ولم يكن معاوية ـ رضي الله عنه ـ يدع شيئا يزعزع استقرار بلاده، أو يهدد أمن ولايته إلا قضى عليه في مهده ودون مساعدة من الخليفة، إلا ما كان من أمر الخلاف مع أبي ذر ومنهجه، حيث استعان بأمير المؤمنين عثمانَ لما أعيتْه الحيَل، فأعانه. وعموما كانت رعيتُه أكثرَ الأمصارِ طواعيةً لأميرها، فلم تظهرْ فيها الفتنة، ولم يجد مثيرو الفتنة لهم فيها مكانا، بل إن معاوية عرض على أمير المؤمنين عثمان أن يخرج معه إلى الشام عندما حدثت الفتنةُ، أو أن يرسل لحمايته بالمدينة بعضَ أجناد الشام، ولكن أمير المؤمنين رفض ذلك كلَّه. ولما جاءهم نبأ حصاره خرج جيش منهم لنصرته، ولكن جاءهم خبر مقتله قبل أن يصلوا إلى المدينة.
"الناس معادن كمعادن الفضة والذهب..." (رواه مسلم وأحمد) .
كان معاوية بن أبي سفيان رجلًا معدنُه الذهبُ في الإدارة والإمارة، ولعله ورث ذلك عن قومه من بني أمية الذين كانوا من زعماء مكة في الجاهلية...
لقد كانت شخصية معاوية الأموي في ظل الإسلام جديرة بأن تحقق إنجازات بارزة إذا أتيحت له الفرصة، وقد انفتح الباب أمامه واسعا حين ولاه عمرُ بعضَ الشام إلى أن أصبح واليا على الشام كله، وكذلك حين وثق فيه عثمان فأقره في موضعه، وسمح له بتنفيذ بعض المشاريع التي كان يعارضها عمر، خوفا على المسلمين.
لقد كان جند الشام تحت قيادة معاوية في طليعة جيوش الجهاد والفتوح الظافرة الداعية إلى الله بأخلاقها وسيرتها وحكمة قادتها وصدق إسلامهم، فانتصروا على عدوهم في البر والبحر، كما كان تأسيس الأسطول الإسلامي والفتوح البحرية الأولى من عمل معاوية الذي ألح على الخليفة الرفيق عثمان كي يقوم بها، حتى سمح له أمير المؤمنين بذلك، ففتح قبرص، وغزا مضيقَ القسطنطينية.
وقد حفظ معاوية وجندُه الشامَ - بفضل الله - وحمى سواحلَها من غارات الروم ومحاولاتهم لاستردادها، بل كان له في كل سنة غزوة في بلاد الروم في زمن الصيف تسمى الصائفة.
ــــــــــــــ