فهرس الكتاب

الصفحة 130 من 289

إننا لو نظرنا -نحن المسلمين- إلى حياة الصحابة، وكيف كانوا يُبلُون لأجل نصرة الدين وانتشار الإسلام؛ لما وجد هذا الذل والاضطهاد من قبل أعداء الله المشركين. وإن قصة أبي ذر رضي الله عنه لتشهد لنا حقيقة وتبين لنا كيف كانت هممهم في طلب الحق واعتناقه، ثم إذا اعتنقوه دافعوا وبذلوا النفس رخيصة من أجله، وقاموا بالأمر بالمعروف والنهي عن المنكر دون خوف من أحد.

جيل الصحابة كون مجتمعًا مسلمًا متكاملًا ...

الحمد لله رب العالمين، وصلى الله وسلم وبارك على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين. أما بعد: أيها الإخوة: السلام عليكم ورحمة الله وبركاته، أحييكم في هذه الليلة التي نسأل الله سبحانه وتعالى أن ينفعنا وإياكم بما سنسمع فيها، ونسأل الله سبحانه وتعالى أن يثيبكم خيرًا على حضوركم واستماعكم، ونسأل الله أن يجعل مجلسنا هذا من المجالس التي تثقل فيها أعمالنا يوم القيامة، إن دراسة قصص الصحابة رضوان الله عليهم لها أهمية كبيرة؛ لأن الصحابة رضوان الله عليهم هم أولئك الجيل الذي رباهم رسول الله صلى الله عليه وسلم على عينه، ولقنهم مبادئ الوحي ومضامين الرسالة التي أنزلت عليه، ورسول الله صلى الله عليه وسلم أعظم هذه الأمة قاطبة جنها وإنسها، ولذلك فإن هذا المربي العظيم عندما يربي ذلك الجيل على تلك التعليمات الإلهية، كتابًا وسنة، فإن ذلك الجيل لا بد أن يكون جيلًا عظيمًا، جيلًا تستفيد منه البشرية إلى قيام الساعة، وهذا الجيل -أيها الإخوة- عبارة عن أفراد تجمعوا وآمنوا بالرسول صلى الله عليه وسلم، وانصهروا في تلك البوتقة الإيمانية التربوية، حتى خرجت تلك النماذج، وصحابة الرسول صلى الله عليه وسلم يتفاوتون في ميزاتهم، وصفاتهم الشخصية، ولذلك نجد أن أرأف الأمة: أبا بكر وأشدها في أمر الله: عمر ، وأكثرها حياءً: عثمان ، وأحسنهم قضاء بين الخصوم: علي بن أبي طالب ، وأعلمهم بالحلال والحرام: معاذ بن جبل ، وأعلمهم بالفرائض: زيد بن ثابت ، وأكثرهم أمانة: أبو عبيدة عامر بن الجراح، وأعلمهم بالقراءة -قراءة القرآن- أبي بن كعب ، فإذًا الصحابة رضوان الله عليهم كانت صفاتهم الشخصية واستعداداتهم وقدراتهم تتفاوت، ومن مجموع هذه القدرات وتنوع هذه الشخصيات، تكون ذلك المجتمع المسلم

أبو ذر الغفاري رضي الله عنه ترجمته وحياته ...

ونحن اليوم سنلقي الضوء في هذا الليلة إن شاء الله عن شخصية من تلكم الشخصيات العظيمة التي نشأت في ظل النبوة نشأة إيمانية، فالصحابة رضوان الله عليهم كثير منهم دخلوا في الإسلام وهم كبار السن، ومع أن تشكل الكبير على أمر جديد صعب، ولكن عندما يسلم الإنسان تسليمًا كاملًا وينقاد فإن ذلك التشكل يكون سهلًا، والرجل الذي سنتكلم عنه في هذه الليلة، هو: أبو ذر الغفاري رضي الله عنه، هذه الشخصية التي لا يعلم عنها الكثيرون، وبعض من يعلم عنها شيئًا يعلمون عنها أشياء مشوهة، قد أخذوا عنها فكرة غير كاملة وصحيحة، فمن الناس من يعتقد أن أبا ذر شخصية ضعيفة مهزوزة، ولذلك يقول الرسول صلى الله عليه وسلم: (إنك لضعيف) ولكن الحقيقة غير ذلك كما سنبين إن شاء الله

اسمه ونسبه وفضله ... فأما أبو ذر فإن اسمه: جندب بن جنادة -جُندُب أو جُندَب لغتان صحيحتان- ابن سفيان بن عبيد بن حرام بن غفار وغفار يرجع أصلهم إلى بني كنانة، قال الذهبي رحمه الله في السير: هو أحد السابقين الأولين من نجباء أصحاب محمد صلى الله عليه وسلم، كان يفتي في خلافة أبي بكر و عمر و عثمان ، وكان رأسًا في الزهد والصدق والعلم بالعمل، قوالًا بالحق، لا تأخذه في الله لومة لائم، على حدة فيه. وقال عليه الصلاة السلام مبينًا فضائل ذلك الرجل في الحديث الصحيح: (ما أقلت الغبراء - الأرض- ولا أظلت الخضراء - السماء- من رجل أصدق لهجة من أبي ذر) . أما بالنسبة لحديث الرسول صلى الله عليه وسلم الصحيح الذي يقول: (يا أبا ذر ! إني أراك ضعيفًا، وإني أحب لك ما أحب لنفسي، لا تتأمرن على اثنين، ولا تولين مال يتيم) فهذا التعليم منه عليه الصلاة والسلام والإرشاد لأبي ذر ذلك لأن أبا ذر كانت تعتريه حدة في كثير من الأحيان، مما قد لا يكون مع تلك الحدة جيدًا في الإمارة، وكان يرى أن إبقاء المال هو كنز للمال، ولا بد من إنفاقه كله، ولذلك لو تولى مال يتيم قد ينفق مال اليتيم في سبيل الله.فأما أبو ذر فإن اسمه: جندب بن جنادة -جُندُب أو جُندَب لغتان صحيحتان- ابن سفيان بن عبيد بن حرام بن غفار وغفار يرجع أصلهم إلى بني كنانة، قال الذهبي رحمه الله في السير: هو أحد السابقين الأولين من نجباء أصحاب محمد صلى الله عليه وسلم، كان يفتي في خلافة أبي بكر و عمر و عثمان ، وكان رأسًا في الزهد والصدق والعلم بالعمل، قوالًا بالحق، لا تأخذه في الله لومة لائم، على حدة فيه. وقال عليه الصلاة السلام مبينًا فضائل ذلك الرجل في الحديث الصحيح: (ما أقلت الغبراء - الأرض- ولا أظلت الخضراء - السماء- من رجل أصدق لهجة من أبي ذر) . أما بالنسبة لحديث الرسول صلى الله عليه وسلم الصحيح الذي يقول: (يا أبا ذر ! إني أراك ضعيفًا، وإني أحب لك ما أحب لنفسي، لا تتأمرن على اثنين، ولا تولين مال يتيم) فهذا التعليم منه عليه الصلاة والسلام والإرشاد لأبي ذر ذلك لأن أبا ذر كانت تعتريه حدة في كثير من الأحيان، مما قد لا يكون مع تلك الحدة جيدًا في الإمارة، وكان يرى أن إبقاء المال هو كنز للمال، ولا بد من إنفاقه كله، ولذلك لو تولى مال يتيم قد ينفق مال اليتيم في سبيل الله.قصة إسلام أبي ذر في الرواية المتفق عليها ...

وأما من ناحية شخصية الرجل، فإنها عظيمة، وموضوعنا الذي سنتحدث عنه في هذه الليلة هو عن جزء من حياة أبي ذر وهذا الجزء هو قصة إسلامه، إن قصة إسلام أبي ذر -أيها الإخوة- من القصص الشيقة الممتعة التي تحتوي على دروس عظيمة، وهذه القصة رواها الإمام البخاري رحمه الله والإمام مسلم في صحيحيهما ، وغيرهما، وهناك رواية اتفق على إخراجها البخاري و مسلم ورواية أخرى أخرجها مسلم وغيره، وبين الروايتين تغاير واضح في السياق، حتى إن بعض أهل العلم قالوا: إنه يتعذر الجمع بين بعض التفاصيل الواردة في السياقين، وبعضهم قال: يمكن الجمع، والمسألة فيها دقة وفيها صعوبة شديدة، ولذلك نحن سنقتصر إن شاء الله على إيراد الروايتين، وشرحهما، مع ذكر الفوائد فيهما، ونبدأ بذكر رواية الصحيحين التي رجحها بعض أهل العلم، على رواية مسلم ، وإن كانتا من ناحية صحة السند ثابتتين، فأما رواية البخاري و مسلم فهي عن عبد الله بن عباس أنه كان في مجلس فقال لمن حوله: ألا أخبركم بإسلام أبي ذر ؟ قلنا: بلى. قال ابن عباس: قال أبو ذر: (كنت رجلًا من غفار -قبيلة غفار- فبلغنا أن رجلًا خرج بمكة يزعم أنه نبي، فقلت لأخي: انطلق إلى هذا الرجل فكلمه وائتني بخبره) . وفي رواية: أن ابن عباس قال: (لما بلغ أبا ذر مبعث النبي صلى الله عليه وسلم بمكة ، قال لأخيه: اركب إلى هذا الوادي، - مكة ، لأنها في وادي- فاعلم لي علم هذا الرجل الذي يزعم أنه نبي يأتيه الخبر من السماء، واسمع من قوله ثم ائتني، فانطلق -أي الأخ- حتى قدم مكة وسمع من قوله، ثم رجع إلى أبي ذر ، فقال: والله لقد رأيت رجلًا يأمر بالخير وينهى عن الشر) وفي رواية: فقال: (رأيته يأمر بمكارم الأخلاق، وكلامًا ما هو بالشعر -ليس شعرًا- فقال أبو ذر: ما شفيتني -أي ما أتيت لي بالكلام الذي يلبي حاجتي في نفسي، ما شفيتني فيما أردت- فتزود أبو ذر وحمل شنة له فيها ماء وجرابًا وعصا حتى قدم مكة -الآن أبو ذر يذهب ليبحث عن هذا الرجل وعن حقيقة الأمر، هل هو حق أم لا؟- حتى قدم مكة ، فأتى المسجد، فالتمس النبي صلى الله عليه وسلم ولا يعرفه -لكن لا يعرف من هو الرسول صلى الله عليه وسلم- وكره أن يسأل عنه) لماذا كره أبو ذر أن يسأل عن الرسول صلى الله عليه وسلم؟ هناك أسباب ذكرها ابن حجر رحمه الله قال: لأنه عرف أن السؤال عن رسول الله صلى الله عليه وسلم يؤذي السائل، أو أن السؤال عن الرسول صلى الله عليه وسلم يؤذي المسئول عنه وهو الرسول صلى الله عليه وسلم، أو أن كفار قريش لن يدلوا السائل على الرسول صلى الله عليه وسلم لعداوتهم له، أو يمنعونه من الاجتماع به، أو يخدعونه حتى يرجع عنه ولا يقابله، ولذلك كان أبو ذر رحمه الله حكيمًا عندما لم يسأل عن الرسول صلى الله عليه وسلم، حتى أدركه الليل. وفي رواية: أنه قال: (وأشرب من ماء زمزم وأكون في المسجد -يعني: أجلس في المسجد الحرام، وأشرب من ماء زمزم- فاضطجع رضي الله عنه، فرآه علي بن أبي طالب ، فعرف أنه غريب من هيئته ومظهره، فقال علي رضي الله عنه: كأن الرجل غريب؟ -يقول: لأبي ذر كأن الرجل غريب؟- قال: قلت: نعم، قال: فانطلق إلى المنزل -أي حتى أضيفك- فلما رآه تبعه فلم يسأل الواحد منهما صاحبه عن شيء حتى أصبح، ذهب أبو ذر مع علي وما سأل عليًا عن شيء ولم يسأله علي عن شيء، حتى صار الصباح، ثم احتمل قربته -وفي رواية: قريبته، تصغير- وزاده إلى المسجد، خرج من بيت علي ورجع في الصباح إلى المسجد، فظل ذلك اليوم، ولا يرى النبي صلى الله عليه وسلم حتى أمسى، فعاد إلى مضجعه، فمر به علي للمرة الثانية، فقال: أما آن للرجل أن يعلم منزله؟) . أي: كأنه يريد أن يضيفه مرة أخرى، يعرض عليه الضيافة، وفيها تلميح إلى أنه ما هو قصدك؟ ماذا تريد؟ (أما آن للرجل أن يعلم منزله؟ فأقامه فذهب به معه، قال: فانطلقت معه لا يسألني عن شيء ولا أخبره بشيء حتى إذا كان اليوم الثالث، فعل مثل ذلك -أخذه معه إلى منزله في المساء، ويرجع أبو ذر رضي الله عنه في الصباح إلى المسجد- فقال علي في المرة الثالثة: ألا تحدثني ما الذي أقدمك هذا البلد؟) وفي رواية: فقال: (ما أمرك؟ وما أقدمك هذه البلدة؟ فقال أبو ذر رضي الله عنه: إن أعطيتني عهدًا وميثاقًا لترشدني فعلت) لو أعطيتني العهد والميثاق أن تخبرني عما أنا جئت بسببه، أخبرتك، وفي رواية: أنه قال لعلي: (إن كتمت علي أخبرتك، قال علي: فإني أفعل) أعطاه وعدًا أن يفعل -الآن علي مسلم وليس بكافر- وقال ابن حجر: والراجح أنه أسلم وهو ابن عشر سنين ولذلك يقول: فالراجح أن هذه القصة وقعت بعد البعثة بسنتين على الأقل، بسنتين فأكثر، أي: يحتمل أنه كان سن علي في ذلك الوقت بين اثنتي عشرة سنة وبين عشرين سنة تقريبًا؛ لأن الرسول صلى الله عليه وسلم هاجر بعد البعثة، أو أكثر، المهم أنه فوق أثنتي عشرة سنة، لماذا؟ لأن اثني عشر سنة هو السن المعقول في أن رجلًا مثل علي يخاطب رجلًا ويضيفه، ولذلك فإن هذه القصة على الراجح كما سيمر معنا بعد قليل أنها حصلت قبيل الهجرة إلى المدينة - (فقال أبو ذر لعلي رضي الله عنه: سمعنا أنه ظهر نبي في مكة ، وأتيت أتحقق من الأمر وأسأل، فأخبره أبو ذر ، فقال علي رضي الله عنه: إنه حق وهو رسول الله صلى الله عليه وسلم. وفي رواية: أنه قال له: أما إنك قد رشدت) أي: قد أصبحت على الرشد، أنت فعلًا جئت لشيء صحيح وحق (وهذا وجهي إليه) علي يقول لأبي ذر ، إنني متوجه إلى الرسول صلى الله عليه وسلم، فيقول علي رضي الله عنه: (فإذا أصبحت فاتبعني فإني إن رأيت شيئًا أخافه عليك قمت كأني أريق الماء) يقول علي: هناك مشكلة وهي أن كفار قريش يقومون بضغط شديد على الدعوة ومحاربة عظيمة جدًا، وتتبع مستمر لكل رجل يحاول الالتحاق بركب الدعوة، ولذلك فعلي بن أبي طالب كان لا بد أن يلجأ إلى طريقة لا تشعر الناس أن أبا ذر سيتبعه إلى الرسول صلى الله عليه وسلم، فقال علي لأبي ذر: (فاتبعني فإني إن رأيت شيئًا أخافه عليك، قمت كأني أريق الماء) . وفي رواية: (قمت كأني أصلح نعلي -في هيئة الذي يصلح نعله- فإذا أنا فعلت ذلك فأمض أنت دون أن تلتفت) معناها: أن تتابع سيرك فيما بعد، قال ابن حجر رحمه الله: ويحتمل أنه قالهما جميعًا، قال: كأني أريق الماء، أو كأني أصلح نعلي (فاتبعني حتى تدخل مدخلي، ففعل، فمضى ومضيت معه، حتى دخل ودخلت معه، فانطلق يقفوه حتى دخل على النبي صلى الله عليه وسلم ودخل معه، فقلت له: اعرض عليّ الإسلام، فعرضه الرسول صلى الله عليه وسلم على أبي ذر ، فسمع من قوله، فأسلم أبو ذر مكانه، فقال له النبي صلى الله عليه وسلم: يا أبا ذر اكتم هذا الأمر، وارجع إلى بلدك) . وفي رواية: (ارجع إلى قومك فأخبرهم حتى يأتيك أمري، فإذا بلغك ظهورنا فأقبل -إذا بلغك أننا ظهرنا على أعدائنا فتعال إلي من بلدك- فقال: والذي بعثك بالحق، وفي رواية: والذي نفسي بيده، لأصرخن بها بين ظهرانيهم) يقول: لا أكتم الأمر، ولا أكتم إسلامي، وسأذهب وأصرخ بالشهادتين بين ظهرانيهم، أي: بين ظهراني المشركين في مكة ، (فخرج فجاء إلى المسجد وقريش فيه، فنادى بأعلى صوته، يا معشر قريش! أشهد أن لا إله إلا الله وأشهد أن محمدًا رسول الله، فقالوا: قوموا إلى هذا الصابئ الذي غير دينه، وثار القوم فضربوه حتى أضجعوه، وأتى العباس عم النبي صلى الله عليه وسلم فرآهم وهم يضربونه فأكب على أبي ذر وقال: ويلكم ألستم تعلمون أنه من غفار؟) . وفي رواية قال: (ويلكم تقتلون رجلًا تعلمون أنه من غفار وهي طريق تجاركم إلى الشام ) انظر إلى ذكاء العباس يقول: أنتم الآن تريدون أن تقتلوا رجلًا من غفار وطريق تجارتكم تمر من بلادهم، فيمكن أن يثأروا له عن طريق تجارتكم؛ فأنقذه منهم (فأقلعوا عني -أي كفوا عني- ثم أصبحت الغد، فرجعت فقلت مثلما قلت بالأمس! فقالوا: قوموا إلى هذا الصابئ فصنع بي مثلما صنع بالأمس -ثاروا إليه، فضربوه- فأكب عليه العباس فأنقذه) ، هذه الرواية في البخاري و مسلم ، أما رواية الإمام مسلم رحمه الله ففيها زيادة تفاصيل في بداية القصة وفي نهايتها، وفيها طريقة أخرى لمقابلة أبي ذر للرسول صلى الله عليه وسلم لأول مرة

قصة إسلام أبي ذر في رواية مسلم ...

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت