فهرس الكتاب

الصفحة 175 من 289

تتقطع أيدٍ .. وتتناثر أشلاء .. وتهشم رؤوس، ومع ذلك تسير عجلة التضحيات وتدور رحى الفدائية والاستشهاد. عندما ننظر إلى تلك النماذج التي تعيد لنا ذكريات جيل الصحابة ومن تلاهم من الكرام .. نقف مذهولين .. فمئات الأنفس تتسابق على الموت حتى تنال الكرامة والعزة. كل نفس تحلم بذاك اليوم الذي تعطى فيه الإذن لتحقيق مناها ونيل رفعتها والخروج من دهاليز الذلة إلى بوابات الكرامة.

وتتكرر المشاهد على أرض الرباط لتسطّر للعالم حقيقة مبادئ المسلمين وإيمانهم الصادق بوعد ربهم من المؤمنين رجال صدقوا ما عاهدوا الله عليه فمنهم من قضى"نحبه ومنهم من ينتظر وما بدلوا تبديلا (23) (الأحزاب:23) "

أين تُصنع هذه القنابل الموقوتة؟ يقف الآخرون مذهولين حائرين من هذه الشخصيات الفذة التي تقدم أرواحها رخيصة دون مبادئها ودينها، وقبل ذلك يتعجب الصهاينة من رباطة جأش هذه الثلة المباركة التي لا تزال تضحي بأرواحها في سبيل الله. . كيف تطيق ذلك؟ ولم يعلموا أن هؤلاء كانوا حصاد سنين من التربية الجادة التي خرّجت رجالًا لا يبذلون المال والجهد والوقت فحسب، بل جعلوا نفوسهم في مقدمة ذلك كله.

لقد مكث رسول الله ص ثلاث عشرة سنة في مكة ينشر الدين ويلقى من العداوة ما أترعت به كتب السير ولكنه خرّج في مدرسته النبوية صورًا ونماذج تهزم جبروت الجبابرة وطغيان الطغاة، فبلال يُجلد ويُلقى في رمضاء مكة يسومونه سوء العذاب بصخرة تتلظى نارًا يضعونها على صدره ليرجع عن دينه لكنه يجد حلاوة تذهل المشركين.

وعمار يعذب ويذبح أبوه وتُقتل أمه ولا يرده ذلك عن دينه، وذاك خبيب بن عدي يُقطع جسده قطعة قطعة وهو يقول:

ولست أبالي حين أُقتل مسلمًا

على أي جنب كان في الله مصرعي

وأنس بن النضر في ساحة المعركة تجتاح صدره حربة فيبصر الجنة ويشم رائحتها ويدندن: فزت ورب الكعبة.. وكأنما جاءت الحربة شافية لصدره ومحققة لغايته وأمنيته.

وفي حفرة يقع الحبيب الكريم عليه صلوات ربي وسلامه فيأتي أحد النماذج التربوية المدربة.. إنه صاحب عصابة الموت أبو دجانة سماك بن خرشنة فيتترس رسول الهدى ليصبح ظهره درعًا للحبيب فيكون كالقنفذ من كثرة السهام المصوبة على ظهره. وعلى أسنة الرماح يطير البراء بن مالك إلى ساحة الأعداء حتى يتوسطهم ويلاعبهم بسيفه ليصل إلى باب الحصن ويغير اسمه من حصن إلى حديقة.. حديقة تؤهله لدخول جنة عرضها السماوات والأرض هنا مكمن السر. إن الممحص لهذه المشاهد الفدائية والمحلل لهذه النماذج الاستشهادية ليجد أن تكرر هذه الصور ما كان إلا بدافع جعل هذه الشخصيات تحمل أرواحها على أيديها ومن ثم تردد:

فإما حياة تسر الصديق وإما ممات يغيظ العدى

وما كان هذا الدافع إلا منطلقًا من عقيدة صافية ورؤية واضحة ونفوس عامرة بالإيمان بالله واليوم الآخر، وليس هذا فحسب بل هي تربية جادة ومتابعة دعوية مستمرة أخرجت مثل هذا الرعيل الفذ والجيل الناضج الذي فهم أن الحياة عقيدة وجهاد، وأنها لا تحلو إلا بالعزة أو الاستشهاد، إنه الجيل الذي أدرك غاية الإدراك أن المسلم لا تستهويه الدنايا ولا تستوعبه المغريات.. إذن نحن في هذه الفترة نعيش أزمة تربوية ونحتاج لتخريج جيل في مدارس التربية النبوية ذات العقيدة الصافية .. والهمة العالية. . والفهم الواعي .. والحماس المتزن .. والثقافة الواسعة .. والعلم الراسخ .. والقائد القدوة .. والصدق والصبر، فإذا اكتمل هذا العقد في صياغته وتكامله خرج حينها جيل لا يهاب الصعاب ولا يخشى المنايا.

رائد محمد جعفر الغامدي

الطائف

ــــــــــــــ

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت