فهرس الكتاب

الصفحة 126 من 289

إنه الصحابي الجليل عبد الله بن رواحة الخزرجي الأنصاري -رضي الله عنه- وكان يكنى أبا محمد. وقد حضر بيعتي العقبة الأولى والثانية، وشهد بدرًا وأحدًا والخندق، وكان أحد شعراء النبي صلى الله عليه وسلم الثلاثة، وكان بين يدي النبي صلى الله عليه وسلم في عمرة القضاء يقول:

خَلُّوا بني الكُفَّار عَنْ سَبيلِهِ نَضْرِبُكُمْ عَلَى تَنْزِيلِهِ

ضَرْبًا يُزِيلُ الهَامَ عَنْ مَقِيلِهِ وَيُذْهِلُ الخَلِيلَ عَنْ خَلِيله

فنادى عليه عمر وقال له: في حرم الله وبين يدي رسول الله صلى الله عليه وسلم تقول هذا الشعر؟ فقال له النبي صلى الله عليه وسلم (خَلِّ عنه يا عمر، فوالذي نفسي بيده لكلامه أشد عليهم من وَقْعِ النبل) [أبو يعلي] .

وكان عبد الله عابدًا محبًا لمجالس العلم والذِّكر، فيروى أنه كان إذا لقى رجلا من أصحابه قال له: تعال نؤمن بربنا ساعة. وذات مرة سمعه أحد الصحابة يقول ذلك، فذهب إلى النبي صلى الله عليه وسلم ، وقال: يا رسول الله، ألا ترى ابن رواحة، يرغب عن إيمانك إلى إيمان ساعة؟! فقال له النبي صلى الله عليه وسلم (رحم الله ابن رواحة إنه يحب المجالس التي تتباهى بها الملائكة) [أحمد] .

وذات مرة ذهب عبد الله إلى المسجد و النبي صلى الله عليه وسلم يخطب، وقبل أن يدخل سمع النبي صلى الله عليه وسلم يقول: (اجلسوا) فجلس مكانه خارج المسجد حتى فرغ النبي صلى الله عليه وسلم من خطبتيه، فبلغ ذلك النبي صلى الله عليه وسلم ، فقال له: (زادك الله حرصًا على طواعية الله ورسوله) [البيهقي] .

وكان كثير الخوف والخشية من الله، وكان يبكي كثيرًا، ويقول: إن الله تعالى قال: {وإن منكم إلا واردها} [مريم: 17] ، فلا أدري أأنجو منها أم لا؟

وعُرفَ عبد الله بن رواحة بكثرة الصيام حتى في الأيام الشديدة الحر، يقول أبو الدرداء -رضي الله عنه- خرجنا مع النبي صلى الله عليه وسلم في بعض أسفاره في يوم حار حتى وضع الرجل يده على رأسه من شدة الحر، وما فينا صائم إلا النبي صلى الله عليه وسلم وابن رواحة.

ولما نزل قول الله تعالى: {والشعراء يتبعهم الغاوون. ألم تر أنهم في كل واد يهيمون. وأنهم يقولون ما لا يفعلون} [224-226] أخذ عبد الله في البكاء لأنه كان شاعرًا يقول الشعر، ويدافع به عن الإسلام والمسلمين، وقال لنفسه: قد علم الله أني منهم، وكان معه كعب بن مالك، وحسان بن ثابت، وهم شعراء الرسول صلى الله عليه وسلم الثلاثة، فنزل قول الله تعالى: {إلا الذين آمنوا وعملوا الصالحات وذكروا الله كثيرًا وانتصروا من بعد ما ظلموا} [_الشعراء: 227] . ففرح عبد الله بذلك، واستمر في نصرة المسلمين بشعره.

وذات يوم أنشد عبد الله من شعره بين يدي النبي صلى الله عليه وسلم ، وقال:

إِنِّي تَفَرَّسْتُ فِيكَ الخَيْرَ أَعْرِفُهُ وَاللهُ يَعْرِفُ أنْ ما خَانَنِي الخَبَرُ

أَنْتَ النبي وَمَنْ يُحْرَمْ شَفَاعَتُهُ يَوْمَ الحِسَابِ لَقَدْ أَزْرَى بِهِ القَدَرُ

فَثَّبَتَ اللهُ مَا آتَاكَ مِنْ حُسْنٍ تَثَبِيتَ مَوسَى وَنَصْرًا كَالذي نَصَروا

فدعا له الرسول صلى الله عليه وسلم: (وإياك فثبَّتَكَ الله) [ابن سعد] .

وكما نصر عبد الله الإسلام في ميدان الكلمة، فقد نصره باقتدار في ميدان الحرب والجهاد بشجاعته وفروسيته.

وكان ابن رواحة أمينًا عادلًا، وقد أرسله النبي صلى الله عليه وسلم إلى يهود خيبر؛ ليأخذ الخراج والجزية مما في أراضيهم، فحاولوا إعطاءه رشوة؛ ليخفف عنهم الخراج، فقال لهم: يا أعداء الله، تطعموني السحت؟ والله لقد جئتكم من عند أحب الناس إليَّ، ولأنتم أبغض إليَّ من القردة والخنازير، ولا يحملني بغضي إياكم وحبي إياه على أن لا أعدل عليكم (أي أتعامل معكم بالعدل) .

وفي شهر جمادى الأولى من السنة الثامنة للهجرة، علم الرسول صلى الله عليه وسلم أن الروم قد حشدوا جيوشهم استعدادًا للهجوم على المسلمين، فأرسل النبي صلى الله عليه وسلم جيشًا إلى حدود الشام عدده ثلاثة آلاف مقاتل؛ ليؤمِّن الحدود الإسلامية من أطماع الروم، وجعل زيد بن حارثة أميرًا على الجيش، وقال لهم: (إن قتل زيد فجعفر، وإن قتل جعفر فعبد الله بن رَواحة) [البخاري] .

فلما وصل جيش المسلمين إلي حدود الشام، علموا أن عدد جيش الروم مائتا ألف فارس، فقالوا: نكتب إلى النبي صلى الله عليه وسلم ليرسل إلينا مددًا من الرجال، أو يأمرنا أن نرجع أو أي أمر آخر، فقال لهم ابن رواحة: يا قوم، والله إن التي تكرهون هي التي خرجتم تطلبون، إنها الشهادة، وما نقاتل الناس بعدد ولا قوة ولا كثرة، إنما نقاتلهم بهذا الدين الذي أكرمنا الله به. فانطلقوا فإنما هي إحدى الحسنيين، إما ظهور (نصر) وإما شهادة.

فكبر المسلمون وواصلوا مسيرتهم حتى نزلوا قرية بالشام تسمى مؤتة، وفيها دارت الحرب، وقاتل المسلمون أعداءهم قتالًا شديدًا، وأخذ زيد بن حارثة يقاتل ومعه راية المسلمين، فاستشهد زيد، فأخذ الراية جعفر بن أبي طالب، وراح يقاتل في شجاعة حتى استشهد، فأخذ عبد الله الراية، فأحس في نفسه بعض التردد، ولكنه سرعان ما تشجع، وراح يقاتل في شجاعة ويقول:

أَقْسَمْتُ يَا نَفْسُ لَتَنْزِلِنَّه طَائِعَةً أَوْ لَتُكْرهِنَّه

فَطَالَمَا قَدْ كُنْتِ مُطْمَئِنَّة مَالِي أَرَاكِ تَكْرَهِينَ الجَنَّةْ

يَا نَفْسُ إلا تُقْتَلِى تَمُوتي وَمَا تَمَنَّيْتِ فَقَدْ أُعْطِيت

إِنْ تَفْعَلِى فَعْلَهُمَا هُدِيتِ وَإِنْ تَأَخَّرْتِ فَقَد شُقِيتِ

ونال عبد الله الشهادة، ولحق بصاحبيه زيد وجعفر.

ــــــــــــــ

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت