فهرس الكتاب

الصفحة 17 من 289

لم تكن أسباب الفتنة وبواعثها ـ كما ظهرت في شكلها البسيط ـ ترجع إلى غضب جماعة من الرعية من تصرفات الخليفة أو عماله على الولايات، بل تعُودُ إلى تغيرات اجتماعية عميقة ظلت تعمل في صمت وقوة لا يلحظها كثير من الناس، حتى ظهرت على ذلك الشكل العنيف المتفجر في النصف الثاني من خلافة عثمان، وبلغت قمةَ فورانها في الثورة التي أدت إلى استشهاده، ولم تنته بقتله، بل ظلت تأثيراتها وظلالها تنسحب على الحياة الإسلامية في الفترة التي تلت ذلك.

لقد كانت نفس تلك الأسباب وراء تململ عمر بن الخطاب من رعيته وتململهم منه في أواخر حياته، وكانت وراء قتل عثمان، كما كانت وراء بعض تصرفات علي بن أبي طالب لما استُخلف، ووراء فشلِ سياسته في العراق، ووراء امتناع معاوية عن بيعته، والصراع بينهما.

إن التغيير الهائل الذي أحدثه الإسلام في خريطة العالم المحيط به: في عقائده ونظمه ونفسيته لم يكن ليمر دون أن يعكس آثاره بصورة أو بأخرى على الإسلام نفسه، ممثَّلا في دولته وفي مجتمعه، وممثلا بصفة خاصة في القادة والرواد الذين حملوا أكثر مِنْ سواهم أعباءَ هذا الانقلاب الضخم.

ولقد كان اغتيال الخليفة الراشد عمر بن الخطاب أول ظواهر هذا الانعكاس الخطير، وكان نذيرا واضحا بأن ردود الفعل لتلك الفتوحات الواسعة التى طوَّرت من طبيعة الدولة الإسلامية، قد بدأت تنفّذ قانونها وسلطانها، خاصة مع عدم حدوث تغير في أسلوب الحكم يواكب هذا التطور.

(( المقصود به أنهم لم يكونوا يحتاطون من الناس ومن المسلمين الجدد لأن بعضهم قد دخل في الإسلام على دغل وخوف وهو يريد الكيد له من الداخل فلم يكن لهم حرص ولا غير ذلك كبقية الأمراء في العالم ) )وجاء الفتح بمشكلاته: من ثراء طارئ، ودنيا حافلة بالإغراء، واختلاط هائل بين أجناس وأمم وتقاليد طوّرت في المجتمع الإسلامي، وخلقت بمرور الوقت مناخا متوترا، خاصة من جانب هؤلاء الذين كان حظهم من تزكية الإسلام للنفس ضئيلا وما حصلوا عليه من التربية الإيمانية ناقصا، في جوّ نما فيه دور القبائل العربية، ورفعت العصبية القبلية رأسها، حتى بدت رواسب الجاهلية طافية فوق سطح المجتمع.

كلُّ هذا أسهم في إضافة نقاط سوداء إلى الثوب الإسلامي الأبيض، خاصة مع موت الكثير من الصحابة الكبار، وانتشار العديد منهم بعيدًا عن عاصمة الخلافة.

وقد ساعد هذا الاختلال في صورة المجتمع المسلم لهذا العهد على تشجيع الدسائس وإنجاح المؤامرات، كهذه التي كان وراءها تلك الشخصية الغامضة عبد الله بن سبأ.

لقد عاش الإسلام أول عهده في مكة مطارَدا، فكان لا يُقبل عليه حينئذ إلا من تعلقت نفوسهم بالحق ولم تبال أن ينالها الأذى من ذلك، ولم تطمع أن تنال مغنما دنيويا من وراء إيمانها بالله ورسوله.. وفي المدينة كافح المسلمون وسط غابة من الشرك وأهله، حتى لم يكن أحد يتبع هذا الدين المطارَد المحاصَر رغبة في غنيمة أو بحثا عن رياسة..

أَمَا وقد انتصر المسلمون، ففتحوا مكة، وأرغموا أنف اليهود، وأخضعوا القبائل العربية النافرة بالجزيرة فقد أصبح في الانضمام إليهم مغنم.. بل صار هذا المغنم شيئا رائعا وضخما حين سَحَقَ الصحابةُ ومن ثبت معهم جموع المرتدين، ثم امتد بهم الأمر ليواجهوا الفرس والروم ويغنموا منهم ما لا يُحصى من الغنائم.

إن هناك فرقا عميقا بين نفس دخلت في دين الله ـ تعالى ـ لأنه الحق الذي يرضاه الله، وترى فيه ذاتها سابحة في عالم من النقاء، ومسبِّحة مع مَنْ يسبح من الخلق، فلا تستطيع أن تعيش إلا بالحق وله هناك فرق بين هذه النفس وبين نفس دخلت الدين في زحام الداخلين، وأخرى جذبتها الأضواء الباهرة والربح الدنيوي الذي صار المسلمون يجنونه في جولاتهم وملاحمهم.

إن النفس التي دخلت الدين من أجل النفع تميل مع النفع حيث مال، وتسير معه حيث سار، والتي دخلت في زحام الداخلين لا تتقن اختيار ما ينفعها عند ربها، فتنجرف مع كل تيار، وتميل مع كل فتنة.

وقد تدفقت خيرات الدنيا على المسلمين مع موجات الفتوح القوية، فاتسع الثراء اتساعا هائلا، وصارت الثروة كأنها تهاجر من وطن إلى وطن، وتسافر من يد إلى يد. والثراء الضخم المفاجئ لا تنجو من أثره السالب إلا نفوس أفراد قلائل، هم خاصة المؤمنين المتميزة، وكانوا - على أية حال - قلة في المجتمع، وبقيت الكثرة الكاثرة عرضة للتغير والتعلق بالدنيا، بل التصارع عليها.

ــــــــــــــ

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت