فهرس الكتاب

الصفحة 50 من 289

ثم الستة الباقون من العشرة: طلحة بن عبيد الله، والزبير بن العوام، وسعد بن أبي وقاص، وسعيد بن زيد بن عمرو بن نفيل، وعبد الرحمن بن عوف، وأبو عبيدة بن الجراح -رضوان الله عليهم-؛ فهؤلاء العشرة الكرام البررة الذين شهد لهم رسول الله -صلى الله عليه وسلم- بالجنة، فنشهد لهم بها كما شهد لهم بها؛ اتباعا لقوله وامتثالا لأمره، وقد شهد رسول الله -صلى الله عليه وسلم- بالجنة لثابت بن قيس، وعبد الله بن سلام، ولبلال بن رباح، ولجماعة من الرجال والنساء من الصحابة، وبشر خديجة ببيت من قصب لا صخب فيه ولا نصب، وأخبر أنه رأى الرميصاء بنت ملحان في الجنة.

نعم، يقول المؤلف -رحمه الله-:"ثم الستة الباقون من العشرة"يعني: نشهد لهم بالجنة، وهم: طلحة بن عبيد الله، وهو من قريب لعثمان -رضي الله عنه- ابن عمه، والزبير بن العوام، وسعد بن أبي وقاص، وسعيد بن زيد بن عمرو بن نفيل، وعبد الرحمن بن عوف، وأبو عبيدة بن الجراح وهو أمين هذه الأمة -رضي الله عنهم؛ فهؤلاء الستة مع الأربعة، الخلفاء الراشدين هم العشرة المشهود لهم بالجنة، وورد ذكر هؤلاء العشرة المبشرين بالجنة في حديث سعيد بن زيد الذي رواه أبو داود في سننه والترمذي، وكذلك رواه الإمام أحمد في المسند.

ووردت أحاديث فيها الشهادة لهؤلاء العشرة بالجنة؛ ولهذا قال: فهؤلاء العشرة الكرام البررة الذين شهد لهم رسول الله -صلى الله عليه وسلم- بالجنة، فنشهد لهم بها كما شهد لهم بها؛ اتباعا لقوله لقول النبي -صلى الله عليه وسلم-، وامتثالًا لأمره.

فقد شهد رسول الله -صلى الله عليه وسلم- بالجنة لغير هؤلاء، شهد النبي -صلى الله عليه وسلم- بالجنة لغير هؤلاء، هؤلاء العشرة نشهد لهم بالجنة، وهناك غيرهم مشهود لهم بالجنة، والقاعدة عن أهل السنة والجماعة: أنه يشهد بالجنة لمن شهدت له النصوص.

وأما من لم يشهد له بالنصوص فلا، وقال بعض العلماء ... العلماء في الإشهاد بالجنة لهم ثلاثة أقوال:

قول أول: أنه لا يشهد بالجنة إلا للأنبياء فقط. والقول الثاني: أنه يشهد بالجنة للأنبياء ولمن شهدت له النصوص، وهذا هو قول الجمهور. والقول الثالث: أنه يشهد لهؤلاء بالجنة، ويشهد لمن شهد له اثنان عدلان بالجنة.

ومن ذلك أن أبا ثور كان يشهد بالجنة للإمام أحمد بن حنبل، ويستدلون بحديث: أن النبي -صلى الله عليه وسلم- كان جالسًا فمر بجنازة، فأثنى عليه خيرًا، فقال: وجبت. ثم مر بجنازة أخرى، فأثنى عليه شرًا، فقال: وجبت. فسئل النبي -صلى الله عليه وسلم- ما وجبت؟ قال: هذا شهدتم عليه بالجنة، وجبت عليه الجنة، وهذا شهدتم عليه بالنار، وجبت له النار، أنتم شهداء الله في الأرض والحديث الآخر -والحديث صحيح-: يوشك أن تعلموا أهل الجنة من أهل النار، قالوا: بم يا رسول الله؟ قال: بالثناء الحسن والثناء السيئ أخذ بعض العلماء من هذا أنه يشهد بالجنة لمن شهد له عدلان.

والصواب من هذه الأقوال أنه يشهد بالجنة للأنبياء، ولمن شهدت له النصوص خاصة، وأما هؤلاء الذين شهد لهم، فهذا له أدلته الخاصة، ويقتصر على ما جاء وعلى ما ورد في النصوص، ولأنه لو فتح الباب، قل أحد إلا تجد له اثنين يشهدان له بالجنة، فصار يشهد لكل أحد، والصواب أنه لا يشهد بالجنة إلا لمن شهدت له النصوص: كالعشرة المبشرين بالجنة.

ومن ذلك ثابت بن قيس ( ثابت بن قيس بن شماس رضي الله عنه) ، كان خطيب النبي -صلى الله عليه وسلم-، وذلك لأنه كان يخطب بين يدي النبي -صلى الله عليه وسلم-، وكان يرفع صوته؛ لأن الخطيب مضطر أن يرفع صوته، فلما نزل قوله -تعالى-: يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَرْفَعُوا أَصْوَاتَكُمْ فَوْقَ صَوْتِ النَّبِيِّ تأخر وخاف، جعل يبكي في بيته. وَلَا تَجْهَرُوا لَهُ بِالْقَوْلِ كَجَهْرِ بَعْضِكُمْ لِبَعْضٍ أَنْ تَحْبَطَ أَعْمَالُكُمْ خاف أن يكون حبط عمله؛ لأنه يرفع صوته بالخطبة أمام النبي -صلى الله عليه وسلم-، ففقده النبي -صلى الله عليه وسلم-، فأرسل إليه، فقال: إنه كان يرفع صوته عند النبي -صلى الله عليه وسلم-، فقد حبط عمله فهو من أهل النار، فأرسل إليه النبي -صلى الله عليه وسلم- فقال: قولوا له إنه من أهل الجنة وليس من أهل النار فهذا شهادة من النبي صلى الله عليه وسلم.

وعبد الله بن سلام الإسرائيلي -رضي الله عنه- أيضا هذا مشهود له بالجنة، هذا جاء في البخاري -رضي الله عنه- أنه قال: حدثني عبد الله بن محمد قال: حدثني أزهر السمان، عن ابن عون، عن محمد، عن قيس بن عباد قال: كنت جالسًا في مسجد المدينة، فدخل رجل على وجهه أثر الخشوع، فقالوا: هذا رجل من أهل الجنة. فصلى ركعتين تجوز فيهما، ثم خرج وتبعته، فقلت: إنك حين دخلت المسجد قالوا: هذا رجل من أهل الجنة. قال: والله ما ينبغي لأحد أن يقول ما لا يعلم، وسأحدثك بما ذاك: رأيت رؤيا على عهد النبي -صلى الله عليه وسلم-، فقصصت عليه، ورأيت كأني في روضة ذكر من سعتها وخضرتها وسطها عمود من حديد، أسفله في الأرض وأعلاه في السماء، في أعلاه عروة، فقيل لي: ارق. قلت: لا أستطيع. فأتاني منصف فرفع ثيابي من خلفي، فرقيت حتى كنت في أعلاها، فأخذت بالعروة، فقيل لي: استمسك. فاستيقظت وإنها لفي يدي، فقصصتها على النبي -صلى الله عليه وسلم-، قال: تلك الروضة الإسلام، وذلك العمود عمود الإسلام، وتلك العروة العروة الوثقى، فأنت على الإسلام حتى تموت وذلك الرجل هو عبد الله بن سلام.

وقال لخليفة: حدثنا ابن عون، عن محمد قال: حدثنا قيس بن عباد، عن ابن سلام قال: وصيف مكان منصف. هذا رواه البخاري في صحيحه، وأخرجه مسلم أيضا في الفضائل، وفيه الشهادة لعبد الله بن سلام بالجنة، وهو عبد الله بن سلام الإسرائيلي من بني إسرائيل.

ولبلال بن رباح المؤذن أيضا، شهد له النبي -صلى الله عليه وسلم- بالجنة، وكذلك لجماعة من الرجال والنساء شهد لهم النبي -صلى الله عليه وسلم-، من ذلك خديجة زوج النبي -صلى الله عليه وسلم- وأم المؤمنين، بشرها النبي -صلى الله عليه وسلم-، بشر خديجة ببيت من قصب لا صخب ولا نصب، قصب يعني: من اللؤلؤ (قصب اللؤلؤ ) مجوف. وهذه منقبة لخديجة -رضي الله عنها-، شهد لها بالجنة.

وأخبر أنه رأى الرميصاء بنت ملحان في الجنة، والرميصاء جاءت في مسند الإمام أحمد، قال: حدثنا عفان قال: حدثنا أحمد قال: أخبرنا ثابت، عن أنس -رضي الله عنه-، أن رسول الله -صلى الله عليه وسلم- قال: دخلت الجنة فسمعت خشفة، فقلت: ما هذه الخشفة؟ فقيل: الرميصاء بنت ملحان هذا شهادة لها بالجنة.

والرميصاء قال بعضهم: يقال لها الغميصى، وهي أم سليم بنت ملحان، وقيل: إنها أختها، وهي أم حرام بنت ملحان، شهد لها النبي -صلى الله عليه وسلم- بالجنة كما في صحيح البخاري، قال: حدثنا عبد الله بن يوسف، عن مالك، عن إسحاق عبد الله بن أبي طلحة، عن أنس بن مالك -رضي الله عنه-، أنه سمعه يقول: كان رسول الله -صلى الله عليه وسلم- يدخل على أم حرام بنت ملحان فتطعمه، وكانت أم حرام تحت عبادة بن الصامت، فدخل عليها رسول الله -صلى الله عليه وسلم- فأطعمته، وجعلت تفلي رأسه، فنام رسول الله -صلى الله عليه وسلم- ثم استيقظ -وكان بينه وبينها محرمية عليه الصلاة والسلام-، ثم استيقظ وهو يضحك، قالت: قلت وما يضحكك يا رسول الله؟ قال: ناس من أمتي عرضوا علي غزاة في سبيل الله، يركبون ثبج هذا البحر ملوكا على الأسرة، أو مثل الملوك على الأسرة -شك إسحاق -، قال: فقلت: يا رسول الله، ادع الله أن يجعلني منهم. فدعا لها رسول الله -صلى الله عليه وسلم-، ثم وضع رأسه ثم استيقظ وهو يضحك، فقلت: وما يضحك يا رسول الله؟ قال: ناس من أمتي عرضوا علي غزاة في سبيل الله -كما قال في الأول-، قالت: فقلت: يا رسول الله، ادع الله أن يجعلني منهم. قال: أنت من الأولين .

فركبت البحر في زمان معاوية بن أبي سفيان، فصرعت عن دابتها حين خرجت من البحر فهلكت، وهذا دليل على أن من غزا في سبيل الله، ثم مات في الطريق ذاهبا أو راجعا، أن هذه شهادة تعتبر شهادة، النبي -صلى الله عليه وسلم- شهد لها بالجنة، فهؤلاء شهد لهم النبي -صلى الله عليه وسلم- بالجنة، وهناك غيرهم، منهم عكاشة بن محصن شهد له النبي -صلى الله عليه وسلم-، وهو في السبعين ألفًا الذين يدخلون الجنة بغير حساب ولا عذاب، وكذلك ابن عمر -رضي الله عنه- مشهود له بالجنة في الرؤيا التي رآها، بأنه رأى النار وأن لها قرنين، وأنه جاءه ملكان فقالا: لن تراع. قال: أعوذ بالله من النار. وغيره، هناك عدد شهد لهم النبي -صلى الله عليه وسلم- بالجنة من الرجال والنساء، من شهدت لهم النصوص نشهد لهم، كذلك أهل البدر، قال النبي فيهم: اعملوا ما شئتم فقد غفرت لكم وكذلك أهل بيعة الرضوان كانوا ألفا وخمسمائة، أو ألفا وأربعمائة وكسر -رضي الله عنهم-، قال: لَقَدْ رَضِيَ اللَّهُ عَنِ الْمُؤْمِنِينَ إِذْ يُبَايِعُونَكَ تَحْتَ الشَّجَرَةِ .

وفي الحديث الذي رواه الإمام مسلم عن حفصة -رضي الله عنها-، أن النبي -صلى الله عليه وسلم- قال: لا يلج النار أحد بايع تحت الشجرة لا يدخل النار، هذه شهادة لأهل بيعة الرضوان ولأهل بدر، فنشهد بالجنة لمن شهدت لهم النصوص.

وأما من لم يشهد لهم (لم تشهد له النصوص) نتوقف، ولا نشهد لأحد بعينه، لكن نشهد بالعموم، كل مؤمن في الجنة وكل كافر في النار، لكن فلان بن فلان بعينه تشهد أنه في الجنة، نقول: ما نشهد إلا ما شهدت له النصوص. فلان بن فلان تشهد عليه بأنه في النار، لا نشهد إلا بما شهدت له النصوص، مثل: أبي لهب نشهد له بالنار، أبي جهل نشهد له بالنار. وكذلك من علمت خاتمته، مات على الكفر، قامت عليه الحجة، هذا كافر، يكفر ويشهد عليه بالنار. نعم.

الشهادة بالجنة لمن شهد الرسول صلى الله عليه وسلم لهم بها فكل من شهد له رسول الله -صلى الله عليه وسلم- بالجنة شهدنا له، ولا نشهد لأحد غيرهم، بل نرجو للمحسن ونخاف على المسيء، ونكل علم الخلق إلى خالقهم، فالزم -رحمك الله- ما ذكرت لك من كتاب ربك العزيز، وكلام نبيك الكريم، ولا تحد عنه، ولا تبتغي الهدى في غيره، ولا تغتر بزخارف المبطلين وآراء المتكلفين، فإن الرشد والهدى والفوز والرضا فيما جاء من عند الله ورسوله، لا فيما أحدثه المحدثون، وأتى به المتنطعون من آرائهم المضمحلة، ونتائج عقولهم الفاسدة، وارض بكتاب الله وسنة رسوله عوضًا من قول كل قائل، وزخرف وباطل.

نعم كما قال المؤلف -رحمه الله- قال: وكل من شهد له رسول الله -صلى الله عليه وسلم- بالجنة شهدنا له، ولا نشهد لأحد غيرهم، هذا عقيدة أهل السنة والجماعة، بل نرجو للمحسن ونخاف على المسيء، عقيدة أهل السنة والجماعة يشهدون بالجنة لمن شهدت له النصوص، ولا يشهد لأحد غيرهم، لكن يرجون للمحسن ويخافون على المسيء، إذا رأينا إنسانا محسنا مستقيما على طاعة، نرجو له الخير، ونرجو أن يدخله الله الجنة، ولا يشهد له بعينه، وإذا رأينا إنسانا مسرفا يعمل المعاصي والكبائر ولا يبالي، نخاف عليه من النار ولا نشهد عليه بالنار، نخاف على المسيء ونرجو للمحسن، ونشهد بالعموم كل مؤمن في الجنة وكل كافر في النار، أما المعين بعينه ما نشهد بالجنة إلا من شهدت له النصوص، ولا نشهد بالنار إلا لمن شهدت له النصوص، إلا من عرف أنه مات على الكفر وقامت عليه الحجة، هذا كافر.

ولهذا قال المؤلف: بل نرجو للمحسن، ونخاف على المسيء، ونكل علم الخلق إلى خالقهم. نكل علم الخلق إلى الله، لسنا مكلفين بأن نقول: فلان كذا وفلان كذا. ثم قال المؤلف:"فالزم رحمك الله". هذا من نصحه، قال: رحمك الله. يدعو لك بالرحمة، الزم -رحمك الله- ما ذكرت لك من كتاب ربك العزيز، وكلام نبيك الكريم، الزم النصوص وما دلت عليه (نصوص الكتاب ونصوص السنة) ، ولا تحد عنه، يعني: لا تبعد عنه، لا يمنة ولا يسره، ولا تبتغي الهدى في غيره، لا تبتغي الهدى في غير النصوص، الهدى إنما هو في كتاب الله وسنة رسوله، قال الله -تعالى- في كتابه العزيز: اتَّبِعُوا مَا أُنْزِلَ إِلَيْكُمْ مِنْ رَبِّكُمْ وَلَا تَتَّبِعُوا مِنْ دُونِهِ أَوْلِيَاءَ قَلِيلًا مَا تَذَكَّرُونَ ولو ذكر المؤلف هذه الآية لكان حسنا: اتَّبِعُوا مَا أُنْزِلَ إِلَيْكُمْ مِنْ رَبِّكُمْ وَلَا تَتَّبِعُوا مِنْ دُونِهِ أَوْلِيَاءَ .

يقول المؤلف -هذه نصيحة، يقول-:"ولا تغتر بزخارف المبطلين وآراء المتكلفين". لا تغتر بهم بالكلام الذي يزخرفه أهل الباطل، وما يتكلفه أهل الباطل وأهل البدع، كالخوارج مثلا الذين يكفرون أهل المعاصي، يكفرون المسلمين بالمعاصي، والمعتزلة الذين خرج من الإيمان ودخل في الكفر، والمرجئة الذين يقولون: لا يضر مع الإيمان معصية، كما لا يضر مع الكفر طاعة. هذه كلها باطلة، مذاهب باطلة، الزم الكتاب والسنة ولا تحد عنه يمينا ولا شمالا، ابتعد عن مذاهب الخوارج والمعتزلة والمرجئة، وغيرهم من أهل الضلال والجهمية والمعتزلة؛ فإن الرشد والهدى والفوز والرضا فيما جاء عن الله ورسوله، لا فيما أحدثه المحدثون، ابتعد عن الحدث وعن البدع في الدين، وأتى به المتنطعون، فالرشد والهدى والفوز والرضا في الكتاب والسنة، فيما جاء عن الله وفيما جاء عن رسول الله، لا فيما أحدثه المحدثون من البدع، ولا فيما أتى به المتنطعون من التنطع من آرائهم المضمحلة، ونتائج عقولهم الفاسدة، من زبالة الأذهان ومن حطة الأفكار، وارض بكتاب الله وسنة رسوله، نعم الرضا، ارض بالكتاب والسنة، اكتف بهما، من لم يكتف بالكتاب والسنة لا كفاه الله، من لم يرض بالكتاب والسنة لا أرضاه الله، وارض بكتاب الله وسنة رسوله عوضًا من قول كل قائل، وزخرف وباطل، يكفيك يعني ... يكفيك، ارض بكتاب الله وسنة رسوله، واترك أقوال القائلين، واترك زخارف المبطلين، هذه نصيحة من المؤلف رحمه الله. نعم.

فضل الاتباع اتباع الكتاب والسنة والعمل بهما فصل في فضل الاتباع. روى جابر بن عبد الله -رضي الله عنهما- قال: كان رسول الله -صلى الله عليه وسلم- يقول في خطبته: نحمد الله تعالى ونثني عليه بما هو أهله. ثم يقول: من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادى له، إن اصدق الحديث كتاب الله، وأحسن الهدي هدي محمد، وشر الأمور محدثاتها، وكل محدثة بدعة، وكل بدعة ضلالة، وكل ضلالة في النار، ثم يقول: بعثت أنا والساعة كهاتين، وكان إذا ذكر الساعة احمرت وجنتاه وعلا صوته، واشتد غضبه كأنه منذر جيش يقول: صحبكم مساكم. ثم قال: من ترك مالا فلأهله، ومن ترك دينًا أو ضياعًا فإلي وعلي، وأنا ولي المؤمنين رواه مسلم والنسائي. ولم يذكر مسلم: وكل ضلالة في النار

نعم، وهذا الفصل عقده المؤلف -رحمه الله- لفضل الاتباع (اتباع الكتاب والسنة) ، فضل اتباع الكتاب والسنة والعمل بهما، فهذا الفصل يسرد فيه المؤلف -رحمه الله- آثارا وأخبارا في فضل اتباع الكتاب والسنة والعمل بهما، وأنه يجب على الإنسان أن يعمل بالكتاب والسنة، وأن من اتبعهما فهو على الجادة المستقيمة.

روى جابر بن عبد الله -رضي الله عنه- وقال: كان رسول الله -صلى الله عليه وسلم- يقول في خطبته: نحمد الله ونثني عليه بما هو أهله هذا هو السنة: أن يبدأ الخطيب بخطبته -سواء كانت خطبة جمعة أو غيرها-، بحمد الله والثناء عليه بما هو أهله، ثم يثني بالصلاة على نبيه، ثم يقول: من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له. وهذا مأخوذ من الكتاب العزيز، قال الله -تعالى-: مَنْ يَهْدِ اللَّهُ فَهُوَ الْمُهْتَدِي وَمَنْ يُضْلِلْ فَأُولَئِكَ هُمُ الْخَاسِرُونَ وَمَنْ يُضْلِلْ فَلَنْ تَجِدَ لَهُ وَلِيًّا مُرْشِدًا .

من يهد الله فلا مضل له، من هداه الله ووفقه وقذف في قلبه الحق، فقبل الحق ورضي بما اختاره، فلا أحد يضله أبدا، لو اجتمع كلهم على أن يضلوه ما استطاعوا، ومن يضلل الله فلا هادي له، من يضلل الله ويخذله ويتخلى عنه، من خذله الله وأضله فلا يستطيع أحد أن يهديه، ولو اجتمع الخلق كلهم على أن يهدوه ما استطاعوا، قال الله -تعالى- لنبيه الكريم لما عجز عن فداء عمه أبي طالب، وكان يحميه ويزود عنه أنزل الله: إِنَّكَ لَا تَهْدِي مَنْ أَحْبَبْتَ وَلَكِنَّ اللَّهَ يَهْدِي مَنْ يَشَاءُ وَهُوَ أَعْلَمُ بِالْمُهْتَدِينَ .

إن أصدق الحديث كتاب الله، أصدق الحديث كتاب الله هو كلام الله -عز وجل-، وأفضل الكلام وأصدق الكلام، وأحسن الهدي هدي محمد -صلى الله عليه وسلم-؛ لأنه -عليه الصلاة والسلام- يهدي، يعني: يرشد وينصح ويبين، فهو على بينة من ربه، وهو على نور من ربه، فهديه أحسن الهدي -عليه الصلاة والسلام-؛ ولهذا قال الله -عز وجل-: وَإِنَّكَ لَتَهْدِي إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ يعني: تدل وترشد.

فالهدى نوعان: هداية دلالة وإرشاد، وهذه يملكها الرسول -عليه الصلاة والسلام-، وهداية توفيق وتسديد، هذه لا يملكها إلا الله. فقوله في العبارة: ومن يضلل الله فلا هادي له هذه هداية التوفيق والتسديد، وقوله هنا: وأحسن الهدي هدي محمد هذه الهداية دلالة وإرشاد. الهداية هدايتان: هداية توفيق وتسديد، هذه لا يقدر عليها إلا الله، خلق الهداية في القلوب: مَنْ يُضْلِلِ اللَّهُ فَلَا هَادِيَ لَهُ وهداية دلالة وإرشاد ونصح، هذه يملكها الرسول وأحسن الهدي هدي رسول الله يعني: دلالته وإرشاده.

وشر الأمور محدثاتها شر الأمور المحدث، المحدث في الدين، والمحدث في الدين هو ما أحدث في دين الله مخالفا لشرع الله. وكل محدثة بدعة كل محدثة في الدين بدعة، وكل بدعة ضلالة، وكل ضلالة في النار كل ضلالة في النار هذه لم يذكرها مسلم كما ذكر المؤلف، وإنما جاءت عند النسائي: كل ضلالة في النار .

هكذا يحكي النبي في خطبته يوم الجمعة: ومن يهده الله فلا مضل له، ومن يضل فلا هادي له إن أصدق الحديث كتاب الله، وأحسن الهدي هدي محمد، وشر الأمور محدثاتها، وكل محدثه بدعة، وكل بدعة ضلالة، وكل ضلالة في النار ثم يقول: بعثت أنا والساعة كهاتين و يفرق بين السبابة والوسطى، وكان إذا ذكر الساعة احمرت وجنتاه، وعلا صوته، واشتد غضبه، كأنه منذر جيش يقول: صبحكم ومساكم هكذا ينبغي أن يكون الخطيب، كان إذا خطب هكذا.

بعض الخطباء إذا خطب، تجده متماوتا، خطبة ضعيفة، خطبته تأتي بالنوم؛ لأنه متماوت (ميت) ، لا الخطبة ينبغي أن تكون خطبة في شجاعة حماس قوة، يهز المنبر، يحمر وجهه، ويعلو صوته؛ حتى يؤثر في السامعين، هكذا كان النبي -صلى الله عليه وسلم-: كان إذا خطب احمرت وجنتاه وعلا صوته، واشتد غضبه، كأنه منذر جيش يقول: صبحكم ومساكم هذا الخطيب، الخطيب الذي يكون خاطبا عن حماسة وقوة، يعالج المشاكل التي وقع فيها الناس، ما يكون الخطيب متماوتا ميتا، يقرأ كأنه يقرأ في كتاب، لا، فالخطبة تحتاج إلى حماسة وشجاعة.

ثم قال النبي -صلى الله عليه وسلم-: من ترك مالًا فلأهله، ومن ترك دينًا أو ضياعا فإلي وعلي من ترك مالا فلأهله يعني: لورثته. ومن ترك دينا أو ضياعا فإلي وعلي يعني: يقضيه. فكان في أول الأمر كان لا يصلي على من عليه دين، ثم لما وسع الله عليه صار يقضي الدين -عليه الصلاة والسلام- ويقول: من ترك مالا فلأهله -للورثة-، ومن ترك دينا ... يقضيه -عليه الصلاة والسلام-، أو ضياعًا يعني: الصغار، أطفال وعيال تسمى ضياعا، فيكون لهم من بيت المال.

ولهذا قال العلماء: إنه إذا كان بيت المال فيه سعة، فإنه ينبغي أن تقضى فيه دون الأموات، وتكفل فيه الأيتام؛ اقتضاء بالنبي -صلى الله عليه وسلم-، ولهذا قال -عليه الصلاة والسلام-: من ترك مالًا فلأهله، ومن ترك دينا أو ضياعًا فإلي وعلي، وأنا ولي المؤمنين رواه مسلم نعم.

حث النبي صلى الله عليه وسلم أصحابه على التمسك بالكتاب والسنة روى زيد بن أرقم قال: قام فينا رسول الله -صلى الله عليه وسلم- خطيبًا، فحمد الله وأثنى عليه ووعظ وذكر، ثم قال: أما بعد: أيها الناس، فإنما أنا بشر مثلكم يوشك أن يأتيني رسول ربي -عز وجل- فأجيبه، وأنا تارك فيكم الثقلين: أولهما كتاب الله فيه الهدى والنور، من استمسك به وأخذ به، كان على الهدى، ومن تركه وأخطأه كان على الضلالة، وأهل بيتي أذكركم الله في أهل بيتي."ثلاث مرات"رواه مسلم .

نعم، وهذا الحديث حديث زيد بن الأرقم -رحمه الله ورضي الله عنه- رواه الإمام مسلم في"كتاب فضائل الصحابة"، والإمام أحمد في مسنده، والدارمي في سننه، وفيه أن النبي -صلى الله عليه وسلم- خطب الناس قال: قام فينا رسول الله -صلى الله عليه وسلم- خطيبًا، فحمد الله وأثنى عليه فيه أنه يستحب الخطيب أن يبدأ بحمد الله والثناء عليه، ووعظ وذكر، ثم قال: أما بعد فالسنة أن يقول: أما بعد. فهذا هو الأفضل، أفضل من قول بعض الناس: وبعد. أما بعد أولى.

أما بعد: أيها الناس، فإنما أنا بشر مثلكم فيه أن النبي -صلى الله عليه وسلم- بشر، ليس ربًا ولا إلها، فيه الرد على من يعبد النبي -صلى الله عليه وسلم- ويقول: إنه إله. وبعض الناس يقول: إنه نور، وإنه جزء من الله. نعوذ بالله، هذا كفر وضلال، فالرسول بشر لحم ودم، مخلوق من أم وأب: من عبد الله بن عبد المطلب، وآمنة بنت وهب، خلق منهما (من مائهما) كما يخلق سائر الناس، أيضا هو بشر ليس ... وليس جزءا من الله -والعياذ بالله- كما يقولون، كالملاحدة والضالون، بل هو بشر -عليه الصلاة والسلام-، ولكنه أفضل الناس -عليه الصلاة والسلام-، فإنما أنا بشر مثلكم، يوشك أن يأتيني رسول ربي -عز وجل- فأجيبه يعني: الموت. يعني: فأجيبه، يعني: يموت. قال الله: إِنَّكَ مَيِّتٌ وَإِنَّهُمْ مَيِّتُونَ .

وأنا تارك فيكم الثقلين سماهم الثقلين لعظمهما وكبر شأنهما، وقيل: لثقل العمل بهما، وهما الكتاب والسنة، أولهما كتاب الله، فيه الهدى والنور، من استمسك به وأخذ به كان على الهدى لا شك أن من استمسك بالقرآن كان على الهدى، ومن تركه وأخطأ كان على الضلالة، وأهل بيتي وفي لفظه: وسنتي أهل بيتي، أذكركم الله في أهل بيتي"ثلاث مرات"أهل بيته يعني: المؤمنون: زوجاته -عليه الصلاة والسلام-، وعمه العباس وحمزة، وعلي وفاطمة والحسن والحسين، وزوجاته. هؤلاء هم أهل بيته، فيجب على المؤمن محبتهم وموالاتهم لله، ولقربهم من النبي -صلى الله عليه وسلم-، فالنبي أوصى بهم وصية خاصة: أذكركم الله في أهل بيتي"ثلاث مرات"يعني: موالاتهم ومحبتهم وإعطائهم حقوقهم، وكف الأذى عنهم، وإنزالهم منازلهم، والترضي عنهم. نعم.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت