فهرس الكتاب

الصفحة 70 من 289

مصعب بن عمير

هاجر إلى الحبشة وأول من أقام

الجمعة بالمدينة وأول سفير في الإسلام مصعب بن عُمير من الترف إلى الشظف (1 3) مصعب بن عمير رضي الله عنه من فضلاء الصحابة السابقين إلى الإسلام، وهو مضرب الأمثال في التحول من حياة الرغد والترف والتمتع بمتع الحياة والنعيم.. إلى حياة الجد، والزهد، والشظف، بعد أن دخل في دين الله تعالى، ليكون أول سفير في الإسلام، ومن أوائل من هاجروا إلى الحبشة ثم مكة فالمدينة.

هذه نظرات نلقيها في حياة هذا الصحابي الجليل:

عن محمد بن كعب القرظي قال: حدثني من سَمَعَ علي بن أبي طالب رضي الله عنه يقول: إنا لجلوس مع رسول اله ص في المسجد إذ طلع علينا مصعب بن عمير، وما عليه إلا بردة له مرقوعة بفرو، فلما رآه رسول الله ص بكى للذي كان فيه من النعمة، والذي هو فيه اليوم، ثم قال رسول الله ص:"كيف بكم إذا غدا أحدكم في حلة وراح في حلة، ووضعت بين يديه صحفة، ورفعت أخرى، وسترتم بيوتكم كما تستر الكعبة؟ قالوا: يا رسول الله نحن يومئذ خير منَّا اليوم، نتفرغ للعبادة، ونكفي المؤنة. فقال رسول الله ص: أنتم اليوم خير منكم يومئذ. (1) "

وعن عمر بن الخطاب رضي الله عنه قال: نظر النبي ص إلى مصعب بن عمير مُقبلًا وعليه إهاب كبش قد تنطق به. فقال النبي ص:"انظروا إلى هذا الرجل الذي قد نوَّر الله قلبه، لقد رأيته بين أبوين يغذوانه بأطيب الطعام والشراب، فدعاه حب الله ورسوله إلى ماترون" (2) .

1 التعريف:

هو مصعب بن عمير بن هاشم ابن عبدمناف بن عبدالدار بن قصي بن كلاب ابن مرة القرشي العبدري، وكنيته أبوعبدالله.

كان من فُضلاء الصحابة وخيارهم، ومن السابقين إلى الإسلام، أسلم ورسول الله ص في دار الأرقم، وكتم إسلامه، خوفًا من أمه وقومه، وكان يختلف إلى رسول الله ص سرًا، فبصر به عثمان بن طلحة العبدري يصلي، فأعلم أهله وأمه، فأخذوه وحبسوه، فلم يزل محبوسًا إلى أن هاجر إلى أرض الحبشة، وعاد من الحبشة إلى مكة، ثم هاجر إلى المدينة بعد العقبة الأولى، ليعلِّم الناس القرآن ويصلي بهم... (3)

وهو أول من أقام الجمعة بالمدينة، وقد آخى الرسول ص بينه وبين أبي أيوب. (4)

يقول عنه صاحب الحلية: المحب القاري، المستشهد بأحد، كان أول الدعاة، وسيد التقاة، سبق الركب، وقضى النحب، ورغب عن التتريف والتسويف، وغلب عليه الحنين والتخويف. (5)

2 من الترف إلى الشظف:

كان قبل أن يسلم يعيش في رغد وترف، وينعم بمتع الحياة من ملبس ومأكل ومشرب وأمن من أن تمتد إليه يد بأي أذى، لكنه ما إن أسلم، وخالطت حلاوة الإيمان قلبه حتى تبدَّل حاله، من شبع إلى جوع، ومن الملبس اللين الناعم إلى غليظ الثياب وخشنها، ومن أمن إلى خوف، ويرسم لنا هذا الأثر حاله قبل أن يسلم فيقول الواقدي: كان مصعب بن عُمير فتى مكة شبابًا وجمالًا وسبيبًا"السبيبة: الثوب الرقيق"، وكان أبواه يحبانه، وكانت أمه تكسوه أحسن ما يكون من الثياب، وكان أعطر أهل مكة، وكان رسول الله ص يذكره ويقول:"ما رأيت بمكة أحسن لمة ولا أنعم نعمة من مُعصب ابن عُمير".

واللمة من شعر الرأس دون الجمة، سميت بذلك لأنها ألمت بالمنكبين. (6)

ويصوِّر لنا حاله التي صار إليها وشظف العيش الذي تحوَّل إليه بعد أن أسلم سعد ابن مالك فيقول:"كنا قبل الهجرة يصيبنا ظلف العيش وشدته، فلا نصبر عليها، فما هو إلا أن هاجرنا، فأصابنا الجوع والشدة، فاستضلعنا بهما، وقوينا عليهما، فأما مُصعب بن عُمير، فإنه كان أترف غلام بمكة بين أبوين فيما بيننا، فلما أصابه ما أصابنا لم يقو على ذلك، فلقد رأيته، وإن جلده ليتطاير عنه تطاير جلد الحية، ولقد رأيته ينقطع به، فما يستطيع أن يمشي، فتعرض القسَّ ثم تحمله على عواتقنا، ولقد رأيتني مرة، قمت أبول من الليل، فسمعت تحت بولي شيئًا يجافيه، فلمست بيدي فإذا قطعة من جلد بعير، فأخذتها، فغسلتها حتى أنعمتها، ثم أحرقتها بالنار، ثم رضضتها فشققت منها ثلاث شقات، فاقتويت بها ثلاثًا."

3 الابتلاء سُنة الدعوات:

الابتلاء سنة الدعوة وطريقة المؤمنين، وسبيل الصالحين، قال تعالى: أحسب الناس أن يتركوا أن يقولوا آمنا وهم لا يفتنون (2) ولقد فتنا الذين من قبلهم فليعلمن الله الذين صدقوا وليعلمن الكاذبين (3) (العنكبوت) .

وفي قصة ذلك الصحابي درس للمؤمنين، لا سيما المترفين الذين يعيشون في رغد وترف الحياة ويعلمون أن سلوك طريق الإيمان الصحيح سيحرمهم ليس من كماليات الحياة وترفها، وإنما سيحرمهم من الضرورات، بل وتمسهم البأساء والضراء... أم حسبتم أن تدخلوا الجنة ولما يأتكم مثل الذين خلوا من قبلكم مستهم البأساء والضراء وزلزلوا حتى"يقول الرسول والذين آمنوا معه متى"نصر الله ألا إن نصر الله قريب 214 (البقرة:214) .

والمسلم أمام ذلك يصبر ويحتسب، ويتطلع إلى ما عند الله يقينًا منه أن الدنيا إلى زوال، وما فيها إلى فناء، قال تعالى: ما عندكم ينفد وما عند الله باق (النحل:96) .

وهذا الصحابي الجليل ما إن يبصره أهله وهو يصلي حتى يحبسوه، مما اضطره إلى أن يترك الوطن ويهاجر إلى الحبشة فارًا بدينه، ويُحرمُ من النعيم الذي كان يحيا فيه، حتى إن جلده ليتقطع من شدة ما لقي، ويأكل الخشن من الطعام إن وجد، ويلبس الغليظ من الثياب وقد رقع، وهو الفتى المترف المنعم بين أبوين يحبانه ويغذوانه بأطيب الطعام والشراب، بل ويعطرانه بأحسن الطيب حتى إن رسول الله ص ليقول في حقه:"وكان أعطر أهل مكة... وما رأيت بمكة أحسن لمة، ولا أنعم نعمة من مُصعب بن عُمير".

هذا الشاب يتحول من الترف إلى الشظف، ومن الأمن إلى الخوف، وهو ثابت على العهد، وما بدل ولا غير... وهكذا يكون المؤمن الصادق الإيمان الذي وجد حلاوة الإيمان وذاقها وتتحقق فيه هذه الصفة.

قال رسول الله ص:"ثلاثة من كنَّ فيه وجد حلاوة الإيمان: أن يكون الله ورسوله أحب إليه مما سواهما، وأن يحب المرء لا يحبه إلا لله، وأن يكره أن يعود إلى الكفر بعد أن أنقذه الله منه كما يكره أن يُقذف في النار" (9) .

4 أثر نور الإيمان على المسلم:

لقد كان مُصعب بن عُمير تطبيقًا عمليًا لذلك، وهذا ما عبَّر عنه الرسول ص، وقد رآه مُقبلًا، وعليه إهاب كبش:"انظروا إلى هذا الرجل الذي نوَّر الله قلبه، لقد رأيته بين أبوين يغذوانه بأطيب الطعام والشراب، فدعاه حب الله ورسوله إلى ما ترون".

نعم نوَّر الله قلبه، فدفعه إلى الإنابة إلى دار الخلود، والتجافي عن دار الغرور والاستعداد للموت قبل نزوله.

وخرجه الترمذي الحكيم في"نوادر الأصول"من حديث ابن عمر: أن رجلًا قال يا رسول الله أي المؤمنين أكيس؟ قال:"أكثرهم للموت ذكرًا وأحسنهم له استعدادًا، وإذا دخل النور في القلب انفسح واستوسع"قالوا: فما آية ذلك يا نبي الله؟ قال:"الإنابة إلى دار الخلود والتجافي عن دار الغرور والاستعداد للموت قبل نزول الموت"فذكر ص خصالًا ثلاثة، ولا شك أن من كانت فيه هذه الخصال فهو الكامل الإيمان، فإن الإنابة إنما هي أعمال البرِّ، لأن دار الخلود إنما وضعت جزاء لأعمال البر، ألا ترى كيف ذكره الله في موضع في تنزيله ثم قال بعقب ذلك: جزاء بما كانوا يعملون 24 (الواقعة) .

فالجنة جزاء الأعمال، فإذا انغمس العبد في أعمال البر فهو إنابته إلى دار الخلود، وإذا خمد حرصه عن الدنيا، ولها عن طلبها، وأقبل على ما يغنيه منها، فاكتفى به وقنع، فقد تجافى عن دار الغرور، وإذا أحكم أموره بالتقوى، فكان نظارًا في كل أمر، واقفًا متأدبًا متثبتًا حذرًا يتورع عمَّا يريبه إلى ما لا يريبه، فقد استعد للموت.

فهذه علامتهم في الظاهر، وإنما صار هكذا لرؤية الموت، ورؤية صرف الآخرة عن الدنيا، ورؤية الدنيا أنها دار الغرور، وإنما صارت له هذه الرؤية بالنور الذي ولج القلب. (10)

5 وفي عصرنا شباب من الترف إلى السجن:

وتمضي هذه السنة حتى تصل إلى عصرنا الحاضر، فنرى شبابًا كانوا منعمين وسط أسرهم، يُرمى بهم في غياهب السجون وسط آتون التعذيب عشرات السنين، وما لانت لهم قناة وما وهنوا، وما ضعفوا، وما استكانوا لما أصابهم في سبيل الله، ومنهم من خرج بعدما يقرب من عشرين سنة ليواصلوا مسيرتهم في الدعوة إلى الله بالحكمة والموعظة الحسنة، وليكونوا نماذج حية تحتذى، وليتحقق بهم قول رسول الله ص:"لاتزال طائفة من أمتي ظاهرين حتى يأتيهم أمر الله وهم ظاهرون" (11) .

6 الترف المادي ليس ارتقاء:

إن الرفاه المادي الذي تسعى المجتمعات لتحقيقه، ليس فيه ارتقاء الإنسان وكماله، بقدر ما فيه ترديه وانحداره، لأنه غالبًا ما يحول بين الإنسان وبين تحقيق الغاية من وجوده ألا وهو العبادة لله: وما خلقت الجن والإنس إلا ليعبدون 56 (الذاريات) .

وهذا هو الدرس الذي لقنه رسول الله ص للصحابة حين رأى مصعبًا، وعليه بردة مرقوعة بفرو، فبكى للذي كان فيه من النعمة، والذي هو فيه اليوم، ثم توجه للصحابة قائلًا: كيف بكم إذا غدا أحدكم في حلة... ووضعت بين يديه صفحة... وسترتم بيوتكم..."؟"

فأجاب الصحابة: نحن يومئذ خير.. ولكن الرسول ص يجيبهم، بل أنتم اليوم خير منكم يومئذ.

ما أروع هذا الدرس النبوي، وكأنه معنا الآن، ويصور ما آل إليه حال المسلمين اليوم أروع تصوير وأبلغه.

والله لقد كانوا خيرًا على ما كانوا فيه من شظف العيش! فتحوا الدنيا وقهروا الفرس والروم، وكانوا السادة للأمم.

أما نحن اليوم، وقد فُتحت علينا الخيرات من كل جانب، وتعددت الصحاف، وتنوعت على الموائد، وغدا الشباب في حلل وراح في حلل، وسُترت البُيوت والجدران كما تُستر الكعبة.. ومع هذا الرفاه المادي، والرخاء الاقتصادي الذي يتفتح للمسلمين من كل جانب، فقد فقدوا هيبتهم، وانحسروا عن الديار التي عمرها أسلافهم بالإسلام والإيمان، فإذا بها خاوية على عروشها لا يُرفع فيها أذان، ولاكرامة فيه لإنسان.

ويصل الانحسار والجزر بالمسلمين إلى مداه حتى ضيعوا وفرَّطوا في القدس والأقصى معراج الرسول ص ومسراه... ولا حول ولا قوة إلا بالله.

الهوامش

(1) تحفة الأحوذي 7-176 177 - 2594. أبواب صفة القيامة.

(2) حلية الأولياء 1-108.

(3) أسد الغابة 5-881.

(4) البداية والنهاية 3-225.

(5) حلية الأولياء 1-106.

(6) أسد الغابة 5-182.

(7) سير أعلام النبلاء 1-148.

(8) فتح الباري 1-77-16.

(9) الجامع لأحكام القرآن 15-161.

(10) فتح الباري 13-293-7311.

مصعب بن عمير من الترف إلى الشظف

(2 من 3) كان مصعب بن عمير - رضي الله عنه - أول سفير يبعث من قبل الرسول ص إلى المدينة المنورة ليعلم أهلها الإسلام ويدعوهم إلى الإيمان.

يروي ابن إسحاق أنه بعد بيعة العقبة الأؤلى، وانصراف الأنصار، بعث رسول الله ص معهم مصعب بن عمير، وأمره أن يقرئهم القرآن، ويعلمهم الإسلام، ويفقههم في الدين فعن البراء بن عازب - رضي الله عنهما - قال:"أول من قدم علينا مصعب بن عمير، وابن أم مكتوم، وكانوا يقرئُون الناس، فقدم علينا بلال وسعد وعمار بن ياسر، ثم قدم عمر ابن الخطاب في عشرين من أصحاب النبي ص ، ثم قدم النبي ص ، فما رأيت أهل المدينة فرحوا بشيء فرحهم برسول الله ص حتى جعل الإماء يقلن: قدم رسول الله ص فما قدم حتى قرأت:"سبح اسم ربك الأعلى".. في سور من المفصل (1) ."

ونزل مصعب على أسعد بن زرارة، فكان يُسمى بالمدينة المقريء، وكان يصلي بهم، وذلك أن الأوس والخزرج كره بعضهم أن يؤمّوا بعضًا رضي الله عنهم أجمعين ..

نموذج لصدق الداعية وحكمته

عن ابن إسحاق أن أسعد بن زرارة خرج بمصعب بن عمير، يريد به دار بني عبد الأشهل ودار بني ظفر، وكان سعد بن معاذ ابن خالة أسعد بن زرارة، فدخل به حائطًا من حوائط بني ظفر، على بئر يقال له: بئر مرق، فجلسا في الحائط، واجتمع إليهما رجال ممن أسلموا، وسعد بن معاذ، وأسيد بن حضير، يومئذ سيدا قومهما من بني عبد الأشهل، وكلاهما مشرك على دين قومه، فلما سمعا به، قال سعد لأسيد، لا أبالك، انطلق إلى هذين الرجلين اللذين قد أتيا دارينا؛ ليسفها ضعفاءنا فازجرهما، وانههما أن يأتيا دارينا، فإنه لولا أسعد بن زرارة مني حيث قد علمت، كفيتك ذلك، هو ابن خالتي، ولا أجد عليه مقدمًا.

قال فأخذ أسيد بن حضير حربته، ثم أقبل إليهما، فلما رآه أسعد بن زرارة، قال لمصعب: هذا سيد قومه، وقد جاءك، فاصدق الله فيه، قال مصعب: إن يجلس أكلمه.

قال: فوقف عليهما متشتمًا، فقال ما جاء بكما إلينا تسفهان ضعفاءنا؟ اعتزلانا إن كانت لكما بأنفسكما حاجة.

وقال موسى بن عقبة: فقال له غلام: أتيتنا في دارنا بهذا الرعيد الغريب الطريد، ليتسفه ضعفاءنا بالباطل، ويدعوهم إليه.

فقال له مصعب: أو تجلس فتسمع، فإن رضيت أمرًا قبلته، وإن كرهته كُفّ عنك ما تكره؟

قال: أنصفت، قال: ثم ركز حربته، وجلس إليهما، فكلمه مصعب بالإسلام، وقرأ عليه القرآن، قالا فيما يذكر عنهما: والله لعرفنا في وجهه الإسلام قبل أن يتكلم، في إشراقه وتسهله، ثم قال: ما أحسن هذا وأجمله، كيف تصنعون إذا أردتم أن تدخلوا في هذا الدين؟

قالا له: تغتسل فتطهر، وتطهر ثوبيك، ثم تشهد شهادة الحق، ثم تصلي، فقام فاغتسل، وطهر ثوبيه، وتشهد شهادة الحق، ثم قام فركع ركعتين، ثم قال لهما: إن ورائي رجلًا إن اتبعكما، لم يتخلف عنه أحد من قومه، وسأرسله إليكما الآن. سعد بن معاذ.

ثم أخذ حربته، وانصرف إلى سعد وقومه، وهم جلوس في ناديهم، فلما نظر إليه سعد ابن معاذ مقبلًا. قال: أحلف بالله لقد جاءكم أسيد بغير الوجه الذي ذهب به من عندكم، فلما وقف على النادي قال له سعد: ما فعلت؟ قال: كلمت الرجلين، فوالله ما رأيت بهما بأسًا، وقد نهيتهما، فقالا: نفعل ما أحببت، وقد حدثت أن بني حارثة، خرجوا إلى أسعد بن زرارة ليقتلوه، وذلك أنهم عرفوا أنه ابن خالتك ليحقروك.

قال: فقام سعد بن معاذ مغضبًا مبادرًا مخوفًا، للذي ذكر له من بني حارثة، وأخذ الحربة في يده، ثم قال: والله ما أراك أغنيت شيئًا، ثم خرج إليهما سعد، فلما رآهما مطمئنين، عرف أن أسيدًا إنما أراد أن يسمع منهما، فوقف متشتمًا، ثم قال لأسعد بن زرارة: والله يا أبا أمامة، والله لولا ما بيني وبينك من القرابة ما رمت"بلغت"هذا مني، أتغشانا في دارنا بما نكره؟

قال: وقد قال أسعد لمصعب: جاءك والله سيد من ورائه قومه، إن يتبعك لا يتخلف عنك منهم اثنان. قال: فقال له مصعب: أو تقعد فتسمع، فإن رضيت أمرًا رغبت فيه قبلته، وإن كرهته عزلنا عنك ما تكره؟

قال سعد: أنصفت، ثم ركز الحربة، وجلس فعرض عليه الإسلام، وقرأ عليه القرآن.

وذكر موسى بن عقبة: أنه قرأ عليه أول الزخرف. قال: فعرفنا والله في وجهه الإسلام، قبل أن يتكلم في إشراقه وتسهله، ثم قال لهما: كيف تصنعون إذا أنتم أسلمتم، ودخلتم في هذا الدين؟ قالا تغتسل فتطهر، وتطهر ثوبيك، ثم تشهد شهادة الحق، ثم تصلي ركعتين. قال: فقام فاغتسل، وطهر ثوبيه، وشهد شهادة الحق، ثم ركع ركعتين ثم أخذ حربته، فأقبل عائدًا إلى نادي قومه، ومعه أسيد بن حضير.

فلما رآه قومه مقبلًا قالوا: نحلف بالله، لقد رجع إليكم سعد بغير الوجه الذي ذهب به من عندكم، فلما وقف عليهم قال: يا بني عبد الأشهل كيف تعلمون أمري فيكم، قالوا: سيدنا وأفضلنا رأيًا، وأيمننا نقيبة، قال فإن كلام رجالكم ونسائكم علي حرام، حتى تؤمنوا بالله ورسوله.

قال: فوالله ما أمسى في دار بني عبد الأشهل رجل ولا إمرأة إلا مسلمًا أو مسلمة، ورجع سعد ومصعب إلى منزل أسعد بن زرارة، فأقاما عنده يدعوان الناس إلى الإسلام، حتى لم تبق دار من دور الأنصار، إلا وفيها رجال ونساء مسلمون، إلا ما كان من دار بني أمية بن زيد، وخطمة، ووائل، وواقف، وتلك أوس وهم من الأوس بن حارثة، وذلك أنهم كان فيهم أبو قيس بن الأسلت، وكان شاعرًا قائدًا لهم، يستمعون منه ويطيعونه، فوقف بهم عن الإسلام حتى كان بعد الخندق (2) .

الدروس والعبر

مصعب بن عمير نموذج للداعية المخلص الصادق الذي تفتقر إليه مجتمعاتنا التي ملئت بدعاة فقراء من كل مقومات الداعية الناجح، ومن حياته نستخلص بعض الدروس والعبر وفي مقدمتها:

1-بالإخلاص والتضحية تنتشر الدعوات:

إن إخلاص الداعية وصدقه، وحبه لدعوته وشغفه بها وتضحيته العزيزة الغالية في سبيلها لهما من أهم عوامل النجاح، وإقبال الناس على دعوته.

وما أقبل الناس على الإسلام في صدره الأول، ودخلوا فيه أفواجًا إلا لتضحيات الصحابة والتابعين بكل غال ورخيص في سبيل تبليغ دعوتهم.

وما انصرف الناس عن الإسلام، وما ضعف ووهن في قلوب معتنقيه، إلا بإخلاد دعاته إلى الراحة والدعة، والإقبال على الترف الزائد، والنعيم المترف، الذي أقعدهم عن تحمل الصعاب، وحال بينهم وبين تكبد المشاق، وأفقدهم صدق كلماتهم عن الجهاد والتضحية، فلم تجد آذانًا صاغية، ولا قلوبًا واعية..

ولعل هذا هو السر في إقبال الناس على كل داعية مخلص في عصرنا وكل عصر، وكيف لا وليس لهم من زاد في دعوتهم التي ينطلقون بها، إلا الإخلاص والوفاء والصدق والتضحية الغالية، التي لا تقف عند حد.

إن صدى الكلمات المخلصة الصادقة يجوب الأرجاء ويعم الأنحاء، حتى إنه ليصل إلى كل مكان على سطح المعمورة قال تعالى: ويأبى الله إلا أن يتم نوره ولو كره الكافرون (التوبة:32) .

2-نبع القلب يفيض على القلوب:

إن الدعوة النابعة من القلب تجد طريقها إلى قلوب الناس ميسرة، وقد قال ابن عطاء:"كل كلام يبرز وعليه كسوة القلب الذي منه برز".

إن لهذه الجملة من حكم ابن عطاء، لدلالات يجب أن يفطن لها الدعاة إلى الله الذين يرشدون الخلق إلى خالقهم، ويعرفونهم على طريق الهدى، الذي جاءنا به الرسول ص، وليعلم هؤلاء الدعاة أنهم بقدر ما يتمكن الإيمان في قلوبهم بقدر ما يكون تأثير حديثهم في هداية الناس وإرشادهم، ولقد جاء في الحكم أيضًا:"تسبق أنوار الحكماء أقوالهم، فحيثما صار التنوير وصل التعبير".

وعلامة الكلام الذي يسبقه التنوير، تأثيره في القلوب وتهييجه الأرواح، وتشويقه الأسرار، فإذا سمعه الغافل تنبه، وإذا سمعه العاصي انزجر، وإذا سمعه الطائع زاد نشاطه، وعظم شوقه، وإذا سمعه السائر طوى عنه تعب سيره، وإذا سمعه الواصل تمكن من حاله، فالكلام صفة المتكلم، فإذا كان المتكلم ذا تنوير وقع في قلوب السامعين، وإذا كان ذا تكدير فَحَدُّ كلامه آذان المستمعين، فكل كلام يبرز وعليه كسوة القلب الذي منه برز، لذلك قال سيدنا علي كرم الله وجهه:"من تكلم عرفناه من ساعته، ومن لم يتكلم عرفناه من يومه".

3-الحلم والصفح:

على الداعية أن يقبل السيئة بالإحسان، وأن يكون متصفًا بالحلم والصفح، وأن يعلم أن الطريق لكسب القلوب المعادية للدعوة إنما يكون بالإحسان إلى من أساء، وتذكُّر قول الله تعالى دائمًا: ولا تستوي الحسنة ولا السيئة ادفع بالتي هي أحسن فإذا الذي بينك وبينه عداوة كأنه ولي حميم (فصلت:34) .

ألا ترى إلى مصعب وقد جاءه أسيد، ثم سعد، وكل منهما وقف عليه متشتمًا، فما غضب ولا ثار ولا تأثر، ولكنه رد عليهم الرد الجميل، وهدأ من غضبهم، حتى أجلسهم للاستماع للحق الذي يغزو القلوب، ويأسرها حين تتجرد، وتسمعه من قلب صادق متجرد .. ألا تسمع لقول أسعد لمصعب:"هذا سيد قومه وقد جاءك فاصدق الله فيه"؟

4-إشراقة الإيمان تظهر في الوجه:

الإيمان حين يتسرب إلى القلوب وتتشربه الأفئدة تبدو آثاره منذ اللحظة الأولى على محيا صاحبه؛ ألا تتأمل في قوله:"والله لعرفنا في وجهه الإسلام قبل أن يتكلم في إشراقه وتسهله .. وحين نظر سعد بن معاذ إلى أسيد وقد أقبل يكسو نور الإيمان وجهه، فقال سعد: أحلف بالله لقد جاءكم أسيد بغير الوجه الذي ذهب به من عندكم.."

وهذا الأمر نفسه يتكرر مع سعد بن معاذ حين يؤمن .. نعم شتان بين وجه مظلم بظلمة قلب صاحبه لكفره أو لاستغراقه في المعاصي، ووجه مضيء منير بقلب صاحبه الذي مُليء بنور الإيمان والطاعة .. فالوجه مرآة: إما أن تعكس نور القلب وسناه، وإما أن تعكس ظلمته وقسوته.

وما أجمل قول الشاعر:

تريك أعينهم ما في صدورهم

إن العيون يؤدّي سرَّها النظر

وقال الحكماء: العينان أنمّ من اللسان.

وقال بعض البلغاء: الوجوه مرايا تريك أسرار البرايا (4) .

5-أثر السيد في قومه عظيم:

إن الرجل الذي يكون سيدًا في قومه تتطلع إليه الأنظار، ويكون قدوة لمن خلفه من الأتباع، ومن ثم تكون كلمته فيهم مسموعة، وأثره فيهم كبيرًا، وهو إما أن يقودهم إلى الحق، ويرشدهم إلى الخير، أو يحول بينهم وبين الهداية، فسعد بن معاذ رضي الله عنه حين يشرق الإيمان على فؤاده، ويحل نور الإسلام في قلبه، يتوجه إلى قومه، فما أمسى في دار بني عبد الأشهل رجل ولا امرأة إلا مسلمًا ومسلمة .. بينما أبو قيس بن الأسلت، يحول بين قومه وبين نور الهداية سنين، ولله في خلقه شؤون..

إن هذا يجعل المسلم الداعية يحرص على أن يتوجه بدعوته أيضًا إلى كبار القوم، ولا ييأس من أن يهدي الله منهم رجلًا واحدًا فيهدي الله به خلقًا كثيرًا، فيعظم الأجر، ويعم النفع والخير.

الهوامش

(1) فتح الباري 7-260-3925

(2) سيرة ابن هشام 2-58

(3) إيقاظ الهمم في شرح الحكم 321.

(4) أدب الدنيا والدين -256.

ــــــــــــــ

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت