فهرس الكتاب

الصفحة 100 من 289

إنه الصحابي الجليل عبد الله بن عباس -رضي الله عنه-، ابن عم النبي صلى الله عليه وسلم ، ولد -رضي الله عنه- قبل الهجرة بثلاث سنين، وبايع رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو صغير لم يبلغ الحلم، وهاجر إلى المدينة مع أبويه قبل فتح مكة.

وكان ابن عباس -رضي الله عنه- محبًا للعلم منذ صغره، يقبل عليه، ويهتم به حفظًا وفهمًا ودراسة، وما إن اشتد عوده حتى أصبح أعلم الناس بتفسير القرآن وأحكام السنة المطهرة، يأتي إليه الناس من كل مكان يتعلمون منه أحكام الدين على يديه. دعا له رسول الله صلى الله عليه وسلم قائلًا: (اللهم فقهه في الدين) [البخاري] ، وكان يسمى بترجمان القرآن.

ولقِّب بالحَبْر لكثرة علمه بكتاب الله وسنة رسوله صلى الله عليه وسلم ، ويروى أنه كان معتكفًا في مسجد الرسول صلى الله عليه وسلم ، فأتاه رجل على وجهه علامات الحزن والأسى، فسأله عن سبب حزنه؛ فقال له: يا ابن عم رسول الله، لفلان علي حق ولاء، وحرمة صاحب هذا القبر (أي قبر الرسول صلى الله عليه وسلم ) ما أقدر عليه؛ فقال له: أفلا أكلمه فيك؟ فقال الرجل: إن أحببت؛ فقام ابن عباس، فلبس نعله، ثم خرج من المسجد، فقال له الرجل: أنسيت ما كنت فيه؟‍! (أي أنك معتكف ولا يصح لك الخروج من المسجد) .

فرد عليه قائلًا: لا، ولكن سمعت صاحب هذا القبر ( والعهد به قريب -فدمعت عيناه- وهو يقول: (من مشى في حاجة أخيه، وبلغ فيها كان خيرًا له من اعتكاف عشر سنين، ومن اعتكف يومًا ابتغاء وجه الله تعالى، جعل الله بينه وبين النار ثلاث خنادق أبعد مما بين الخافقين(المشرق والمغرب ) ) [الطبراني والبيهقي والحاكم] .

وكان يحب إخوانه المسلمين، ويسعى في قضاء حوائجهم، وكان يقول: لأن أعول أهل بيت من المسلمين شهرًا أو جمعة أو ما شاء الله أحب إلي من حجة بعد حجة، ولهدية أهديها إلى أخ لي في الله أحب إلي من دينار أنفقه في سبيل الله. وكان عمر -رضي الله عنه- يحب عبد الله بن عباس ويقربه من مجلسه ويستشيره في جميع أموره، ويأخذ برأيه رغم صغر سنه، فعاب ناس من المهاجرين ذلك على عمر، فقال لهم عمر: أما أني سأريكم اليوم منه ما تعرفون فضله، فسألهم عمر عن تفسير سورة {إذا جاء نصر الله والفتح} ، فقال بعضهم: أمر الله نبيَّه إذا رأى الناس يدخلون في دين الله أفواجًا أن يحمده ويستغفره، فقال عمر: يا ابن عباس، تكلم. فقال عبدالله: أعلم الله رسوله صلى الله عليه وسلم متى يموت، أي: فهي علامة موتك فاستعد، فسبح بحمد ربك واستغفره. [البخاري وأحمد والترمذي والطبراني وأبو نعيم] .

وكان سعد بن أبي وقاص -رضي الله عنه- يقول عن ابن عباس: ما رأيت أحدًا أحضر فهمًا، ولا ألب لبًّا (عقلًا) ، ولا أكثر علمًا، ولا أوسع حلمًا من ابن عباس، لقد رأيت عمر يدعوه للمعضلات فيقول: قد جاءت معضلة، ثم لا يجاوز قوله وإن حوله لأهل بدر. [ابن سعد] . وكانت السيدة عائشة -رضي الله عنها- تقول: أعلم مَن بقي بالحجِّ ابن عباس.

وكان ابن عباس يقيم الليل، ويقرأ القرآن، ويكثر من البكاء من خشية الله، وكان متواضعًا يعرف لأصحاب النبي صلى الله عليه وسلم قدرهم، ويعظمهم ويحترمهم، فذات يوم أراد زيد بن ثابت -رضي الله عنه- أن يركب ناقته فأسرع ابن عباس إليه لينيخ له الناقة، فقال له زيد: تنيخ لي الناقة يا ابن عم رسول الله؟! فرد عليه ابن عباس قائلًا: هكذا أمرنا أن نأخذ بركاب كبرائنا.

وكان ابن عباس كريمًا جوادًا، وذات مرة نزل أبو أيوب الأنصاري البصرة حينما كان ابن عباس أميرًا عليها، فأخذه ابن عباس إلى داره وقال له: لأصنعن بك كما صنعت مع رسول الله صلى الله عليه وسلم:، فاستضافه ابن عباس خير ضيافة. وحضر ابن عباس معركة صفين، وكان في جيش الإمام عليَّ، وأقبل ابن عباس على العلم والعبادة حتى أتاه الموت سنة (67 هـ) ، حينما خرج من المدينة قاصدًا الطائف، وكان عمره آنذاك (70) سنة، وصلى عليه الإمام محمد بن الحنفية، ودفنه بالطائف وهو يقول: اليوم مات رَبَّاني هذه الأمة.

وكان ابن عباس -رضي الله عنه- من أكثر الصحابة رواية عن النبي صلى الله عليه وسلم فبلغ مسنده (1660) حديثًا، كما كان من أكثر الصحابة فقهًا، وله اجتهادات فقهية تميزه عن غيره من الصحابة.

قيام إمام التفسير ترجمان القرآن وحبر الأمة عبد الله بن عباس رضى الله عنهما.

هو الذى دعا له رسول الله صلى الله عليه وسلم أن يعلمه تأويل القرآن، فكان ابن عباس رضى الله عنه من أعلم الصحابة بما في كتاب الله تعالى.

ولقد تربى ابن عباس ـ وهو بَعدُ لم يجاوز العاشرة ـ في مدرسة النبوة، في مدرسة الليل، فقام رضى الله عنه وهو ابن عشر سنين مع النبي صلى الله عليه وسلم، وأعد له وضوءه من الليل.

فعن ابن عباس رضى الله عنه قال:"صليت مع النبي صلى الله عليه وسلم فقمت إلى جنبه عن يساره فأخذني فأقامنى عن يمينه"رواه أحمد بإسناد صحيح

وفي رواية أخرى أنه بات عند خالته ميمونه زوجة رسول الله صلى الله عليه وسلم، وهمه أن لا ينام حتى ينظر ما يصنع رسول الله صلى الله عليه وسلم في صلاة الليل، وهكذا كانت همة الصبيان، ولقد خشى أن يغلبه النوم فأوصى خالته بالأمر كما جاء في الحديث:"فقلت لميمونة: إذا قام رسول الله فأيقظيني"وانظر إلى أدبه رضي الله عنه حينما قال:"فقمت فتمطيت كراهة أن يرى أني كنت أرقبه"فواعجبًا لهذا الأدب والخلق الكريم ، لقد خشى ابن عباس أن يترك رسول الله صلى الله عليه وسلم بعض عمله لما جرى من عادته أنه كان يترك بعض العمل خشية أن يفرض على أمته ـ

قام ابن عباس وهو صغير السن وكبَّر ليصلي مع رسول الله صلى الله عليه وسلم فأشفق عليه النبي الكريم صلوات الله وسلامه عليه، وانظر إلى رأفة النبي ورحمته بأبي هو وأمي صلى الله عليه وسلم، يقول ابن عباس عن رسول الله ـ"وضع يده اليمنى على رأسي، وأخذ بأذني اليمنى يفتلها، فجعل يمسح بها أذني، فعرفت أنه إنما يصنع ذلك ليؤنسنى بيده في ظلمة الليل"

فلله درهم من طين، عجن بماء الوحي، وغرس بماء الرسالة، فهل يفوح منها إلا مسك الهدى وعنبر التقوى، ولذلك كان ابن عباس رضي الله عنه لا يترك القيام في حضر ولا في سفر، فقد ورد عن عبد الله بن أبي مليكة قال: صحبت ابن عباس رضي الله عنه من مكة إلى المدينة فكان إذا نزل قام شطر الليل، قال: قرأ {وَجَاءتْ سَكْرَةُ الْمَوْتِ بِالْحَقِّ ذَلِكَ مَا كُنتَ مِنْهُ تَحِيدُ} [ق:19] فحعل يرتَّل ويكثر في ذلكم النشيج (أي البكاء) .

فرضي الله عنه من إمام وعالم ورباني.

ــــــــــــــ

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت