فهرس الكتاب

الصفحة 220 من 289

"مصاحف تمشي"

صلاح حسن رشيد (@)

تأكيدًا لدور الكلمة في إحياء المثل العليا، والنماذج القدوة، وإحياء دور البطولة الفذة المستوحاة من تاريخنا العطر، ومن صفحاته الذهبية يأتي ديوان الدكتور مروان عرنوس"مصاحف تمشي"ملحمة شعرية تروي قصة الصحابي الجليل عبد الله بن حذافة مع هرقل عظيم الروم، وقد صدر الديوان عن دار الفكر دمشق 2004م. المسرحية الشعرية تحكي قصة الصحابي البطل، الذي رفض المفاتن والشهوات بفيض إيمان، وكل ثبات، وسريرة لا تتطامن، أو ترضخ للماديات والمحسوسات، ولكنها تعانق اللحظات الإيمانية والروحية، وانتصر على مغريات القياصرة والدنيا بأسرها.عبد الله في الزنزانة

يتضرع ابن حذافة لبارئه (جل وعلا) أن ينجيه من هذا الكرب الشديد، وأن يؤنس روحه في وحشتها، فهو لا يخاف الوعيد، ولا التهديد، ولا التعذيب بالسياط:

رباه أنت مثبتي في محنتي ومعيني

وأنا الفقير لرحمةٍ من بطشهم تنجيني

يا مؤنسي في وحشتي لعلاك ذلَّ جبيني

فأنر فؤادي واهدني بكتابك المكنون

أنا لا أخاف وعيدهم والسوط لا يبكيني

إذ بعتك الروح الثمينة مهرَ حورٍ عين

والليل معراجي إليك ومذهبٌ لشجوني

لا لن أبدل بيعتي والقيد لا يثنيني

ثم يبدأ الشاعر في تصوير معركته الإيمانية والعقدية والروحية الثابتة مع هرقل:

أما هرقل فقد توغر حقده في صدره

فالملك قد ولَّى تلاحقه أسنة قهره

فخلا يشاور قادة الجيش الكبار بأمره

ويتعجب هرقل من هزيمة جيشه، فهو كثير العدد والعدة والعتاد، ويتساءل مستنكرًا:

فيم الهزيمة ويلكم من خصمكم؟ ماذا يريد؟

قد فقتموه بالخيول.. بالجنود.. وبالحديد!

أهم زبانية! أجن؟ أم ملائك! أم أسود

ويلي أكلُّ سيوفهم تُردي كسيف ابن الوليد؟

ويشاور هرقل قادته عن المخرج من هذا الأمر الصعب، وكيف يحققون النصر على العرب الحفاة كما يرونهم؟ فيعرض عليه القائد فرجيليوس رأيه:

يا سيدي أعداؤنا هم معشر العرب الحفاة

وأجاءهم لبلادنا جوع يكابده العراة

فمتى البطون تكدّست شحمًا هوى بأسُ الغزاة

إلا أن هرقل يضعف هذا الرأي ولا يأخذ به، لذلك يتناول القائد بلاوتوس طرف الحديث ليعرض رأيه الدائر حول إرضاء نزوات هؤلاء العرب بالنعيم والحسان من النساء:

يا سيدي في البيد قحطٌ زادَه حرٌّ وقر

وبلادنا بجنانها الأنهار تبهج والثمر

فجمالها وجمال حسناواتنا جرَّ الخطر

فلنرضهم بجناننا وحساننا نجنِ الظفر

فيرد هرقل رافضًا ذلك:

ماذا أصاب عقولكم؟ بئس الذي قد قلته

أهوى النفوس يبث تضحية وعزمًا خفتَه؟

الأمر أعمق ما بصرتَ به وقد أخطأته

ثم يستعرض القائد هوراس تاريخ الدعوة الإسلامية، وكيف أن المسلمين عافوا حياة الجاهلية، وأنهم يدافعون عن دينهم لا عن مشاعرهم، وأنهم يستعذبون الشهادة أملًا في الفردوس الأعلى، ويقارن بينهم وبين جند الروم الباحثين عن النساء والمال:

أهرقل.. جند محمد عافوا حياة الجاهلية

ويقاتلون لدينهم لا للمناصب والحمية

فاق الضراغمَ بأسُهم يتوثبون إلى المنية

هم كالرواسي لا تزحزحها الأعاصير العتية!

فمُناهم الفردوس والجنات لا الدنيا الدنية

لكن جند الروم قد ثملوا بأحضان النساء

ويقاتلون لمغنم أو للمناصب والرياء

ليس الذي يخشى الردى كمُحبه ليسوا سواء!

فيستصوب منه هرقل هذا الرأي، ويقول:

لكأن ما قد قلتَه عين الصواب فأحضروا

أحد الأسارى وليكن من خيرهم فتخيروا

قولوا له قد رام رؤيتك المظفرُ قيصر

ويأتون إليه بعبد الله بن حذافة، وهو مكبل في أغلاله، وهو الذي يضرع إلى ربه في الليل تاليًا آيات كتابه الكريم أن يفرج عنهم هذا الكرب الأليم:

يا أيها الحراس فلتمضوا بجنح السرعة

وأتوه بابن حذافة السهمي رأس العصبة

سوقوه في أغلاله من ظلمة في ظلمة

ذاك الذي يتلو الكتاب بليله في رقة

ولتسمعوه مرددًا آياته في عزة

ويذهبون فيجدون عبد الله يترنم في زنزانته ويصدح بمناجاة خالقه:

عبد الله يشدو في الزنزانة:

يا معقل الأبطال إني من وعيدك لا أخافْ

أنا سيد الساحات ترهبني الصوارم والخفاف

شوقي لذات الشوكة الحمراء قد شغف الشغاف

فأنا ابنها ولها أكرُّ وليس لي عنها انعطاف

فاشدد بقيدك ليس يخشى الليثُ من قرن الخراف

ويأتيه السجان، ويطلب منه أن يقدم إلى هرقل، وأن يسجد إليه، فيصده عبد الله عن مراده، ويأبى أن يسجد إلا لله:

هيهات أن يهوي الجبين سوى لرب العالمين

فبسجدتي عزي، وذلي سجدتي للآخرين

ولتسجدوا لعظيمكم، أما أنا لن أسجدا

أنتم أذلاء ومثلي لم ولن يُستعبدا

ويدخل، ويدور نقاش بينه وبين هرقل عن سبب المجيء إلى أراضيه وعن دعوتهم:

من أنت؟ ما اسمك؟ ما الذي ألقاك في بئس القضاء؟

وإلام تدعو؟ فيم جردتم لنا سيف العداء؟

عبد الله يرد:

أنا مسلم سميت عبد الله لا عبد العبيد

أدعو إلى التوحيد والإيمان والحق الرشيد

والحاقدون على الهدى فكما لنا كادوا نكيد

لكن هرقل يتعجب قائلًا: إنكم كنتم بالأمس القريب ترهبوننا، وتخشون نقمتنا، فلماذا تقدمون على تلك الجرأة العمياء؟ فيبين له عبدالله حقيقة الإسلام، ذلك النور الذي ملأ الدنيا عدلًا وأمنًا وسماحة:

بل أرسل الرحمن آخر مرسَل منا وفينا

وعلى جميع الكتْب شعَّ مهيمنًا يحدو السفينا

قد كان فينا صادقًا لا يدعي كذبًا أمينا

فعلى هدايته اتحدنا ننصر الحق المبينا

ونقاتل الكفار من عادى الهدى أمسي دفينا

لكن هرقل يتوعد عبد الله، ويُزبد ويرغى ويهدد، ويعرض عليه أمواله، ليتنصر وإلا فسوف يصلبه ويعاقبه:

فلأصلبنك إن رفضت أُعِلُّ من دمك السهام

فالموت عاقبة لمن يأبى التنصر والحمام

إلا أن عبد الله يفجؤه بطلبه الموت والشهادة التي يتمناها:

اقتل، فإن مناي أن ألقى الإله مصلبا

لأحل في الجنات أحظى بالحسان مخضبا

إن الشهادة مطلبي وسواها لا لن أطلبا

ويأمر هرقل بقتله، ويتراجع قائلًا للرماة: ارموه بعيدًا عن قلبه، عسى أن يتراجع عن موقفه، لكن المذهل أن عبد الله يصر على موقفه البطولي، وهو يضرب للأجيال المثل العظيم في الثبات على الدين مهما كان الإغراء والتعذيب، ويتعجب الجنود من شكيمة هذا المسلم وقوة إيمانه وتمسكه بدينه:

عجبًا لهذا المؤمن الصنديد لا يخشى الردى

لا بل يراه مهللًا يشدو له مستشهدا

اليوم أهبط جنتي وأرى الحبيب محمدا

وإزاء هذا الفشل الذريع من جانبهم في استمالة عبد الله إليهم، يلجأون إلى إغرائه بالنساء، وفعلًا يأتون إليه بالحسناء سيفيلا:

متعْ بجسمي ناظريك وشدني شدًّا إليك

وارشف رحيقي واحتضني إن تكرِّر لا عليك

ويعرض عنها عبدالله قائلًا:

قد قال: قل للمؤمنين يغضوا من أبصارهم

والله لست بفاعل.. لن تظفري بخيارهم

يا رب إلا تصرفن هذي أكن كشرارهم

قد قلتَ لا يزنون إني في هدى أبرارهم

فلتغربي عني ورومى الفحش مع فجارهم!

وتذهب الحسناء تعلن فشلها أمام هرقل، الذي يطلب من الحراس أن يضعوا عبد الله في مرجل يغلي وهو مقيد في الأغلال ويعرض عليه أخيرا هرقل التنصر:

أعطيك يا بن حذافة للعيش فرصتك الأخيرة

فارض التنصر، فالعقوبة إن تخالفني مريرة

ويتمسك عبد الله بموقفه البطولي إلى النهاية:

والله لن أرتد عن ديني ولو قطعت لحمى!

إن المُحال تنصري، سيريك صدق القول عزمي

ثم يأتون بأحد المسلمين ويضعونه في القدر، ويحترق أمام عيني عبد الله، لكنه لم يتزعزع، وعندما اقتربوا من لحظة وضعه في القدر أيضًا، تلوح منه قطرات الدموع فيتهللون ظنًا منهم أنه تراجع لكنه يقول في عزة المؤمن الصلب:

والله دمعي ما جرى جزعًا فقلبي قد تمنى

مائة من الأرواح تقتلها بحب الله تفنى

واستصغر القلب الممات بناركم فبكى وأنَّا

ياليتها مائة تقتّلها فيرضى الله عنا

فاخسأ فدمعي قد جرى كرمًا ولم ينهل جبنا

وهكذا ينتصر الإيمان على الغطرسة والكذب والنفاق، وتعلو صفحة الإسلام، وتحلق عالية خفاقة في سماء العزة، وينهزم هرقل وجنوده وكل من يقتدي به على مر الأيام.

ــــــــــــــ

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت