فهرس الكتاب

الصفحة 34 من 289

قُتِل عليٍّ بن أبي طالب ـ رضي الله عنه ـ ولم يُوصِ لأحد من بعده، فاتّجه أهلُ العراق إلى الحسن بن عليٍّ، فبايعوه، وقام أهلُ الشام فبايعوا معاوية بِبَيْتِ المقْدس.

ثم سار الحسن في جنود العراق عن غير حب منه ولا إرادة لذلك، وسار معاوية في أهل الشام، فلما عسكر الحسنُ بإزاء جيش معاوية لاحت بوادر قتال، فكره الحسن حفيد نبي الرحمةِ العودة إلى إراقة دماء المسلمين بأيدي المسلمين، وقام في أهل العراق خطيبا يمهد لأمر الصلح، فلما رأى منه أهل العراق ذلك تطاولوا عليه، لكن نسل بيت النبوة أدرك أنه لابد من الإسراع بأمر الصلح وحقن دماء المسلمين، لإصلاح حال الأمة.

فلما تقابل الفريقان عَرَضَ معاوية على الحسن الصلحَ، وتبادل الحسن ومعاوية الرسل، وانتهى الأمر إلى اتفاق الفريقين، فأعْلَمَ الحسنُ أصحابه بأمر الصلح وتنازُلِه عن الخلافة في ربيع الأول من سنة إحدى وأربعين من الهجرة.

ورجع الحسنُ إلى الكوفة، والْتَقى فيها بمعاوية في غرة جمادى الأولى من هذه السنة، وبايعه الحسن والحسين وأهل العراق، وخطب الحسن في الناس، وتسلم بذلك معاوية بلادَ العراق، وأخذ يراوض قيسَ بن سعد على البيعة حتى بايعه، وترحّل الحسن بن علي ومعه إخوتُه وبقيةُ آلِ البيت المطهرين ـ عليهم رضوان الله ـ من أرض العراق إلى المدينة المنورة.

وجعل كلّما مرَّ بحيٍّ من شِيعتهم يلومُونه على ما صنع من نزوله عن الأمر لمعاوية، وهو في ذلك البارّ الراشد الممدوح، وليس يَجد في صدره حرجًا ولا تلوُّمًا ولا نَدَما، بل هو راضٍ بذلك مستبشر به.

وما فعله الحسَنُ ابن بنت رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ هو عين ما أنبأ به النبي الكريم ـ صلى الله عليه وسلم ـ من أن الله مصلح بابنه ذاك بين فئتين عظيمتين من المسلمين، فمدحه رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ من قبل على صنيعه هذا، ورغبته عن سلطان الدنيا ومتاعها، وحَقْنِه دماء الأمة المسلمة.

وقد استبشر المسلمون خيرًا بتلك المصالحة، وترك صنيعُ الحسن صدى طيبا في نفوس المسلمين، وأثنى عليه كثير من علماء أهل السنة، ورأوا فيما فعل تحقيقا لبشرى جده النبي محمد ـ صلى الله عليه وسلم.

وحمد المسلمون ربَّهم على كشف غمة الفتنة، وأصبح معاوية خليفةً للأمة الإسلامية كلِّها، واستوثقت له الممالك شرقا وغربا، وبُعدا وقُربا،وسمَّى المسلمون هذا العام عامَ الجماعةِ؛ لاجتماع الكلمة فيه على أمير واحد بعد فرقة مُرّة، ونُقلت عاصمة الخلافة من الكوفة إلى دمشق. واستقر الأمر لمعاوية ـ رضي الله عنه ـ إلى أن مات سنة ستين من الهجرة.

يقول الحسن البصري: لقد سمعتُ أبا بكرة ـ رضي الله عنه ـ يقول: رأيت رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ على المنبر والحسن بن عليٍّ إلى جنْبِه، وهو يُقْبِلُ على أصحابه فيحدّثهم، ثم يُقْبِلُ على الحسن فيقبِّلُه، ويقول:"إنَّ ابْنِي هذا سيدٌ، ولعل اللهَ أن يصلح به بين فئتين عظيمتين من المسلمين"رواه البخاري.

ولعل الحسن ـ رضي الله عنه ـ ظل حياتَه كلَّها يتمنى تحقيق هذه البشارة، وظهر هذا من نصائحه المتكررة لوالده بترْكِ القتال.

وعندما بايع الناس الحسن على الخلافة اقتربت هذه البشارة من التحقق، وظهرت ملامح السلام في بيعته، وبوادر تحقيق بشرى النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ له.

وما هي إلا أيام قليلة حتى كان الصلحُ بينه وبين معاوية، وحقْنُ دماء المسلمين، ودخولُ الناس جميعا في الجماعة في ظل بَيْعةِ أميرٍ واحد.

وقد مدحه رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ على صنيعه هذا قبل أن يصبح واقعا، إذْ ترك سلطان الدنيا الفانية رغبة في آخرة هي خير وأبقى، وحقنا لدماء هذه الأمة، فنزل عن الخلافة، وجعل المُلْكَ بِيَدِ معاوية حتى تجتمع الكلمة على أمير واحد، وسمي ذلك العام"عام الجماعة".

كان تسليم الحسن الخلافةَ لمعاوية محققا لبشارة النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ له؛ إذْ هو السيد الذي أصلح الله به بين طائفتين عظيمتين، كذلك كان به انقضاء دور الفتن والشقاق الذي كان مبدؤه من النصف الثاني من خلافة عثمان.

وقد استمرت الفتنة مشتعلة بضع سنوات، ولو كانت في أمة أخرى لهدمت أركانها، وقوضت بنيانَها، ولكن الله الرحمن الرحيم نظر إلى دينه القويم بعين عنايته، وبعظيم رحمته، وبجميل لطفه، فألّف قلوب أهله، وحفظه كما وعد.

وكان عقد البيعة من الحسن لمعاوية في ربيع الأول، أو الآخر سنة إحدى وأربعين، وحرص الصحابة من المهاجرين والأنصار والتابعين لهم بإحسان على جمع الكلمة، ونبْذ الفُرقة، والدخول في الجماعة، فسُمّي ذلك العام عامَ الجماعة؛ لدخولهم جميعا في طاعة أمير واحد، واجتماعهم بعد الفُرقة، ولاستئنافهم الجهادَ وتفرغِهم للفتوح ونشر دعوة الإسلام، بعد أن عطّل قَتَلَةُ عثمان سيوفَ المسلمين عن أداء هذه المهمة خمسَ سنوات، كان يستطيع المسلمون أن يسجلوا فيها أمجادا كبعض الذي حققوه من قبل في ظل الخلافة الراشدة.

ــــــــــــــ

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت