ثم مضى ـ رضي الله عنه ـ فجعل يذكر الله ـ عز وجل ـ حتى دخل دار الإمارة في الكوفة، وقبلها حين قارب دخول الكوفة، اعتزله من جيشه قريبٌ من اثني عشر ألفًا، وهم الخوارج، ورفضوا أن يُساكِنُوه في بلده، ونزلوا بمكان يقال له حَرُوراء، وأنكروا عليه أشياءَ يزعمون أنه أخطأ فيها، فبعث إليهم عبد الله بن عباس، فناظرهم فرجَع أكثرُهم، وبقي بعضهم على الخروج، وظهر أمرُهم واشتدَّ، وأفسدوا في الأرض، وتعاهدوا فيما بينهم على الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، والقيام على الناس في ذلك.
وكانوا يُعلنون عن آرائهم ويَصيحون صيحتَهم: لا حُكْمَ إلا لله، فكان الإمام علي يقول:"كلمة حق أُرِيدَ بها باطلٌ". ثم جعلوا يعرِّضون به في كلامهم، ويُسْمِعُونه شتمًا.
ولما بعث عليّ أبا موسى ومَنْ معه من الجيش إلى دُومَة الجَنْدَل في التحكيم، اشتد أمرُ الخوارج، وبالغوا في النكير على عليٍّ وصرَّحوا بكفره، وفَشَا فيهم ذلك وجاهروا به الناسَ، وتعرضوا لعليٍّ أثناء خُطبة له، وأسمعوه السبّ والشتم والتعريض بآيات من القرآن، فصبر على أذاهم وقال:"إن لكم عندنا ثلاثا: لا نمنعُكم صلاةً في هذا المسجد، ولا نمنعكم نصيبَكم من هذا الفَيْءِ ما كانت أيديكم مع أيدينا، ولا نقاتلُكم حتى تقاتلونا".
ولم يكتفوا بذلك حتى اجتمعوا في منزل أحدهم لاختيار أمير لهم، ثم اجتمعوا بعد ذلك للترتيب لخروجهم من الكوفة ليعتزلوا في مكان آخر؛ فخرجوا إلى موضع يقال له: النهروان، فسار إليهم أمير المؤمنين، ودارتْ موقعةُ النَّهروان على رقاب الخوارج.
بعث أمير المؤمنين عليٌّ عبدَ الله بن عباس إلى الخوارج ليناظرَهم، فلما أتى معسكرَهم قام ابنُ الكوَّاء فخطب في الناس، فقال:"يا حَمَلَةَ القرآن، هذا عبد الله بن عباس، فمن لم يكنْ يعرفه فأنا أعَرِّفُه: ممَّنْ يُخاصِم في كتاب الله بما لا يَعرفه، هذا مِمَّنْ نزل فيه وفي قومِه: (..بَلْ هُمْ قَوْمٌ خَصِمُونَ ) [ الزخرف: 58] ، فرُدُّوه إلى صاحبه ولا تُواضِعُوه (أي لا تناقشوه ولا تدارسوه) كتابَ اللهِ."
فقال بعضُهم: واللهِ لَنُوَاضِعَنَّه، فإنْ جاء بحقٍّ نعرفُه لَنَتَّبِعَنَّه، وإن جاء بباطل لَنَكْبِتَنَّه بباطله، فلما كلمهم ابن عباس رجَعَ منهم أربعةُ آلافٍ كلُّهم تائبٌ، فيهم ابنُ الكوّاء، حتى أدخلهم عَلَى عَلِيٍّ الكوفةَ، فبعث عليٌّ إلى بقِيَّتهم، فقال: قد كان من أمرنا وأمر الناس ما قد رأيتم، فَقِفُوا حيث شئتم حتى تجتمع أمة محمد ـ صلى الله عليه وسلم ـ بيننا وبينكم ألا تسفكوا دما حراما، أو تقطعوا سبيلا، أو تظلموا ذمة، فإنكم إن فعلتم فقد نبذنا إليكم الحرب على سواء (..إن الله لا يحب الخائنين ) [ الأنفال: 58] . لكنهم خالفوا وخرجوا إلى النهروان.
