الإمام القدوة . قاضي دمشق ، وصاحب رسول الله -صلى الله عليه وسلم- أبو الدرداء عويمر بن زيد بن قيس ويقال: عويمر بن عامر ، ويقال: ابن عبد الله . وقيل: ابن ثعلبة بن عبد الله - الأنصاري الخزرجي .
حكيم هذه الأمة . وسيد القراء بدمشق .
وقال ابن أبي حاتم: هو عويمر بن قيس بن زيد بن قيس بن أمية بن عامر بن عدي بن كعب بن الخزرج .
قال: ويقال: اسمه عامر بن مالك .
روى عن النبي -صلى الله عليه وسلم- عدة أحاديث .
وهو معدود فيمن تلا على النبي -صلى الله عليه وسلم- ، ولم يبلغنا أبدا أنه قرأ على غيره .
وهو معدود فيمن جمع القرآن في حياة رسول الله -صلى الله عليه وسلم- .
وتصدر للإقراء بدمشق في خلافة عثمان ، وقبل ذلك .
روى عنه: أنس بن مالك ، وفضالة بن عبيد ، وابن عباس ، وأبو أمامة ، وعبد الله بن عمرو بن العاص ; وغيرهم من جلة الصحابة ، وجبير ابن نفير ، وزيد بن وهب ، وأبو إدريس الخولاني ، وعلقمة بن قيس ، وقبيصة بن ذؤيب ، وزوجته أم الدرداء العالمة ، وابنه بلال بن أبي الدرداء ، وسعيد بن المسيب ، وعطاء بن يسار ، ومعدان بن أبي طلحة ، وأبو عبد الرحمن السلمي ، وخالد بن معدان ، وعبد الله بن عامر اليحصبي .
وقيل: إنه قرأ عليه القرآن ولحقه ; فإن صح ، فلعله قرأ عليه بعض القرآن وهو صبي .
وقرأ عليه عطية بن قيس ، وأم الدرداء .
وقال أبو عمرو الداني: عرض عليه القرآن: خليد بن سعد ، وراشد بن سعد ، وخالد بن معدان ، وابن عامر . كذا قال الداني . وولي القضاء بدمشق ، في دولة عثمان . فهو أول من ذكر لنا من قضاتها . وداره بباب البريد . ثم صارت في دولة السلطان صلاح الدين تعرف بدار الغزي .
ويروى له مائة وتسعة وسبعون حديثا .
واتفقا له على حديثين ، وانفرد البخاري بثلاثة ، ومسلم بثمانية .
روى سعيد بن عبد العزيز ، عن مغيث بن سمي: أن أبا الدرداء ، عويمر بن عامر من بني الحارث بن الخزرج .
وقال ابن إسحاق مرة: هو عويمر بن ثعلبة .
مات قبل عثمان بثلاث سنين .
وقال البخاري: سألت رجلا من ولد أبي الدرداء ، فقال: اسمه عامر بن مالك . ولقبه: عويمر .
وقال أبو مسهر: هو عويمر بن ثعلبة . وقال أحمد ، وابن أبي شيبة ، وعدة: عويمر بن عامر
وآخر من زعم أنه رأى أبا الدرداء ، شيخ عاش إلى دولة الرشيد ، فقال أبو إبراهيم الترجماني: حدثنا إسحاق أبو الحارث ، قال: رأيت أبا الدرداء أقنى أشهل يخضب بالصفرة .
روى الأعمش ، عن خيثمة: قال أبو الدرداء: كنت تاجرا قبل المبعث ، فلما جاء الإسلام ، جمعت التجارة والعبادة ، فلم يجتمعا ، فتركت التجارة ، ولزمت العبادة
قلت: الأفضل جمع الأمرين مع الجهاد ، وهذا الذي قاله ، هو طريق جماعة من السلف والصوفية ، ولا ريب أن أمزجة الناس تختلف في ذلك ، فبعضهم يقوى على الجمع ، كالصديق ، وعبد الرحمن بن عوف ، وكما كان ابن المبارك ; وبعضهم يعجز ، ويقتصر على العبادة ، وبعضهم يقوى في بدايته ، ثم يعجز ، وبالعكس ; وكل سائغ . ولكن لا بد من النهضة بحقوق الزوجة والعيال .
قال سعيد بن عبد العزيز: أسلم أبو الدرداء يوم بدر ، ثم شهد أحدا ، وأمره رسول الله -صلى الله عليه وسلم- يومئذ أن يرد مَنْ على الجبل ، فردَّهم وحدَه . وكان قد تأخر إسلامه قليلا .
قال شريح بن عبيد الحمصي: لما هُزم أصحاب رسول الله يوم أحد ، كان أبو الدرداء يومئذ فيمن فاء إلى رسول الله في الناس ، فلما أظلهم المشركون من فوقهم ، قال رسول الله: اللهم ، ليس لهم أن يَعْلُونا فثاب إليه ناس ، وانتدبوا ، وفيهم عويمر أبو الدرداء ، حتى أدحضُوهم عن مكانهم ، وكان أبو الدرداء يومئذ حسن البلاء . فقال رسول الله: نِعْمَ الفارس عُوَيْمِر! .
وقال: حكيم أمتي عويمر .
هذا رواه يحيى البابلتي: حدثنا صفوان بن عمرو ، عن شريح .
ثابت البناني ، وثمامة ، عن أنس: مات النبي -صلى الله عليه وسلم- ، ولم يجمع القرآن غير أربعة: أبو الدرداء ، ومعاذ ، وزيد بن ثابت ، وأبو زيد .
وقال زكريا ، وابن أبي خالد ، عن الشعبي: جمع القرآن على عهد رسول الله ستة ، وهم من الأنصار: معاذ ، وأبو الدرداء ، وزيد ، وأبو زيد ، وأبي ، وسعد بن عبيد .
وكان بقي على مجمع بن جارية سورة أو سورتان ، حين توفي رسول الله -صلى الله عليه وسلم .
إسماعيل ، عن الشعبي ، قال: كان ابن مسعود قد أخذ بضعا وسبعين سورة ، يعني من النبي -صلى الله عليه وسلم- ، وتعلم بقيته من مجمع ، ولم يجمع أحد من الخلفاء من الصحابة القرآن غير عثمان .
قال أبو الزاهرية: كان أبو الدرداء من آخر الأنصار إسلاما وكان يعبد صنما ، فدخل ابن رواحة ، ومحمد بن مسلمة بيته ، فكسرا صنمه ، فرجع فجعل يجمع الصنم ، ويقول: ويْحَكَ! هلاّ امتنعت! ألا دفعت عن نفسك؟! ، فقالت أم الدرداء: لو كان ينفع أو يدفع عن أحد ، دفع عن نفسه ، ونفعها ! .
فقال أبو الدرداء: أعدي لي ماء في المغتسل . فاغتسل ، ولبس حلته ، ثم ذهب إلى النبي -صلى الله عليه وسلم- ; فنظر إليه ابن رواحة مقبلا ، فقال: يا رسول الله ، هذا أبو الدرداء ، وما أراه إلا جاء في طلبنا ؟ فقال: إنما جاء ليسلم ، إن ربي وعدني بأبي الدرداء أن يسلم .
روى من قوله:"وكان يعبد ... إلى آخره"معاوية بن صالح ، عن أبي الزاهرية ، عن جبير بن نفير .
وروى منه ، أبو صالح ، عن معاوية عن أبي الزاهرية ، عن جبير ، عن أبي الدرداء: قال النبي -صلى الله عليه وسلم-: إن الله وعدني إسلام أبي الدرداء ، فأسلم .
وروى أبو مِسهر ، عن سعيد بن عبد العزيز: أن أبا الدرداء أسلم يوم بدر ، وشهد أحدا . وفرض له عمر في أربع مائة -يعني في الشهر- ألحقه في البدريين
وقال الواقدي: قيل: لم يشهد أحدا .
سعيد بن عبد العزيز ، عن مكحول: كانت الصحابة يقولون: أرْحَمُنَا بنا أبو بكر ; وأنْطَقُنَا بالحقِّ عمر ; وأمِينُنَا أبو عبيدة ; وأعْلَمُنَا بالحرام والحلال معاذ ; وأقْرَأُنَا أُبَيُّ ، ورجل عنده علم ابن مسعود ، وتبعهم عُوَيْمِر أبو الدرداء بالعَقْلِ .
وقال ابن إسحاق: كان الصحابة يقولون: أتبعنا للعلم والعمل أبو الدرداء .
وروى عون بن أبي جحيفة ، عن أبيه: أن رسول الله آخى بين سلمان وأبي الدرداء ; فجاءه سلمان يزوره ، فإذا أم الدرداء متبذلة ، فقال: ما شأنك ؟ قالت: إن أخاك لا حاجة له في الدنيا ، يقوم الليل ، ويصوم النهار . فجاء أبو الدرداء ، فرحب به ، وقرب إليه طعاما . فقال له سلمان: كُلْ . قال: إني صائم . قال: أقسمت عليك لتفطرن . فأكل معه . ثم بات عنده ، فلما كان من الليل ، أراد أبو الدرداء أن يقوم ، فمنعه سلمان وقال: إن لجسدك عليك حقا . ولربك عليك حقا . ولأهلك عليك حقا ; صم ، وأفطر ، وصل ، وائت أهلك ، وأعط كل ذي حق حقه
فلما كان وجه الصبح ، قال: قم الآن إن شئت ; فقاما ، فتوضآ ، ثم ركعا ، ثم خرجا إلى الصلاة ، فدنا أبو الدرداء ليخبر رسول الله بالذي أمره سلمان . فقال له: يا أبا الدرداء ، إن لجسدك عليك حقا ، مثل ما قال لك سلمان .
البابلتي: حدثنا الأوزاعي: حدثنا حسان بن عطية ، قال: قال أبو الدرداء: لو أُنسِيتُ آية لم أجد أحدا يذكرنيها إلا رجلا بِبَرْكِ الغِماد ، رحلت إليه .
الأعمش ، عن سالم بن أبي الجعد ، عن أبي الدرداء ، قال: سلوني ، فوالله لئن فقدتموني لتفقدن رجلا عظيما من أمة محمد -صلى الله عليه وسلم .
ربيعة القصير ، عن أبي إدريس ، عن يزيد بن عميرة ، قال: لما حضرت معاذا الوفاة ، قالوا: أوصنا . فقال: العلم والإيمان مكانهما ، من ابتغاهما وجدهما . -قالها ثلاثا- فالتمسوا العلم عند أربعة: عند عويمر أبي الدرداء ، وسلمان ، وابن مسعود ، وعبد الله بن سلام ، الذي كان يهوديا فأسلم .
وعن ابن مسعود: علماء الناس ثلاثة: واحد بالعراق، وآخر بالشام -يعني: أبا الدرداء- وهو يحتاج إلى الذي بالعراق -يعني: نفسه- وهما يحتاجان إلى الذي بالمدينة -يعني: عليا رضي الله عنه .إسناده ضعيف .
ابن وهب: أخبرني يحيى بن عبد الله ، عن عبد الرحمن الحجري ، قال: قال أبو ذر لأبي الدرداء: ما حملت ورقاء ، ولا أظلت خضراء ، أعلم منك يا أبا الدرداء
منصور ، عن رجل ، عن مسروق ، قال: وجدت علم الصحابة انتهى إلى ستة: عمر ، وعلي ، وأبي ، وزيد ، وأبي الدرداء ، وابن مسعود ; ثم انتهى علمهم إلى علي ، وعبد الله .
وقال خالد بن معدان: كان ابن عمر يقول: حدثونا عن العاقلين . فيقال: من العاقلان ؟ فيقول: معاذ ، وأبو الدرداء .
وروى سعد بن إسحاق ، عن محمد بن كعب ، قال: جمع القرآن خمسة: معاذ ، وعبادة بن الصامت ، وأبو الدرداء ، وأبي ، وأبو أيوب . فلما كان زمن عمر ، كتب إليه يزيد بن أبي سفيان: إن أهل الشام قد كثروا ، وملؤوا المدائن ، واحتاجوا إلى من يعلمهم القرآن ويفقههم . فأعني برجال يعلمونهم . فدعا عمر الخمسة ; فقال: إن إخوانكم قد استعانوني من يعلمهم القرآن ، ويفقههم في الدين ، فأعينوني يرحمكم الله بثلاثة منكم إن أحببتم ، وإن انتدب ثلاثة منكم فليخرجوا .
فقالوا: ما كنا لنتساهم ، هذا شيخ كبير -لأبي أيوب- وأما هذا فسقيم - لأبي - فخرج معاذ ، وعبادة ، وأبو الدرداء .
فقال عمر: ابدؤوا بحمص ، فإنكم ستجدون الناس على وجوه مختلفة ، منهم من يلقن ، فإذا رأيتم ذلك ، فوجهوا إليه طائفة من الناس ، فإذا رضيتم منهم ، فليقم بها واحد ، وليخرج واحد إلى دمشق ، والآخر إلى فلسطين . قال: فقدموا حمص فكانوا بها ; حتى إذا رضوا من الناس أقام بها عبادة بن الصامت ; وخرج أبو الدرداء إلى دمشق ، ومعاذ إلى فلسطين ، فمات في طاعون عمواس . ثم صار عبادة بعد إلى فلسطين وبها مات . ولم يزل أبو الدرداء بدمشق حتى مات .
الأحوص بن حكيم: عن راشد بن سعد ، قال: بلغ عمر أن أبا الدرداء ، ابتنى كنيفا بحمص . فكتب إليه: يا عويمر ، أما كانت لك كفاية فيما بنت الروم عن تزيين الدنيا ، وقد أذن الله بخرابها . فإذا أتاك كتابي ، فانتقل إلى دمشق .
مالك ، عن يحيى بن سعيد ، قال: كان أبو الدرداء ، إذا قضى بين اثنين ، ثم أدبرا عنه ، نظر إليهما ، فقال: ارجعا إليَّ ، أعيدا علي قضيتكما .
معمر ، عن الأعمش ، عن عمرو بن مرة ، عن ابن أبي ليلى ، قال: كتب أبو الدرداء إلى مسلمة بن مخلد: سلام عليك . أما بعد ، فإن العبد إذا عمل بمعصية الله ، أبغضه الله ; فإذا أبغضه الله ، بغَّضَهُ إلى عباده .
وقال أبو وائل ، عن أبي الدرداء: إني لآمركم بالأمر وما أفعله ، ولكن لعل الله يأجرني فيه .
شعبة ، عن سعد بن إبراهيم ، عن أبيه: أن عمر قال لابن مسعود ، وأبي ذر ، وأبي الدرداء: ما هذا الحديث عن رسول الله -صلى الله عليه وسلم! وأحسبه حبسهم بالمدينة حتى أصيب
سعيد بن عبد العزيز ، عن مسلم بن مشكم: قال لي أبو الدرداء: اعدد من في مجلسنا . قال: فجاءوا ألفا وست مائة ونيفا . فكانوا يقرءون ويتسابقون عشرة عشرة ، فإذا صلى الصبح ، انفتل وقرأ جزءا ; فيحدقون به يسمعون ألفاظه . وكان ابن عامر مقدما فيهم .
وقال هشام بن عمار: حدثنا يزيد بن أبي مالك ، عن أبيه ، قال: كان أبو الدرداء يصلي ، ثم يقرئ ويقرأ ، حتى إذا أراد القيام ، قال لأصحابه: هل من وليمة أو عقيقة نشهدها ؟ فإن قالوا: نعم ، وإلا قال: اللهم ، إني أشهدك أني صائم . وهو الذي سن هذه الحلق للقراءة .
قال القاسم بن عبد الرحمن: كان أبو الدرداء من الذين أوتوا العلم .
أبو الضحى ; عن مسروق ، قال: شاممت أصحاب محمد -صلى الله عليه وسلم- ، فوجدت علمهم انتهى إلى عمر ، وعلي ، وعبد الله ، ومعاذ ، وأبي الدرداء ، وزيد بن ثابت .
وعن يزيد بن معاوية ، قال: إن أبا الدرداء من العلماء الفقهاء ، الذين يشفون من الداء .
وقال الليث ، عن رجل عن آخر: رأيت أبا الدرداء دخل مسجد النبي -صلى الله عليه وسلم- ، ومعه من الأتباع مثل السلطان: فمن سائل عن فريضة ، ومن سائل عن حساب ، وسائل عن حديث ، وسائل عن معضلة ، وسائل عن شعر .
قال ربيعة بن يزيد القصير: كان أبو الدرداء إذا حدث عن رسول الله قال: اللهم إن لا هكذا ، وإلا فكشكله .
منصور ، عن سالم بن أبي الجعد ، قال أبو الدرداء: ما لي أرى علماءكم يذهبون ، وجهالكم لا يتعلمون ! تعلموا ، فإن العالم والمتعلم شريكان في الأجر .
وعن أبي الدرداء ، من وجه مرسل: لن تكون عالما حتى تكون متعلما ، ولا تكون متعلما حتى تكون بما علمت عاملا ; إن أخوف ما أخاف إذا وقفت للحساب أن يقال لي: ما عملت فيما علمت ؟ .
جعفر بن برقان ، عن ميمون بن مهران ، قال أبو الدرداء: ويل للذي لا يعلم مرة ، وويل للذي يعلم ولا يعمل سبع مرات .
ابن عجلان ، عن عون بن عبد الله: قلت لأم الدرداء: أي عبادة أبي الدرداء كانت أكثر؟ قالت: التفكر والاعتبار .
وعن أبي الدرداء: تفكر ساعة خير من قيام ليلة .
عمرو بن واقد ، عن ابن حلبس: قيل لأبي الدرداء -وكان لا يفتر من الذكر-: كم تُسَبِّح في كل يوم ؟ قال: مائة ألف ، إلا أن تخطئ الأصابع .
الأعمش ، عن عمرو بن مرة ، عن أبي البختري ، قال: بينا أبو الدرداء يوقد تحت قدر له ، إذ سمعت في القدر صوتا ينشج ، كهيئة صوت الصبي ، ثم انكفأت القدر ، ثم رجعت إلى مكانها ، لم ينصب منها شيء . فجعل أبو الدرداء ينادي: يا سلمان ، انظر إلى ما لم تنظر إلى مثله أنت ولا أبوك ! فقال له سلمان: أما إنك لو سكت ، لسمعت من آيات ربك الكبرى .
الأوزاعي ، عن بلال بن سعد ، أن أبا الدرداء قال: أعوذ بالله من تفرقة القلب . قيل: وما تفرقة القلب ؟ قال: أن يجعل لي في كل واد مال .
روي عن أبي الدرداء ، قال: لولا ثلاث ما أحببت البقاء: ساعة ظمأ الهواجر ، والسجود في الليل ، ومجالسة أقوام ينتقون جيد الكلام كما ينتقى أطايب الثمر .
الأعمش ، عن غيلان ، عن يعلى بن الوليد ، قال: لقيت أبا الدرداء ، فقلت: ما تحب لمن تحب ؟ قال: الموت . قلت: فإن لم يمت ؟ قال: يقل ماله وولده .
قال معاوية بن قرة: قال أبو الدرداء: ثلاثة أحبهن ، ويكرههن الناس: الفقر ، والمرض ، والموت . أحب الفقر تواضعا لربي ، والموت اشتياقا لربي ، والمرض تكفيرا لخطيئتي .
الأوزاعي ، عن يحيى بن أبي كثير ، عن أبيه: أن أبا الدرداء أوجعت عينه حتى ذهبت ، فقيل له: لو دعوت الله ؟ فقال: ما فرغت بعد من دعائه لذنوبي ; فكيف أدعو لعيني ؟ .
حريز بن عثمان: حدثنا راشد بن سعد ، قال: جاء رجل إلى أبي الدرداء فقال: أوصني . قال: اذكر الله في السراء يذكرك في الضراء ; وإذا ذكرت الموتى ، فاجعل نفسك كأحدهم ، وإذا أشرفت نفسك على شيء من الدنيا ، فانظر إلى ما يصير .
إبراهيم النخعي ، عن همام بن الحارث: كان أبو الدرداء يقرئ رجلا أعجميا: إِنَّ شَجَرَةَ الزَّقُّومِ طَعَامُ الْأَثِيمِ فقال:"طعام اليتيم"فردَّ عليه ، فلم يقدر أن يقولها . فقال: قل: طعام الفاجر . فأقرأه"طعام الفاجر".
منصور ، عن عبد الله بن مرة ، أن أبا الدرداء قال: اعبد الله كأنك تراه وعد نفسك في الموتى ، وإياك ودعوة المظلوم ، واعلم أن قليلا يغنيك خير من كثير يلهيك ، وأن البر لا يبلى ، وأن الإثم لا ينسى .
شيبان ، عن عاصم ، عن أبي وائل ، عن أبي الدرداء: إياك ودعوات المظلوم ; فإنهن يصعدن إلى الله كأنهن شرارات من نار .
وروى لقمان بن عامر ، أن أبا الدرداء قال: أهل الأموال يأكلون ونأكل ، ويشربون ونشرب ، ويلبسون ونلبس ، ويركبون ونركب ، ولهم فضول أموال ينظرون إليها ، وننظر إليها معهم ، وحسابهم عليها ونحن منها برآء .
وعنه ، قال: الحمد لله الذي جعل الأغنياء يتمنون أنهم مثلنا عند الموت ، ولا نتمنى أننا مثلهم حينئذ . ما أنصفنا إخواننا الأغنياء: يحبوننا على الدين ، ويعادوننا على الدنيا .
رواه صفوان بن عمرو الحمصي ، عن عبد الرحمن بن جبير .
وروى صفوان ، عن ابن جبير ، عن أبيه ، قال: لما فتحت قبرس ، مر بالسبي على أبي الدرداء ، فبكى ، فقلت له: تبكي في مثل هذا اليوم الذي أعز الله فيه الإسلام وأهله ؟ قال: يا جبير ، بينا هذه الأمة قاهرة ظاهرة إذ عصوا الله ، فلقوا ما ترى . ما أهون العباد على الله إذا هم عصوه .
بقية ، عن حبيب بن عمر ، عن أبي عبد الصمد ، عن أم الدرداء ، قالت: كان أبو الدرداء لا يحدث بحديث إلا تبسم ، فقلت: إني أخاف أن يحمقك الناس . فقال: كان رسول الله -صلى الله عليه وسلم- لا يحدث بحديث إلا تبسم .
أخرجه أحمد في"المسند".
عكرمة بن عمار ، عن أبي قدامة محمد بن عبيد ، عن أم الدرداء ، قالت: كان لأبي الدرداء ستون وثلاث مائة خليل في الله . يدعو لهم في الصلاة ، فقلت له في ذلك ، فقال: إنه ليس رجل يدعو لأخيه في الغيب إلا وَكَّل الله به ملكين يقولان: ولك بمثل . أفلا أرغب أن تدعو لي الملائكة .
وقال أبو الزاهرية: قال أبو الدرداء: إنا لنُكَشِّر في وجوه أقوام وإن قلوبنا لتلعنهم
قالت أم الدرداء: لما احتضر أبو الدرداء ، جعل يقول: من يعمل لمثل يومي هذا؟ من يعمل لمثل مضجعي هذا؟ .
أخبرنا أبو المعالي أحمد بن إسحاق: أخبرنا الفتح بن عبد السلام ، أخبرنا محمد بن عمر القاضي ، ومحمد بن علي ، ومحمد بن أحمد الطرائقي: قالوا: أخبرنا محمد بن أحمد بن المسلمة: أخبرنا عبيد الله ابن عبد الرحمن: أخبرنا جعفر الفريابي: حدثنا محمد بن عائذ: حدثنا الهيثم بن حميد: حدثنا الوضين بن عطاء ، عن يزيد بن مزيد ، قال: ذكر الدجال في مجلس فيه أبو الدرداء فقال نوف البكالي إني لغير الدجال أخوف مني من الدجال . فقال أبو الدرداء: وما هو ؟ قال: أخاف أن أُسْتَلَبَ إيماني وأنا لا أشعر . فقال أبو الدرداء: ثكلتك أمك يا ابن الكندية ! وهل في الأرض خمسون يتخوفون ما تتخوف؟ ثم قال: وثلاثون ، وعشرون ، وعشرة ، وخمسة . ثم قال: وثلاثة . كل ذلك يقول: ثكلتك أمك! والذي نفسي بيده ما أمن عبد على إيمانه إلا سلبه ، أو انتزع منه فيفقده . والذي نفسي بيده ما الإيمان إلا كالقميص يتقمصه مرة ويضعه أخرى .
قال الواقدي ، وأبو مسهر ، وابن نمير: مات أبو الدرداء سنة اثنتين وثلاثين .
وعن خالد بن معدان ، قال: مات سنة إحدى وثلاثين .
فهذا خطأ ، لأن الثوري روى عن الأعمش ، عن عمارة بن عمير ، عن حريث بن ظهير ، قال: لما جاء نعي -يعني: ابن مسعود- إلى أبي الدرداء ، قال: أما إنه لم يخلف بعده مثله! ووفاة عبد الله في سنة 32 .
وروى إسماعيل بن عبيد الله ، عن أبي عبيد الله الأشعري ، قال: مات أبو الدرداء قبل مقتل عثمان -رضي الله عنهما .
وقيل: الذين في حلقة إقراء أبي الدرداء كانوا أزيد من ألف رجل ، ولكل عشرة منهم ملقن ، وكان أبو الدرداء يطوف عليهم قائما ، فإذا أحكم الرجل منهم ، تحول إلى أبي الدرداء - يعني يعرض عليه .
وعن أبي الدرداء ، قال: من أكثر ذكر الموت قل فرحه ، وقل حسده .
ــــــــــــــ