فهرس الكتاب

الصفحة 257 من 289

الشيخ عبدالحميد البلالي

تناولنا في الحلقة السابقة الخطوة السادسة من خطوات تنشيط القوة الداخلية، وهي (التماس النجاح من الفشل) . ونكمل هذه الخطوة بذكر نماذج من الرعيل الأول وغيرهم ممن استفادوا من فشلهم وأخطائهم وحولوها إلى نجاح.

عكرمة بن أبي جهل

إنه نموذج فريد من نماذج الناجحين الذين استطاعوا تنشيط القوة الداخلية بالاستفادة من أخطائهم وفشلهم وتحويل ذلك إلى نجاح باهر، إنه ابن فرعون هذه الأمة.. أبو جهل الذي كان أعدى أعداء الرسول ، وقد ناصب ابنه عكرمة العداء للنبي انسياقًا لعداوة أبيه، واشتدت هذه العداوة بعد مقتل أبيه في معركة بدر، ولشدة عداوته، وشدة تنكيله بأصحاب النبي وشدة كراهيته للإسلام، أهدر النبي دمه عند دخول مكة حتى ولو تعلق بأستار الكعبة، مما جعله يهرب للبحر خوفًا على نفسه، ولكن زوجته التي أسلمت أمنته بعد أن أخذت عهدًا من النبي بعدم قتله، فجاء للنبي وقد فتح الله عليه وأدخل الهداية في قلبه يريد الإسلام، وبعد دخوله الإسلام قال للنبي:"إني أسألك أن تستغفر لي كل عداوة عاديتكها، أو مقام لقيتك فيه، أو كلام قلته في وجهك أو غيبتك"، فدعا له الرسول بالمغفرة.

لحظة الاستفادة من الخطأ:

في هذه اللحظة كان عكرمة يتذكر الأخطاء المتراكمة التي اقترفها في حق نفسه أولًا ثم في حق نبي الأمة ، وحق الأبرياء من الصحابة الكرام، وكان يتذكر طريق الفشل الذي كان يسلكه والذي كان حتمًا سيوصله إلى خسارة الدنيا والآخرة لو استمر عليه. فكانت البادرة الأولى أنه قال للنبي بعد دخوله الإسلام.."أما والله يا رسول الله لا أدع نفقة كنت أنفقتها في صد عن سبيل الله إلا أنفقت ضعفها في سبيل الله، ولا قتالًا قاتلته صدًا عن سبيل الله إلا قاتلت ضعفه في سبيل الله".

من نجاح إلى نجاح:

هكذا أخذ العهد على نفسه، وهكذا حول الخطأ إلى صواب، والفشل إلى نجاح، فقد شارك في حرب مسيلمة، وأرسله أبوبكر الصديق لقتال المرتدين في عمان ومهرة اليمن، وفي يوم اليرموك كان على قيادة مجنبة القلب، ولما اشتد الكرب على المسلمين، نزل عن جواده وكسر غمد سيفه، وأوغل في صفوف المشركين، فتوجه إليه خالد بن الوليد وقال له: لا تفعل يا عكرمة فإن قتلك سيكون شديدًا على المسلمين فقال له: إليك عني يا خالد فلقد كان لك مع رسول الله سابقة أما أنا وأبي، فكنا من أشد الناس على رسول الله في مواطن كثيرة وأفرُّ اليوم من الروم؟ إن هذا لن يكون.

النجاح الأكبر:

إن شعوره بأخطاء الماضي الذي ظل يلازمه طيلة أيام إسلامه وكان يدفعه دائمًا للتصحيح، والاستفادة من أخطاء الماضي والتي لاحظناها من قوله لخالد:"أما أنا وأبي فكنا من أشد الناس على رسول الله"وقوله:"قاتلت رسول الله في مواطن كثيرة"هو الذي دفعه ليصنع منها النجاح الأكبر الذي يقوم به الإنسان في هذه الحياة، إنها الشهادة في سبيل الله.

فبعد انتهاء نقاشه مع خالد، صاح بالمسلمين"من يبايع على الموت؟ فبايعه أربعمائة من وجوه المسلمين وفرسانهم، وخاض في صفوف الكفار حتى نال الشهادة، فوجدوا به بضعًا وسبعين من طعنة ورمية وضربة" (1) .

وحشي بن حرب

قتل عم النبي حمزة بن عبد المطلب رضي الله عنه لينال حريته من سيده جبير بن مطعم. وعندما دخل الإسلام، وبايع النبي كان يقول:"وعلى الرغم من أني عرفت بأن الإسلام يجبُّ ما قبله، فقد ظللت أستشعر فداحة الفعلة التي اجترحتها، وأستفظع الرزء الجليل الذي رزأت به الإسلام والمسلمين، وطفقت أتحين الفرصة التي أكفر بها عما سلف مني" (2) .

كان يتمنى أن يصحح الخطأ الكبير الذي اقترفته يداه عندما أقدم على قتل رجل من أحب الناس إلى النبي ، وكان يتمنى أن يحرز النجاح بعد إسلامه من خلال الخطأ الذي جاء به، فاستخدم نفس الحربة التي قتل بها عم النبي حمزة رضي الله عنه في قتل شر الناس وهو مسيلمة الكذاب في فتنة الردة، وكان يقول مفتخرًا بعد ذلك الإنجاز:"قتلت خير الناس في الجاهلية، وشر الناس في الإسلام".

أديسون المثابر

مخترع المصباح الذي وقف أمام رسائل الإحباط التي أحاطت به من كل جهة صلبًا عنيدًا مصرًا على النجاح في نهاية الأمر،"يذكر المؤرخون بأنه أجرى أكثر من 10 آلاف تجربة في محاولاته لتطوير المصباح، وكان يقول: كل خطوة فاشلة هي خطة للنجاح" (3) .

هذه نماذج عرفت السبيل إلى تنشيط القوة الداخلية بتلُّمس طريق النجاح من الفشل.

الهوامش

(1 ) الإصابة ترجمة 5640 وتهذيب الأسماء1-338.

(2 ) صور من حياة الصحابة 5-54 الرسالة..

(3 ) كيف أصبحوا عظماء؟ د. الكربياني ص 99 107.

ــــــــــــــ

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت