د. فاروق عاشور
لا شك أن سيرة الحبيب المصطفى صلى الله عليه وسلم تزخر بكل معاني الهداية والاقتداء للمسلمين على مر الأزمان والعصور، وخاصة المسلمين الذين يعيشون في المجتمع الإسلامي.
ولكن أريد أن أعرض لنموذج مشرق جميل يفصح عن نظرة إسلامية ثاقبة لفقه الواقع والمكان، ولكنه نموذج خاص بالمسلمين في الغربة. والحديث يبدأ حينما هاجر المسلمون إلى الحبشة، وقد خرج هؤلاء الصحابة من بلادهم ليصبحوا جالية إسلامية في بلد غريب عنهم بعاداته وتقاليده وديانته وأعرافه. وما إن حطت هذه الجالية المسلمة رحالها في أرض الحبشة، حتى بدأت تكابد ظروف الحياة الجديدة في الغربة بكل ما تحمله من معانٍ إيجابية أو سلبية.
ولا يخفى ما كان من أمر عمرو بن العاص ومحاولاته مع ملك الحبشة من أجل إعادة المسلمين إلى مكة، حتى وصل الأمر أن استدعى الملك المسلمين لاستجوابهم وسماع وجهة نظرهم في العديد من القضايا والشبهات المثارة حولهم، فكان الخطاب الإسلامي الواعي الذي صرح به رئيس الجالية المسلمة جعفر بن أبي طالب. وأترك المجال هنا لجعفر الطيار حتى نرى صورة مشرقة للخطاب الإسلامي للجالية في الغربة.
فبعد أن سأله الملك عن هذا الدين؟ ولماذا فارقوا دينهم لاتباعه؟ ولماذا لم يدخلوا في دين الملك بدل دين محمد صلى الله عليه وسلم؟ قال جعفر:"أيها الملك، كنا قومًا أهل جاهلية، نعبد الأصنام، ونأكل الميتة، ونأتي الفواحش، ونقطع الأرحام، ونسيء الجوار، ويأكل القوي منا الضعيف، فكنا على ذلك حتى بعث الله إلينا رسولًا منا، نعرف نسبه وصدقه، وأمانته وعفافه، فدعانا إلى الله لنوحده ونعبده، وأمرنا بصدق الحديث، وأداء الأمانة، وصلة الرحم، وحسن الجوار، فعبدنا الله وحده، فلم نشرك به شيئًا، وحرمنا ما حرم علينا، وأحللنا ما أحل لنا، فعدا علينا قومنا، فعذبونا وفتنونا عن ديننا، ليردونا إلى عبادة الأوثان، فخرجنا إلى بلادك، واخترناك على من سواك، ورغبنا في جوارك، ورجونا ألا نُظلم عندك أيها الملك".
فقال النجاشي"هل معك مما جاء به الله من شيء"؟ فقال له رضي الله عنه:"نعم"وقرأ عليه من سورة مريم، فبكى النجاشي وبكت أساقفته، ثم قال النجاشي:"إن هذا والذي جاء به عيسى ليخرج من مشكاة واحدة!"ثم قال لعمرو بن العاص وصاحبه:"انطلقا، فلا والله لا أسلمهم إليكما، ولا يُكادون".
وكان الملك قد استمع إلى عمرو بن العاص الذي أثاره ضد المسلمين أبناء الجالية قبل أن يرسل في طلبهم، ولما جاء رسول النجاشي إلى المسلمين اجتمعوا ليتشاورا فيما سيقولونه للملك إن سألهم عن دينهم، فاتفقوا جميعًا على رأي واحد حيث قالوا:"نقول والله ما علمنا، وما أمرنا به نبينا، كان في ذلك ما هو كائن". وأود هنا أن أستنتج مجموعة من العناصر في الخطاب الإسلامي الذي قد قدمه أبناء الجالية المسلمة في الحبشة وهي:
1 الصراحة والوضوح وعدم الظهور بوجهين، والالتزام بالمبدأ والصدق. وكذلك الخطاب الإسلامي في عصرنا يجب أن يتحلى بمعاني الشفافية والصدق، وأن يعتمد في طرحه على المبدئية في الخطاب، وألا يكون خطابًا تصالحيًا انهزاميًا في حال الضعف، وعدائيًا استئصاليًا في حال القوة والتمكين.
2 نبذ القيم الهدامة والرذائل والعادات الضارة، حيث يسعى الإسلام لتطهير المجتمعات والشعوب من أدران الجهل والتخلف والفحش والرذيلة والظلم. ويساند كل القوى في العالم التي تدعو لأن تحل مبادئ العدل والمساواة والعلم بدل مبادئ الطغيان والظلم والجهل.
3 الاعتزاز بالتراث والحضارة والموروث. وحري بأبناء الجاليات المسلمة في الغرب اليوم أن يفخروا بدينهم وموروثهم الحضاري، ويترجموا ذلك في محاضرات ومؤتمرات وندوات ودراسات تعبر عن افتخارهم بدينهم ودعوتهم، ويقينهم بقدرته على إصلاح المجتمعات والارتقاء بها.
4 بيان محاسن الإسلام. وأشعر في هذا الخطاب كأن جعفرًا رضي الله عنه يريد أن ينبه كل متحدث باسم الجالية المسلمة في أي مكان أن يكون منطلق خطابه إظهار محاسن هذا الدين، وتأكيد التزام أبناء الجالية به نظريًا وفعليًا. 5 نطبق ما اعتقدناه فلا يكفي أن نرفع شعارات القيم والمبادئ والأخلاق ونسطر معانيها في الصحف والمجلات، فإن تكلمنا عن حقوق المرأة مثلًا لابد أن نبرهن ذلك بحسن تعاملنا معها، وإن تحدثنا عن احترام الإسلام للأديان الأخرى فعلينا ألا نسب أتباعها أو ننظر لهم نظرة دونية، ونحن في بلادهم وعلى أرضهم.
6 استمالة المجتمع المحيط للتعاطف مع أطروحاتنا، فحينما ندخل على مجتمع نحن فيه أقلية بثقافاتنا وعقيدتنا، لا بد من استمالة هذا المحيط للتعاطف معنا بدل الاصطدام به ومعاندته التي لا تجلب لأبناء الجالية سوى الانحسار والتشرذم.
7 إظهار إيجابيات ومحاسن المجتمع المضيف"فخرجنا إلى بلادك، واخترناك على من سواك، ورغبنا في جوارك، ورجونا ألا نظلم عندك أيها الملك"، ولا شك أن لكل مجتمع عادات وتقاليد وقوانين وموروثات إيجابية، يمكن أن يتوسم فيها أبناء الجالية المسلمة نوعًا من العدل والإنصاف، فلا بد من الاندماج في المجتمع وسبر أغواره لمعرفة هذه الإيجابيات والتعامل معها وفق منهجية تنمي جوانب الخير. كما لا بد من إرجاع الفضل لأهل الفضل وشكر المجتمع المستضيف لهذه الجالية بما هو أهله، والشكر لا يعني كلمة نقولها ونعمل عكسها، بل انضباط والتزام واحترام للعادات والتقاليد والقوانين، وحب صادق للبلد المضيف وأهله.
8 محاكاة دائرة الاهتمام وأقصد بها أن يكون طرحنا متطرقًا لقضايا تهم المجتمع وتشغل باله وقريبة منه، وأن نراعي في خطابنا للمجتمع أمورًا تثير انتباهه ويشعر بأنها تخصه بالدرجة الأولى (وقد فعل جعفر ذلك حين طلب منه الملك أن يقرأ عليه شيئًا من القرآن، فكان في قمة الوعي والذكاء حيث اختار سورة مريم ليقرأها على الملك والأساقفة الذين كانوا على النصرانية) ، وقد كان خطاب جعفر مؤثرًا فيهم لدرجة أن النجاشي وحاشيته لم يتمالكوا أنفسهم من البكاء والخشوع.
9 إظهار الألفة والتفاهم بين أبناء الجالية وقد تكون هذه القضية أحد أهم أسباب معاناة أبناء الجاليات الاسلامية في الغرب عمومًا، وأظن أن أبناء الجالية في أوكرانيا أيضًا يكتوون كل يوم بسبب فقدانهم لعنصر التفاهم والتآلف، وهذا يظهرنا بمظهر المشوه المفلس أمام المجتمع، إذ كيف نستطيع أن نخاطب المجتمع وندعوه إلى أخوة الإنسانية، والتفاهم وقبول الرأي الآخر، ونحن كأبناء جالية ودعاة وحدة نتنازع ونتحاقد فيما بيننا. أما أبناء الجالية المسلمة في الحبشة فكانوا غير ذلك، إذ إنه حين دعاهم الملك أجمعوا على رأي واحد، فلم يتخلف منهم عن هذا الرأي أحد.
10 معايشة هموم أهل البلاد، فأنت كعنصر ينتمي إلى جالية تقيم في أوكرانيا لا بد أن تعيش هموم هذه البلاد وأفراحها وأتراحها، تعيشها بروحك ووجدانك وضميرك وجسدك. تفرح لفرحها، وتتأثر لألمها ومصابها.
ومن المصادفة أيضًا أن هذا حدث للجالية المسلمة في الحبشة؛ حيث قام أحد المناوئين للنجاشي بمحاولة انقلابية على حكمه أثناء وجود المسلمين في الحبشة، فكان المسلمون شديدي الحرص على وحدة الحبشة، واستقرار الحكم فيها فعرضوا أنفسهم على الملك ليستخدمهم في الدفاع عن وحدة البلاد والدولة، إلا أنه رفض أن يعرضهم لخطر الحرب، وآثر أن يؤمّن وجودهم حتى لا يمسهم أحد بسوء.
هذه معانٍ جالت في خاطري وأنا أقرأ تلك الكلمات المشرقة لجعفر بن أبي طالب، ومن معه من أبناء الجالية المسلمة في أرض الحبشة، وكيف استطاعوا ببلاغة خطابهم ووضوحه وقوة إقناعه، وملامسته لواقع البلاد والعباد، وتميزه بالعزة والوحدة والانتماء، وإقراره باحترام الآخر وحقه، وشفافيته وصدقه، كيف استطاع هذا الخطاب أن يؤمّن لأبناء تلك الجالية حياة كريمة في أرض الحبشة، محفوظة برعاية الملك وإشرافه، حتى إنه أصدر قرارًا ملكيًا يقول فيه: من آذى أحدًا من المسلمين فأغرموه ثمانية دراهم. فمتى يعمد أبناء الجالية المسلمة في الغرب عمومًا وفي أوكرانيا خصوصًا إلى فهم لغة خطاب جعفر الطيار حتى يعزوا ويرتقوا، ويُنادى عبر وسائل الإعلام: من آذى أحدًا منهم فأغرموه!
ــــــــــــــ