فهرس الكتاب

الصفحة 29 من 289

لما بلغ عليّا نبأُ سير الركب المكّي إلى البصرة غيَّر وجهتَه عن الشام إلى البصرة، فخرج إلى الرَّبَذَةِ مسرعا يريد أن يلحقَ بهم قبل أن يجتازوها، وليَحُولَ دون انطلاقِهم، واستخلفَ على المدينة سهلَ بنَ حُنَيْفٍ، وبَعَثَ قثمَ بن العباس إلى مكة.

ونصحه العديدُ من الصحابة بألا يخرجَ من المدينة، فإنه إنْ خرج منها فلنْ يعود إليها أبدًا، وطلبوا منه أن يُرسل مَنْ نَهَضَ ويمكثَ هو في دار الهجرة، ولكنه أصر على أن يكون على رأس الناهضين، وخرج من المدينة في نحو سبعمائة رجل جُلُّهم من الثائرين على عثمانَ، وأقلهم من أهل المدينة، وما شارك جمهورُ الصحابة في هذه الفتنة، بل اعتزلوا الأمر.

وصل عليٌّ إلى الرَّبَذَةِ فجاءه الخبر بأن الركْبَ قد مضى، فأقام بها أياما وخَطَبَ فيمن معه، وسرَّح منها إلى أبي موسى الرسلَ يستنهض أهلَ الكوفة، ولكن ذلك لم يُفِدْ شيئا، حتى أرسل ابنَه الحسنَ وعمارَ بنَ ياسر إلى الكوفة، وتكلم الحسنُ كلاما طيبًا تأثَّروا به، وأعلن العديدُ منهم الانضمامَ إلى علي.

وواصل علي طريقَه إلى البصرة فوجد عبدَ القيس بأسرها في الطريق بينه وبين أهل البصرة ينتظرون مرورَه بهم ـ وهم آلاف ـ لينضمّوا إليه. وأرسل القَعْقَاعُ بن عمرو إلى طلحة والزبير وأم المؤمنين عائشة مستوضحا الأمر، وطالبا الصلح بين المسلمين.

اختار أميرُ المؤمنين عليّ بن أبي طالب القعقاعَ بن عمرو ليدْعُوَ أخويْه طلحة والزبير إلى الأُلْفة والجماعة، ويُعَظِّم عليهما الفُرقةَ، فلم يكن أمير المؤمنين عليّ يبغي حربا، وقد صرح بذلك مرارًا لأتْباعه بالرَّبَذَةِ، ولمَنْ جاءوا إليه من أهل الكوفة، وكانت هذه دعوته دائما.

وسأل أميرُ المؤمنين القعقاعَ: كيف تصنع فيما جاءك منهما وليس فيه وصاةٌ مِنّي؟ فأجاب قائلا: نلقاهم بالذي أمرتَ به، فإن جاء منهما أمرٌ ليس عندنا منك فيه رأيٌ اجتهدنا الرأْيَ، وكلَّمْناهم على قدر ما نَسْمعُ ونرى أنه ينبغي. قال: أنتَ لها.

فقَدِمَ القعقاعُ البصرةَ، وبدأ بأمِّ المؤمنين عائشةَ، فسلَّمَ عليها، وقال: أيْ أُمَّهْ؛ ما أشْخَصَكِ وما أقْدَمَكِ هذه البلدةَ؟ قالت: أيْ بُنَيّ، إصلاحٌ بين الناس، قال: فابْعَثي إلى طلحة والزبير حتى تسمعي كلامي وكلامَهما، فبعثَتْ إليهما فجاءا، فقال: إني سألْتُ أمَّ المؤمنين ما أشْخَصَها وأقْدَمَها هذه البلاد؟ فقالت: إصلاح بين الناس، فما تقولان أنتما؟ أمُتابِعان أم مُخالِفان؟ قالا: مُتابِعان، قال: فأخْبِرَانِي ما وَجْهُ هذا الإصلاح؟ فوالله لَئِنْ عرفناه لَنُصْلِحنَّ، ولَئِنْ أنْكرناه لا نُصلح.

قالا: قَتَلَةُ عثمان، فإنّ هذا إنْ تُرِكَ كان تَرْكًا للقرآن؛ وإنْ عُمِلَ به كان إحياءً للقرآن.

فقال: قد قَتلْتُما قَتَلَةَ عثمانَ من أهل البصرة، وأنتم قبلَ قَتْلِهم أقربُ إلى الاستقامة منكم اليومَ، قتلتم ستمائة إلا رجلا ـ يعني حُرْقُوص بن زُهير ـ فغضب لهم ستةُ آلافٍ، واعْتَزَلُوكم وخرجوا من بين أظْهُرِكم، وطَلبْتُم حُرْقُوصَ، فمنَعَه منكم ستةُ آلافٍ، فإنْ تركتموه كنتم تاركين لما تقولون، وإن قاتلتموهم والذين اعْتَزَلُوكم فأُدِيلُوا عليكم (أي انتصروا) ، فالذي حَذِرْتم وقَرِبْتُمْ به هذا الأمرَ أعظمُ مما أراكم تكرهون (أي: أن الذي تريدونه من قَتْلِ قَتَلَةِ عثمان مصلحة، لكن المفسدة المترتبة عليها أكبر منها) ، وكما عجزتم عن الثأر لعثمان من حُرقوص بن زهير لقيام ستةِ آلافٍ في منعه ممن يريد قتله، فعَلِيٌّ أَعْذَرُ في ترْكِهِ الآن قتلَ قَتَلَةِ عثمان، وإنما أخَّر قَتْلَ قَتَلَتِهِ إلى أنْ يتمكن منهم، فإن الكلمة في جميع الأمصار مختلفةٌ". ثم أَعْلَمَهم أن خَلْقًا من ربيعةَ ومُضَرَ قد اجتمعوا لحربهم بسبب هذا الأمر الذي وقع."

فقالتْ أم المؤمنين: فماذا تقول أنت؟ قال: إن هذا الأمر دواؤُهُ التسكين.. فإنْ أنتم بايعتمونا فعلامةُ خيرٍ وتباشيرُ رحمةٍ ودَرَكٌ بثأر، وعافيةٌ وسلامةٌ لهذه الأمة، وإنْ أنتم أبيتم إلا مكابرةَ هذا الأمر واعْتِسَافَه كان علامةَ شرٍّ.. فآثِرُوا العافيةَ تُرْزَقُوها، وكونوا مفاتيحَ الخير كما كنتم، ولا تُعَرِّضونا للبلاء، ولا تَعَرَّضُوا له فيصرعنا وإياكم. وايْمُ الله، إني لأقولُ هذا القولَ وأدعوكم إليه وإني لخائفٌ ألا يتمّ حتى يأخذ الله ـ عز وجل ـ حاجتَه من هذه الأمة التي قلَّ متاعُها ونزل بها ما نزل، فإن هذا الأمر الذي حدث أمرٌ ليس يقدّر، وليس كالأمور، ولا كقَتْلِ الرجُلِ الرجُلَ، ولا النّفرِ الرجُلَ، ولا القبيلةِ الرجلَ.

فقالوا: نعم، إذًا قد أحسنْتَ وأصبتَ المقالةَ، فارْجِعْ فإن قَدِمَ عليٌّ وهو على مِثْلِ رأيِك صَلَحَ هذا الأمرُ.

فرجع إلى أمير المؤمنين عليّ فأخبره الخبر، فأعجبه ذلك، وسُرَّتْ به نفسه، وأشْرَفَ القوم على الصلح، وقام عليّ في الناس خطيبا يُعْلِمُهم بنبأ الصلح. وبعد لقاء عَلَتْهُ رُوحُ أخوَّةِ الإسلام كان اتفاقٌ على الصلح بين عليٍّ وبين الرَّكْبِ المكّي؛ وذلك يوم الخميس نصف جمادى الآخرة سنة ست وثلاثين من الهجرة.

لكنّ المتآمرين ضد الإمام الشهيد عثمان ـ رضي الله عنه ـ من السبئيّة ومثيري الفتن ساءهم ذلك الصلحُ، وأحسّوا خطرًا على أنفسهم في تمامه؛ لذا تآمروا حتى قتلوا اتفاق الصلح قبل أن يتم، ووقع لذلك قتالُ يوم الجمل المشئوم.

كانت مواطنُ الضعف في معسكر الإمام عليّ هي وجودُ كثيرٍ من المُنْدَسِّينَ فيه ممن اشتركوا في قتْلِ عثمان أو التخطيط له، وعلى رأسِهم مَنْ حادَّ اللهَ ورسولَه عبدُ الله بن سبأ والأشْتَرُ النَّخَعِيّ، ولم تكن لعليّ ـ رضي الله عنه ـ حيلةٌ في وجودهم معه، ولا قدرةٌ على إبعادهم في هذه الظروف؛ إذْ كانوا قوةً كبيرةً تساندُهم عصبيات قَبَلِيّة. وقد أدرك زعماؤهم الذين تولَّوْا تأجيجَ الثورةِ على عثمانَ أن الصلح بين الفريقين سيقوِّي عليّا بانضمام الفريق الآخر إليه، ويجعل من الفريقين جبهةً واحدة قوية يَسْهُلُ أنْ تَثْأَرَ لعثمان من قَتَلَتِه، فعزموا على إفْساد الأمرِ كلِّه، وتداوَلُوا الرأيَ بينهم، حتى انْتَهَوْا إلى ضرورة إشْعال القتال من جديد.

وفي ليلة الصلح؛ وبينما الناسُ في معسكر عليّ ومعسكر طلحة والزبير نائمون، تُداعب رءوسَهم أحلامُ وأمانيُّ العودةِ إلى وحدة الصف واتفاق الكلمة ـ إذا بهم يَفْزَعُونَ لأصواتِ السيوف وَصَيْحات الجنود، وكأنه حُلْمٌ مُزعج، لكنه ـ يا أسَفَا ـ كان قتالًا حقيقيا أشعله السبئيّةُ والثائرون على عثمان ـ رضي الله عنه ـ وقامت الحرب حاميةً على قَدَمٍ وساقٍ، وتبارز الفرسان، وجالت الخيل، وقد اجتمع مع عليّ عشرون ألفا، والتفَّ حول عائشة نحوٌ من ثلاثين ألفا.

وبدأت المعركة ومنادِي عليٍّ ينادي: أيُّها الناس، كُفُّوا فلا شيء، ألا كُفّوا، ألا كُفّوا، فلا يَسمع له أحد.

ودارتْ رَحَى معركةِ الجملِ حاميةً، وخسر المسلمون فيها وحْدَتَهم، كما خلَّفت الكثير من المآسي؛ لعل أبرزها مقتل طلحة والزبير.

إن صوت الفتنة يُلَبِّس على العقلاء أمرَهم، ويتركُهم حَيَارَى؛ لا يَدْرُونَ موضعَ الحق ولا موقعَ الباطل، يُيَمِّمُون جهةَ المشرق فيجدون أن هذا الذي اختاروه خطأ، فإذا اتجهوا صَوْبَ المغرب تبيَّنُوا خطأَ مُخْتَارِهم أيضًا، فلا يجد العاقل إلا أن يضع رأسَه بين يديه، يعتصرُها من فَرْطِ الحيرة..!!

إن الفتن تَنتج كثيرا بسبب الأيدي العابثة من وراء حجاب، وبسبب المطامع الجارفة التي تصيب بعض طوائف المجتمع...

كانت الفتنة التي شَهِدها عصرُ الراشدين بعد عام خمسة وثلاثين للهجرة قَدَرًا أقوى من هؤلاء الصحابة الذين عاصروها، فقد أدى الانقلابُ الهائل الذي أحْدثه التوسعُ الإسلامي في العالم المعمور حينئذ إلى أنْ يَبْرُزَ على صفحة المجتمع أناسٌ أقلّ قدرةً وحرصا على حراسة الدين والقيم..

لقد كان هناك رجال جمعهم أبو بكر حولَه حين برزت المخالب الحادة للردّة التي كانت فتنةً أقْوى من الفتنة التي اشتعلت بقتل الأمير الصالح عثمان بن عفان، لكن الرجال حينها كانوا غيرَ الرجال!!

والحقُّ أن العجز عن مغالبة الفتنة وإطفاءِ نيرانِها لم يكن عيبًا في الصحابة الذين عاشوا أحداثَها؛ إذْ كانت سيْلًا جارِفا جاء عقب التغيرات الكبرى، ولم ينجح المجتمع في صَدِّه ومساندةِ هؤلاء الصحابة لاستيعابه.

لقد نجح قَتَلَةُ عثمان؛ مَرْضَى القلوبِ المتآمرون على المجتمع المسلم ـ في إشعال الحرب بين معسكر عليّ بن أبي طالب وبين معسكر طلحة والزبير وأم المؤمنين عائشة ـ رضي الله عنهم ـ حينما هاجموا معسكر أهل البصرة تحت ستار الليل، فقام الناسُ إلى سيوفهم.. ومع حرص الصحابة على كَفِّ الأيدي ووقف القتال، ومحاولتِهم السيطرةَ على الحريق الكبير، إلا أنهم وجدوا أنفسهم يُدفَعون إلى الحرب دَفْعًا، حتى لم يجدوا من القتال والدّفاع عن الأنفس بُدًّا..

وكان من رأيهم جميعا في تلك الفتنة العمياء ألا يقاتِلوا حتى يُبْدَأُوا بقتال، يطلبون بذلك الحُجةَ على الآخرين، لا يقتلون مُدْبِرًا، ولا يُجْهِزُون على جريح، ولا يَسْتَحِلُّون سلبا، وكان ذلك مما اجتمع عليه الفريقان ونادَوْا به فيما بينهم.

وكان من الوقائع الكبرى للمعركةِ استبسالُ أهلِ البصرة حول جَمَلِ أمِّ المؤمنين عائشة، دفاعا عنها وحماية لها، حتى قُتل الجملُ فانْفَضُّوا، وانْكَشَفَ القتال عن هزيمة أهل البصرة. وتَرَكَ الزبيرُ الميدانَ وقُتل في طريق عودته، وقُتل طلحة بسهم طائش.

كانت أم المؤمنين راكبةً هَوْدَجَها تحاول وَقْفَ القتال، لكن السبئيّة ما كانوا لِيَفْتُرُوا عن إشعال نارٍ يحتمون بها، وحاول أيضًا أميرُ المؤمنين عليٌّ وقف القتال فما أفْلَحَ.

وثبتَ أهلُ البصرة حول الجمل، ودار القتال هناك مريرا، وتفانَى الناس محيطين بأم المؤمنين مدافعين عنها، ولم تُؤْذِن المعركة بانتهاءٍ إلا بعَقْرِ الجمل، وساعتَها انصرف أهلُ البصرة منهزمين.

ونادى عليّ بالأمان، وضرب أرْوع الأمثلة في سيرته مع مَنْ قاتل يومَ الجمل، فأكرم أُمَّهُ أمَّ جميعِ المؤمنين عائشةَ ـ رضي الله عنها ـ وعاقب من انْتَقَصَها، وتوجَّع على قتلى الجمل، وحزن حزنا شديدا عليهم، وحرّم على أتباعه سَبْيَ أهل الجمل أو أخْذَ أموالهم. وكذلك كسا الحزنُ أمَّ المؤمنين عائشة؛ فكانت تبكي حتى تبل خِمارَها، وندم كبار الصحابة على ما كان يوم الجمل ندمًا شديدا، وأَخَذَ عليّ البَيْعة من أهل البصرة، وأمَّر عليها ابنَ عباس، وانتقل إلى الكوفة واتخذها عاصمة، وهكذا انتهتْ هذه الموقعةُ بهذا الشر المستطير في يومٍ مُظْلِمٍ في تاريخ الأمة.

أشعل قَتَلَةُ عثمان القتالَ فذهب كَعْبُ بن سُور قاضي البصرة إلى أمِّ المؤمنين عائشة يخبرها بالأمر، لعلها تستطيع أنْ تُوقف القتال بما لها من حرمة وتأثير، فقال لها كعب مستغيثا: أدْرِكِي، فقد أَبَى القومُ إلا القتال، لعل اللهَ يُصلِحُ بِكِ. فركِبَتْ، فلما كانت وهي على الجمل بحيث تُسْمِعُ العامةَ ـ وقف رَكْبُهَا.. واقْتتل الناس، فقالت أم المؤمنين لكَعْب بن سُور: خَلِّ عن الجمل وتقدَّمْ بالمصحف فادْعُهُم إليه، وناوَلَتْهُ مصحفًا، فدخل بين الصفَّيْن يناشدهم الله ـ عز وجل ـ في دمائهم، وناوله الناس درعه فرمَى بها تحته، فرشقُوه بالسهام، فكان ـ رضي الله عنه ـ أولَ مقتول بين يدي عائشة..

وجَرَتْ محاولة أخرى لمنع القتال ووقْفِه من أمير المؤمنين عليّ، ولكن السبئية كانوا يُنْهُون كلَّ محاولةٍ بالفشل؛ كي تظل نار الحرب مشتعلة. ولم يكْتَفُوا بذلك بل تجرأوا على هَوْدَجِ أم المؤمنين عائشة ورمَوْه بالنبال، وأشعلوا القتال حول الجمل، فتحركت حميَّةُ جيشِ البصرة لحماية حرم رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ فاحْتَدَمَ القتال حول الجمل.

كان أمير المؤمنين عليّ ينادى في الناس:"ألا كُفُّوا، ألا كُفُّوا، لا شيء"، ولا أحد يسمع له، حتى أخذ مصحفا وطاف بين أصحابه، وقال: مَنْ يأخذُ هذا المصحفَ، يدعوهم إلى ما فيه وهو مقتول؟ فقام إليه فتى من أهل الكوفة، فأعرض علي عنه، وكرر ذلك، فإذا هو نفسُ الفتى: مسلمُ بن عبد الله، فدفع إليه المصحف، وأرسله إليهم ليدعوهم إلى ما فيه، فرشَقوه بالسهام فقتلوه، فكان أول مَنْ قُتل بين يدي أمير المؤمنين.

وهكذا كان مراد الصحابة هو الصلح ونبذ الحربِ والشقاقِ، وكان قصد السَّبَئِيّة هو إنشاب القتال وإشاعة الفتنة بين المسلمين، ووَأْد كل محاولة لإخماد جذوتها، فانتصر الهدم والتخريب على البناء والإصلاح!

كانت أم المؤمنين في معركة الجمل محاطةً بجماعة من أهل الشجاعة والبصائر، فكان لا يأخذ أحدٌ بزمام الجمل إلا حمل الراية واللواء لا يريد تَرْكَها، وكان لا يأخذ بالزمام إلا رجل معروف عند المحيطين بالجمل فينتسب إليها: أنا فلان بن فلان.

واشتد سعير القتال حول الجمل، حتى بَدَا الموتُ كاشفا وجهَه للناس، وحمى الشجعانُ عائشة بقوة منقطعة النظير، وما قصد أحدٌ الجملَ من أصحاب عليٍّ إلا قُتِل، أو أفلت ثم لم يَعُدْ.

فكان يقاتل عن يسارها قبيلة الأزْدِ، وعن يمينها بكر بن وائل؛ فاقتتلوا أشدَّ من قتالهم قبل ذلك، وأقبلت كتيبة من بني ناجية كانت تقاتل بين يديْها فجالدوا جلادًا يَهرب منه الشجاع، ثم أطافت بها بنو ضبّة، حتى إذا كثر القتل فيهم خالطهم بنو عديّ، وكثروا حولها، فقالت أم المؤمنين: مازال رأس الجمل معتدلا حتى قُتِلت بنو ضبّة حولي، فأقاموا رأس الجمل.. حتى قُتِل منهم على الخِطَام أربعون رجلا.

ولما كَثُر القتل والجراحات في العسكريْن جميعا وظهر ذلك، قصدوا الجملَ حتى قتلوه، وانتهت المعركة بإحداث صدع نفسي هائل للمسلمين لا يمكن معه أن نقول: انتصر فلان وهُزم فلان، وإن كان التفوق الحربي قد جاء في صف علي بن أبي طالب؛ الذي أمر بدفن القتلى من الطرفين والصلاة عليهم، وأحسن معاملة إخوانِه من الطرف المنهزم؛ فحرَّمَ سَبْيَهم وأخْذَ أموالِهم.

إنه ابنُ عمَّة رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ وأحدُ مَنْ بكَّروا بالدخول في الإسلام، وشهدوا نمو الإسلام واتساع سلطانه منذ كان نبْتةً صغيرة إلى أنْ أصبح دولة قويةً لها السلطان والغلَبة. وكان للزبير نصيب وافر من الجهاد في سبيل الله حتى عَلَتْ راية الدين، وعدَّه النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ ضِمْنَ العشرة الذين بشَّرهم بالجنة، بل منحه مقاما آخر حينما عدَّه حوارِيَّه، أيْ: صاحبه في الجنة..

وقد أعطى الزبير لدينه بعد النبي كما أعطاه والنبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ حيٌّ بين الناس، وجاءت الفتنة لِيُبتَلَى فيها الزبير، فقد رأى ـ كغيره من الصحابة ـ أن عثمان قُتل مظلوما، وأن القصاص من القتلة واجب ديني لا ينبغي التفريطُ فيه.. واختار أن يخرج لقتال هؤلاء المجرمين بنفسه، وكان يشعر بأن الأمر ملتبس لا يَبِينُ فيه الحقُّ جَلِيًّا، فكان يقول:"والله ما أخذ أصحاب محمد ـ صلى الله عليه وسلم ـ مُذْ بعث الله ـ عز وجل ـ نبيَّه طريقًا إلا عَلِمُوا أين مواقعُ أقدامِهم، حتى حدث هذا؛ فإنهم لا يَدْرون أمُقْبِلون هم أم مُدْبِرون"!!

وقد لعبت يدُ الفتنة دورا حتى وجد الزبيرُ نفسَه في جيشٍ يواجه ويقاتل جيشَ أمير المؤمنين عليّ بن أبي طالب، دون أن يكون أحدهما قاصدًا ظلمَ أخيه...

ولكن حتى في هذه الفتنة الملتهبة لم يكن أصحاب رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ يَدَعُون الاعترافَ بالحق والوقوفَ عنده؛ فهذا عليّ بن أبي طالب يأتي إلى الزبير ابن عمته يذكِّره ـ والقتالُ مشتعلٌ ـ بموقفٍ لهما بين يَدَيْ رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ يقول له: يا زبيرُ، أَنْشُدُكَ اللهَ، أسمعتَ رسولَ الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ يقول:"إنك تقاتلني وأنت ظالم"؟ قال: نعم، لم أذكرْه إلا في موقفي هذا، ثم انصرف، وتَرَكَ ساحةَ القتال.

وراح الزبيرُ على دابّته مسرعا يشق الصفوف إلى أمِّ المؤمنين عائشة، فقال لها: ما كنتُ في موطن منذ عقلْتُ إلا وأنا أعرِفُ فيه أمري، غيرَ موطني هذا، قالت: ما تريد أنْ تصنع؟ قال: أريد أنْ أدَعَهم وأذهبَ.

وترك ميدان القتال، ومضى، فاتبعه عمرو بن جُرموز، وكان في عسكر للأحنف بن قيس، وحضرت الصلاةُ، فلما سجد الزبير مُسَبِّحًا ربَّه الأعلى، طعنه ابنُ جُرموز، فقتله، وأخذ فرسَه وسلاحَه وخاتمَه، ودفنه بوادي السباع.

وعاد القاتلُ يَستأذن للدخول على أمير المؤمنين عليّ، فقال عليّ: ائذنْ له وبشِّرْه بالنار! وأُحضِرَ سيفُ الزبير عند عليّ، فأخذه، فنظر إليه، وقال: طالما جَلى به الكربَ عن وجه رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم. ثم بعث به إلى عائشة.

وكان استشهادُ الزبير في سنة ست وثلاثينمن الهجرة، وكان عمرُه حينَها سبعًا وستين سنة، وقيل: أكثر.

ذاك رجلٌ آخرُ من الأصفياء الذين سالتْ دماؤُهم الزكيّة في ساحات الفتنة، وهو ممن عملوا للدين منذ دُعِيَ إليه في أيام الإسلام الأولى بمكةَ، وشارك في مواقع الجهاد وساحاته حتى بشره رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ بالجنة..

وقد خرج طلحةُ والزبيرُ ومعهما أمُّ المؤمنين عائشةُ لِقَتْلِ مَنْ قَتَلَ أميرَ المؤمنين عثمانَ، لكنهم وجدوا أنفسَهم في مواجهة أمير المؤمنين عليٍّ بدلا من القَتَلَةِ ومثيري الفتنة، ورأى طلحةُ أمامَه ساحةً تَمُوجُ بالفتن، لا يُعرف فيها الحق من الباطل، فلما دعاه عليّ وذكَّره بأعمالِه وسوابِقِه رَجع عن القتال، واعتزل في بعض الصفوف، فأتاه سهمٌ لا يُعرَف رامِيه، فأصاب رُكبتَه، وسالَ منه الدمُ غزيرًا، فلما رآه القعقاعُ بن عمرو قال له:"يا أبا محمد، إنك لجريح، وإنك عما تريد لَعَلِيلٌ، فادْخل البيوتَ"فدخل ودمُه يسيل وهو يقول:"اللهمَّ خُذْ لعثمان مِنِّي حتى يرضَى"؛ فلما امتلأ خُفُّه دَمًا وثَقُلَ، قال لغلامه ارْدُفْني وأمْسِكْني وأبْلِغْنِي مكانا أنزل فيه. ومر به رجل من أصحاب عليٍّ، فقال له طلحةُ: أنت من أصحاب أمير المؤمنين؟ قال: نعم، قال: امْدُدْ يَدَكَ أبايِعْك له، فبايَعه مخافةَ أن يموت وليست في عُنُقِهِ بَيْعةٌ.

وحمله غلامُه حتى انتهى به إلى دار خَرِبَةٍ من دُور البصرة، وقال طلحة:"لم أرَ كاليوم شيخا أضْيَعَ دمًا مِنِّي"، وكان إذا أمسكوه فَتَرَ الدَّمُ، وإذا تركُوه انْفَجَرَ، فقال لهم: اتركوه، فإنما هو سهم أرسله الله". فمات في تلك الخَرِبَةِ ـ رضي الله عنه ـ ودُفِنَ في بني سعد، وصُلِّيَ عليه."

أمر عليّ يوم الجمل بعدم الإجْهاز على جرحى أهل البصرة، وعدمِ تتبُّع الفارِّين، لكن قوما معه خالفوا أمره، فدَفع الديات لأولياء القتلى من بيت المال، وجمع في أرض المعركة ما يخص المنهزمين من الأمْتِعَةِ والأموال، ثم بعث به إلى مسجد البصرة، وقال: مَنْ عَرَف شيئا فليأخذْه، إلا سلاحا كان في الخزائن عليه سِمَةُ السلطان.

ولم يتعرض ـ رضي الله عنه ـ لما في دُور البصرة من المتاع والأموال بعد وقعة الجمل، بل تركها إلى أصحابها، إلا ما كان من خراج بيت مال المسلمين، فإنه أخذه ليضمَّه إلى أموال الدولة.

لكنَّ أمْرَ الجند لم يمكنْ ضبطُه بدقة؛ إذْ تصرف بعضهم بخلاف ما أُمر به الإمام؛ ولذلك كان عليّ ـ رضي الله عنه ـ يدعو البُغَاة بعد القدرة عليهم إلى استرداد ما يجدونه من أموالهم في يد أحد من جنده، وقد وجد رجل من أهل الجمل قِدْرًا له في يَدِ رجُل من أصحاب عليّ كان قد أخذها من بيت ذلك الرجل ليطبخ فيها، فاستردّها.

وكان أمير المؤمنين ـ رضي الله عنه ـ لا يُحِل قتلَ أحدٍ من أسْرى مخالفيه من المسلمين ولا استرقاقَه، ولا يُحل سَبْيَ ذَرارِيهم.

وقد طعن عليه مثيرو الفتنة عقب موقعة الجمل، فقالوا: كيف يُحل دماءَهم ولا يُحل أموالَهم؟ فبلغ ذلك عليّا، فقال:"أيُّكم يحب أن تصيرَ أمُّ المؤمنين في سهْمِه (أي من سباياه) ؟!!"، فسكت القوم. ولما دخل البصرة فرَّقَ في أصحابه أموالَ بيت المال.

بعد أن انتهت معركة الجمل أَدْخَلَ أميرُ المؤمنين عليٌّ أُمَّ المؤمنين عائشةَ ـ رضي الله عنها ـ في أعظم دار في البصرة، وأكرم نُزُلَهَا، وعاقب من انْتَقَصها. ولما أرادت الرحيل جهّزها بكل ما تحتاجه من مركب وزاد ومتاع، وأخرج معها كل مَنْ نجا ممن خرج معها، إلا مَنْ أحب المُقام، وأمر لها باثْنَيْ عشرَ ألفًا من المال، واختار لمرافقتها أربعين امرأة من كريمات نساء أهل البصرة المعروفات، وقال لأخيها: تَجَهَّزْ يا محمدُ، فبلِّغْها.

فلما كان اليوم الذي ترتحل فيه، جاءها حتى وقف لها، وحضر الناس، فخرجت على الناس في حجابها فودّعوها وودّعتهم، وقالت: والله ما كان بيني وبين عليّ في القديم إلا ما يكون بين المرأة وأحمائها (أي: أقارب زوجها) ، وإنه عندي ـ على معتبتي ( أي مع عتابي له ) من الأخيار.

وقال علي: يا أيها الناس، صدقَتْ والله وبَرّتْ، ما كان بيني وبينها إلا ذلك، وإنها لزوجةُ نبيِّكم ـ صلى الله عليه وسلم ـ في الدنيا والآخرة.

وخرجت يوم السبت غرة رجب سنة ست وثلاثين، وشيّعها عليّ، وأخرج أبناءه معها يوما. فانصرفت إلى مكة وأقامت بها إلى الحج، ثم رجعت إلى المدينة، وكان عُمرها ـ رضي الله عنها ـ وقتئذٍ خمسًا وأربعين سنة.

لما فرغ علي من أمر الجمل بايعه الأحنفُ بن قيس في بني سعد ـ وكانوا قد اعتزلوا القتال وخرجوا من البصرة، ثم عادوا ودخلوها جميعا.

وبعث عليّ إلى الناس أن اخرجوا للبيعة، فبايعه أهل البصرة حتى الجرحى والمستأمنةُ، كما بايعه مروانُ، الذي خرج إلى المدينة ولم يتركها حتى فُرِغ من صِفِّين. وكان عليّ قد بايع أهل البصرة على راياتهم. ولما فرغ من بيعتهم نظر في بيت المال، فقسم ما فيه على مَنْ شهد معه الوقعة، وكتب إلى عُماله على الأمصار بما حدث في وقعة الجمل، وأمّر عبد الله بن عباس على البصرة.

بعدما انتهت معركة الجمل ودخل عليّ البصرة، وأخذ البيعة من أهلها، وشيّع أم المؤمنين عائشة إلى مكة ـ سار من البصرة إلى الكوفة، فدخلَها يوم الإثنين لثنتي عشرة ليلةً خَلَتْ من رجب سنة ست وثلاثين من الهجرة، واتخذها مقرًا له، فقيل له: انزلْ بالقصر الأبيض، فقال: لا، إن عمر بن الخطاب كان يكره نزولَه، فأنا أكرهه لذلك..!!

فنزل في موضع آخر، وصلى في الجامع الأعظم ركعتين، ثم خطب الناسَ فحضَّهم على الخير، ونهاهم عن الشر، وامتدح أهلَ الكوفة.

ولما جاءت عليه أولُ جمعة خطب فيهم وذكَّرهم بالآخرة، ثم بعث إلى جرير بن عبد الله، وكان على هَمَذان من زمان عثمان، وإلى الأشعث بن قيس، وهو على نيابة أذْرَبِيجَان من زمان عثمان ـ بعث إليهما أنْ يأخذا البَيْعةَ ممن هناك من الرّعايا، ثم يُقْبلا إليه، ففعلا ذلك.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت