس عبدالعزيز بن أبي رواد، وأورع الناس الفضيل بن عياض، وأعلم الناس سفيان الثوري، وأفقه الناس أبوحنيفة، ما رأيت في الفقه مثله". وقال أبو عبيد:"انتهى العلم إلى أربعة: أبوبكر ابن أبي شيبة أسردهم له، وأحمد بن حنبل أفقههم فيه، وعلي بن المديني أعلمهم به، ويحيى بن معين أكتبهم له".