اجتمع الخوارج ووقع اختيارُهم على عبد الله بن وهب الراسبي أميرا لهم، وكانوا يجتمعون كثيرا في بيوتهم لتصريف شئونهم وتحديدِ أهدافِهم والتخطيط لتنفيذِها، وفي أحدِ هذه الاجتماعات قال ابن وهب: اشخصوا بنا إلى بلدة نجتمع فيها لإنْفَاذ حكم الله، فإنكم أهل الحق، فقال أحدهم: نخرج إلى المدائن فننزلها، فنتملكها، ونُخرج منها سكانَها، ونبعث إلى إخواننا من أهل البصرة فيَقْدمون علينا.
فقال آخر: إنكم إنْ خرجْتم مجتمعين اتُّبِعتم ومُنعتم، ولكن اخرجُوا وحدانًا مستَخْفِين لئلا يفطَن بكم، فأما المدائن فإن بها مَنْ يمنعكم، ولكن سيروا حتى تنزلوا جسرَ النَّهْروان، وتُكاتِبُوا إخوانَكم من أهل البصرة، قالوا: هذا الرأيُ.
وكتب عبد الله بن وهب كتابا عاما إلى مَنْ هو على مذهبهم ومَسلكهم من أهل البصرة وغيرِها، وبعثُوا به إليهم ليوافُوهم، ويكونوا يدًا واحدة على الناس.
فلما عزموا على المسير تَعَبَّدُوا ليلتَهم ـ وكانت ليلة الجمعة ـ وساروا يوم السبت، ثم خرجُوا يتسلَّلون فرادى لئلا يعلم أحد بهم فيمنعهم.
وقد تَدَارَكَ جماعة من الناس بعضَ أولادهم وإخوانهم، فرَدُّوهم وأنَّبُوهم ووبَّخُوهم، وذهب الباقون إلى ذلك الموضع، واجتمع إليهم مَنْ كانوا كتبوا إليه من أهل البصرة وغيرها، واجتمع الجميع بالنَّهْروان وصارت لهم شوكة ومنعة، وهم جند مستقلون وفيهم شجاعة ونجدة، وعندهم أنهم متقربون بذلك إلى الله العلي العظيم، مع أنهم ارتكبوا الكثير من الباطل والفساد!
ظن الخوارج أنهم هم الأوصياء على الحق، وأنهم أهله دون الناس، وأعطوا أنفسهم أكثر مما تستحق.. ومع اجتهادهم في العبادة وقراءة القرآن، إلا أنهم لم يكن لهم فقه وعلم يضبط أعمالهم، فعاثُوا في الأرض فسادًا، وسَفَكُوا الدماءَ الحرام، وقطعوا السُّبُلَ، واستحلُّوا المحارمَ، وكان من جملة مَنْ قَتلوه عبد الله بن خبّاب صاحب رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ ذبحوه ذبْحَ النِّعاج، وقتلوا زوجته معه، فلما بلغ ذلك عليا أرسل إليهم رسولا، فلمّا قَدِمَ عليهم عاجلوه بالقتل أيضا دون إمهالٍ. فلما بلغ ذلك عليا عزم على المسير إليهم.وقد كان الفهمُ المقلوبُ للدين لدى هؤلاء الخوارج باديًا لكل ذي بصيرة؛ فمن فعالهم أنهم لما خرجوا إلى النهروان أصابوا مسلما ونصرانيا، فقَتَلُوا المسلمَ وأوصَوْا بالنصراني، وقالوا: احفظوا ذمةَ نبيِّكم، ولَقِيَهم عبدُ الله بن خباب بن الأرت، وفي عنقه مصحف ومعه امرأتُه وهي حامل، فقالوا: إن هذا الذي في عنُقِك لَيَأْمُرُنا بقتْلِك، قال: ما أحيا القرآنُ فأحْيُوه وما أماتَه فأمِيتُوه، فوَثَبَ رجلٌ منهم على رطبة فوضعها في فِيهِ فصاحوا به فلفظَهَا تورعًا، وعرض لرجل منهم خِنزير فضربه الرجل، فقتله، فقالوا: هذا فساد في الأرض، فقال عبد الله بن خباب: ما عَلَيَّ منكم بأسٌ، إني لمسلم، قالوا: حدِّثْنا عن أبيك، قال: سمعتُ أبي يقول: سمعت رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ يقول:"تكون فتنة يموت فيها قلب الرجل كما يموت بدنُه، يُمْسِي مؤمنًا ويصبح كافرًا، فكُنْ عبدَ الله المقتولَ ولا تكنْ القاتلَ".
قالوا: فما تقول في أبي بكر وعُمر؟ فأثْنى خيرا، فقالوا: ما تقول في عليٍّ قبل التحكيم، وفي عثمان ست سنين؟ فأثْنى خيرًا، فقالوا: فما تقول في الحكومة والتحكيم؟ قال: أقول إن عليا أعلمُ بكتاب الله منكم وأشدُّ تَوَقِّيا على دينه، وأنفذُ بصيرةً، قالوا: إنك لَسْتَ تتبع الهدى، إنك تتبع الرجالَ على أسمائها، ثم قَرَّبُوه إلى شاطئ النهر فذبحوه.
وساوموا رجلًا نصرانيًا في نخلة له، فقال: هي لكم، فقالوا: ما كنا نأخذُها إلا بثمن، فقال: ما أعجبَ هذا! تقتلون مثلَ عبد الله بن خباب، ولا تقبلون مني جني نخلة!! فلما بلغ أميرَ المؤمنين عنهم هذا الفساد عزم على قتالهم.
لما بلغ الناسَ صنيعُ الخوارج وإفسادُهم، خافوا إن هم ذهبوا إلى الشام واشتغلوا بقتال أهلِه أن يَخلُفَهم هؤلاء في أبنائهم وديارهم بهذا الصنع، وأشاروا على أمير المؤمنين بأن يبدأ بهؤلاء، ثم إذا فرغ منهم ذهب إلى أهل الشام بعد ذلك والناس آمنون من شرهم، فاجتمع الرأي على هذا، وفيه خير عظيم لهم ولأهل الشام.
ونادَى منادِي عليٍّ في الناس بالرحيل، فعبَر بهم أميرُ المؤمنين الجسرَ فصلى ركعتين عنده، ثم سلك دير عبد الرحمن، ثم دير أبي موسى، ثم شاطئ الفرات، ثم سلك ناحيةَ الأنْبار، وبعث بين يديْه قيسَ بنَ سعد، وأمَرَه أن يأتي المدائن، وأن يلقاه بنائبها سعد بن مسعود الثقفي في جيش المدائن؛ فاجتمع الناسُ هنالك على عليٍّ، وبعث إلى الخوارج أنْ أخرجوا إلينا قَتَلَةَ إخوانِنا منكم حتى نقتلهم، ثم نحن تارِكُوكم.. ثم لعل الله أن يُقبِل بقلوبكم، ويردَّكم إلى خيرٍ مما أنتم عليه. فبعثوا إلى عليٍّ يقولون: كلُّنا قَتَلَةُ إخوانِكم، ونحن مستحِلُّون دماءَهم ودماءَكم.
فتقدم إليهم قيس بن سعد بن عبادة، فوعظهم فيما ارتكبوه من الأمر العظيم، والخطب الجسيم، فلم ينفع، وكذلك أبو أيوب الأنصاري أنَّبَهم ووبَّخَهم فلم ينفع. وتقدم أمير المؤمنين عليّ بن أبي طالب فوعظهم وخوفهم، وأنذرهم وحذرهم وتوعدهم، لكن الخوارج أبَوْا إلا ما عزموا عليه، وامتنعوا عن تسليم مَنْ قتلَ عبدَ الله بن خباب، فعبأ لهم أمير المؤمنين جيشه ليقاتلَهم، فجعل على ميمنته حُجرَ بن عدي، وعلى ميسرته شَبَثَ بن ربعي، وعلى الخيل أبا أيوب الأنصاري، وعلى الرَّجَّالة أبا قتادة الأنصاري، وعلى أهل المدينة ـ وهم سبعمائة ـ قيسَ بن سعد، وتقدموا فاصطفّوا للقتال.
وعبّأت الخوارج، فجعلوا على ميمنتهم زيدَ بن حصين الطائي، وعلى الميسرة شُرَيْح بن أوفى العبسي، وعلى خيلهم حمزةَ بن سنان الأسديّ، وعلى الرَّجالة حُرْقُوص بن زهير السعدي، واصطفوا مواجهين أميرَ المؤمنين عليا وأصحابه.
سار الخوارجُ مَعَبَّئين إلى جيش عليٍّ، فقدّم أمير المؤمنين الخيل بين يديه دون الرجال، وصفّ الناس وراءَ الخيل صَفَّيْن، وقدّم منهم الرماة، وقال لأصحابه: كُفُّوا عنهم حتى يبدءوكم. وأقبلت الخوارجُ يقولون: لا حُكْمَ إلا لله، الرَّوَاحَ الرواحَ إلى الجنة! فحملوا على الخَيّالة الذين قدّمهم عليّ ففرّقوهم، حتى أخذت طائفةٌ من الخيالة إلى الميمنة، وأخرى إلى الميسرة، ونهض إليهم الرجال بالرماح والسيوف، فصار الخوارج صَرْعَى تحت سنابك الخيول، وقُتل أمراؤهم: عبد الله بن وهب، وحُرْقوص بن زهير، وشُرَيْح بن أوفى، وعبد الله بن شجرة. ولم يقتلْ من أصحاب عليّ إلا سبعة نفر، وجعل عليّ يمشي بين القتلى منهم ويقول: بؤسًا لكم! لقد ضرَّكم مَنْ غرَّكم! فقالوا: يا أمير المؤمنين، ومَنْ غَرَّهم؟ قال: الشيطانُ وأنفسٌ بالسوء أمارةٌ، غرّتْهم بالأمانيّ، وزيّنتْ لهم المعاصيَ، ونبّأتهم أنهم ظاهرون"."
وكانت هذه الوقعة في التاسع من صفر سنة ثمان وثلاثين من الهجرة.
ولم يكن هذا آخرَ قتالٍ بين أمير المؤمنين عليٍّ وبين الخوارج، فقد نَدِمَ الذين تخلَّفُوا عن إخوانهم من الخوارج في النهروان، وجدّدوا الحرب ضد الخليفة، فقاتلهم قتالا مريرا، وكان لذلك أثر كبير في عصيان أهل الكوفة لأمير المؤمنين علي.
لما بلغ الناسَ صنيعُ الخوارج وإفسادُهم، خافوا إن هم ذهبوا إلى الشام واشتغلوا بقتال أهلِه أن يَخلُفَهم هؤلاء في أبنائهم وديارهم بهذا الصنع، وأشاروا على أمير المؤمنين بأن يبدأ بهؤلاء، ثم إذا فرغ منهم ذهب إلى أهل الشام بعد ذلك والناس آمنون من شرهم، فاجتمع الرأي على هذا، وفيه خير عظيم لهم ولأهل الشام.
ونادَى منادِي عليٍّ في الناس بالرحيل، فعبَر بهم أميرُ المؤمنين الجسرَ فصلى ركعتين عنده، ثم سلك دير عبد الرحمن، ثم دير أبي موسى، ثم شاطئ الفرات، ثم سلك ناحيةَ الأنْبار، وبعث بين يديْه قيسَ بنَ سعد، وأمَرَه أن يأتي المدائن، وأن يلقاه بنائبها سعد بن مسعود الثقفي في جيش المدائن؛ فاجتمع الناسُ هنالك على عليٍّ، وبعث إلى الخوارج أنْ أخرجوا إلينا قَتَلَةَ إخوانِنا منكم حتى نقتلهم، ثم نحن تارِكُوكم.. ثم لعل الله أن يُقبِل بقلوبكم، ويردَّكم إلى خيرٍ مما أنتم عليه. فبعثوا إلى عليٍّ يقولون: كلُّنا قَتَلَةُ إخوانِكم، ونحن مستحِلُّون دماءَهم ودماءَكم.
فتقدم إليهم قيس بن سعد بن عبادة، فوعظهم فيما ارتكبوه من الأمر العظيم، والخطب الجسيم، فلم ينفع، وكذلك أبو أيوب الأنصاري أنَّبَهم ووبَّخَهم فلم ينفع. وتقدم أمير المؤمنين عليّ بن أبي طالب فوعظهم وخوفهم، وأنذرهم وحذرهم وتوعدهم، لكن الخوارج أبَوْا إلا ما عزموا عليه، وامتنعوا عن تسليم مَنْ قتلَ عبدَ الله بن خباب، فعبأ لهم أمير المؤمنين جيشه ليقاتلَهم، فجعل على ميمنته حُجرَ بن عدي، وعلى ميسرته شَبَثَ بن ربعي، وعلى الخيل أبا أيوب الأنصاري، وعلى الرَّجَّالة أبا قتادة الأنصاري، وعلى أهل المدينة ـ وهم سبعمائة ـ قيسَ بن سعد، وتقدموا فاصطفّوا للقتال.
وعبّأت الخوارج، فجعلوا على ميمنتهم زيدَ بن حصين الطائي، وعلى الميسرة شُرَيْح بن أوفى العبسي، وعلى خيلهم حمزةَ بن سنان الأسديّ، وعلى الرَّجالة حُرْقُوص بن زهير السعدي، واصطفوا مواجهين أميرَ المؤمنين عليا وأصحابه.
سار الخوارجُ مَعَبَّئين إلى جيش عليٍّ، فقدّم أمير المؤمنين الخيل بين يديه دون الرجال، وصفّ الناس وراءَ الخيل صَفَّيْن، وقدّم منهم الرماة، وقال لأصحابه: كُفُّوا عنهم حتى يبدءوكم. وأقبلت الخوارجُ يقولون: لا حُكْمَ إلا لله، الرَّوَاحَ الرواحَ إلى الجنة! فحملوا على الخَيّالة الذين قدّمهم عليّ ففرّقوهم، حتى أخذت طائفةٌ من الخيالة إلى الميمنة، وأخرى إلى الميسرة، ونهض إليهم الرجال بالرماح والسيوف، فصار الخوارج صَرْعَى تحت سنابك الخيول، وقُتل أمراؤهم: عبد الله بن وهب، وحُرْقوص بن زهير، وشُرَيْح بن أوفى، وعبد الله بن شجرة. ولم يقتلْ من أصحاب عليّ إلا سبعة نفر، وجعل عليّ يمشي بين القتلى منهم ويقول: بؤسًا لكم! لقد ضرَّكم مَنْ غرَّكم! فقالوا: يا أمير المؤمنين، ومَنْ غَرَّهم؟ قال: الشيطانُ وأنفسٌ بالسوء أمارةٌ، غرّتْهم بالأمانيّ، وزيّنتْ لهم المعاصيَ، ونبّأتهم أنهم ظاهرون"."
وكانت هذه الوقعة في التاسع من صفر سنة ثمان وثلاثين من الهجرة.
ولم يكن هذا آخرَ قتالٍ بين أمير المؤمنين عليٍّ وبين الخوارج، فقد نَدِمَ الذين تخلَّفُوا عن إخوانهم من الخوارج في النهروان، وجدّدوا الحرب ضد الخليفة، فقاتلهم قتالا مريرا، وكان لذلك أثر كبير في عصيان أهل الكوفة لأمير المؤمنين علي.
بعد موقعة النَّهْروان ندم من الخوارج مَنْ كانوا فارقوا أصحابَهم، ومَنْ لجأوا إلى راية أبي أيوب أثناء المعركة، ومن كان أقام بالكوفة منهم غيرَ مُنْحَازٍ، فتجمعوا آسِفِينَ على خذلانهم أصحابَهم، فقام فيهم أحد كبرائهم وخَطَبهم حاثّا لهم على قتال عليٍّ، فخرجوا إلى النُّخَيْلة، فأرسل إليهم عليّ عبدَ الله بن عباس ناصحا، فأبَوْا، فسار إليهم أمير المؤمنين، وطحنتهم جميعا الحربُ بالنُّخَيْلة، ولم يَنْجُ منهم إلا خمسة فقط.
لما انتهى أمير المؤمنين من أمر الخوارج في النهروان أمر أصحابه بالمسير إلى الشام لقتال معاوية ومن معه، فقالوا: يا أمير المؤمنين، نَفِدَتْ نِبالُنا وكَلّتْ سيوفُنا.. فانصرفْ بنا إلى مِصْرِنا (أي بلدنا) حتى نستعد بأحسن عُدّتنا، ولعل أمير المؤمنين يَزيد في عُدتنا عُدة مَنْ فارقنا وهلك منّا، فإنه أقوى لنا على عدوّنا.
فأقبل عليّ بالناس حتى نزلوا بالنُّخَيْلة فعسكر بها، وأمر الناس أن يلزموا مُعسكرَهم ويوطِّنوا أنفسهم على جهاد عدوهم، وأن يُقِلُّوا زيارة نسائهم وأبنائهم.
فأقاموا معه أياما متمسكين برأيه وقوله، ثم تسللوا حتى لم يَبْقَ منهم أحد إلا رءوس أصحابه، وأمسى المعسكر خاليا، فلما رأى ذلك دخل الكوفة، وانكسر عليه رأيه في المسير إلى عدوهم، ووبَّخهم وأنَّبَهم وتَوَعَّدهم، وتلا عليهم آياتٍ في الجهاد من سُوَرٍ متفرقة، وحضّهم على المسير إلى عدوهم، فأبَوْا ذلك وخالفوه ولم يوافقوه، واستمروا في بلادهم، وتفرقوا عنه هنا وهناك.
لقد ضعُفت عزائمُهم، فملوا من القتال، وإذا كانت هذه حال الجيش فلا عجب مما آل إليه حال أمير المؤمنين عليّ نفسِه، فإن سلطانه صار إلى نقصان يوما بعد يوم، وهو كل ساعة يحرّضهم بما آتاه الله من فصاحة اللسان وبلاغة القول، فما ازدادوا إلا فتورا، وقليل منهم الذي أخلص القول والعمل.
وكثرت عليه الخوارج بحجّتِهم التي تَأوّلوها، وهي أنه حكَّم الرجال في دين الله ولا حُكْمَ إلا لله.
بلغ عليا مقتلُ محمد بن أبي بكر، وما انتهى إليه الأمر بمصر، وسيطرة عمرو بن العاص عليها، وتسليم الناس على معاوية بالخلافة، فقام علي في الناس خطيبًا فحضّهم على الجهاد والصبر والمسير إلى أعدائهم من الشاميين والمصريين، فلم يُجيبوه، وانتهى أمر العراقيين إلى الخروج على عليٍّ ومخالفته فيما يأمرهم به وينهاهم عنه، حتى طمع أهل فارس ومنعوا الخراج.
وبعد أن تم لمعاوية أمرُ مصرَ سيَّرَ إلى البصرة عبدَ الله بن الحضرميّ، فاجتمع إليه جمعٌ كثير ممن يطلب بثأر سيدنا عثمان ومن نُكِبَ في الجمل، ولم يصل معاوية بهذه المحاولة إلى نتائج مرضية له، فبدأ يجهز جيشه ليفرقه في الأنحاء الخاضعة لعليٍّ، خاصة بعدما رأى من عصيان جيوش أهل العراق لعلي، وصار معاوية يرى أنه أوْلَى بأمر المسلمين من عليٍّ، فبعث في سنة تسع وثلاثين النعمانَ بن بشير في ألفَيْ فارس إلى عين التمر، فانهزموا ولم يحققوا شيئا، وبعث ستة آلاف إلى هِيت، فلم يجد بها أحدا، فسار إلى الأنبار فأغار عليها واحتمل ما كان بها من أموال ثم عاد، كما بعث عبدَ الله بن مسعدة الفزاري في ألف وسبعمائة فارس إلى تَيْمَاء، فانهزموا أمام جيش عليٍّ وفروا هربا إلى الشام، وصارت السرايا بعد ذلك تتردد بين الجبهتين وكل يريد كَسْبَ أنصار له رغبة في إغلاق الباب في وجه الصراعات الطاحنة، حتى سير معاوية إلى مكة أميرًا على الموسم، ولكن الناس اختاروا غيره أميرًا للحج، فأَمَّهم وقضيت المناسك في سلام.
كما سير معاوية إلى اليمن والحجاز بسر بن أرْطَأة، فاستطاع أن يُدخِل اليمن في طاعته، وأَرسَلَ عليٌّ سريةً ردَّتْه عن الحجاز، وأصبحت دولة معاوية تتسع بمرور الوقت، في الوقت الذي تضيق فيه دولة عليٍّ.
وانتهى الأمر بأنْ جَرَتْ بينهما مهادنة بعد مفاوضات طويلة على وضْع الحرب بينهما، وكفِّ السيف عن هذه الأمة حقنا لدماء المسلمين، على أن يكون لعليٍّ العراق وبلاد فارس، ولمعاوية الشام، فلا يدخل أحدهما على صاحبه فيما تحت يده بجيش ولا غارة، وتراضيا على ذلك.
ولكن العراق كله كانت تضطرم فيه نار الخلاف والشقاق؛ ففريق هم شيعة عليّ، وآخرون خوارجُ لا يريدون عليا ولا معاوية، وفريق منافق يُظهر طاعة عليّ ويُخفى عداءه، فمَلَّهم أميرُ المؤمنين وسئِم إمارتَه عليهم، حتى خاطبهم بذلك في كثير من خطبه، وتمنّى أن يستريح منهم بلقاء الله تعالى، فلقي اللهَ شهيدا بأيدي الخوارج البغاة.
ازداد معاوية بن أبي سفيان بعد التحكيم قوة، واختلف الناس بالعراق على عليٍّ، ولم يدخل معاوية بعدَ صِفّين في حروب طاحنة، ولم يمر بالظروف الحرجة التي مر بها جيش عليٍّ في صراعه ضد الخوارج، فلم يعد له همّ إلا مصر التي كان يخشاها وأهلَها لقربهم منه، فأراد أن يضمها إليه كي يأمن خطرها عليه، فأرسل إلى مَنْ لم يبايعْ عليا ولم يأتمر بأمر نُوّابِه يخبرهم بقدوم الجيش عليهم سريعا، وكان واليها من قِبَلِ عليٍّ حينئذٍ محمد بن أبي بكر، وكان يواجه اضطرابات داخلية بسبب معاوية بن خديج ومسلمة بن مخلد ومَن اعتزلوا معهما بخربتا من العثمانية، إذْ كان أمرهم يزداد قوة يوما بعد يوم، خاصة حين انصرف عليٌّ من صِفّين وكان ما كان مِنْ أمْرِ التحكيم، ثم حين نكل أهل العراق عن قتال أهل الشام، فخرج معاوية بن خديج ومن معه مطالبين بدم عثمان، فلما علم أمير المؤمنين عليٌّ بذلك رأى أن محمدا لا تمكنه المقاومة فولّى على مصرَ الأشْتَرَ النَّخَعيّ، فتُوُفِّي في الطريق، وشق على محمد بن أبي بكر عزلُه، فأرسل إليه عليٌّ يثبته عليها، ويأمره بالصبر على أعدائه والاستعانة بالله.
فلما كانت سنة ثمان وثلاثين من الهجرة أرسل معاوية عمرَو بن العاص في ستةِ آلافٍ، فسار بهم حتى نزل أدنى مصر، فجاءه مَنْ خالفَ عليا وطالب بدم عثمان في عشرة آلاف، فكتب محمد إلى عليٍّ بالخبر واستمدَّه، فأرسل إليه أن يضم شِيعتَه إليه، ويأمره بالصبر ويَعِدُه بإنفاذ الجيوش إليه، فقام محمد في الناس وندبهم إلى الخروج معه، فقام معه قليل، لم يصمدوا أمام جيوش الشام وانْهزموا، ودخل عمرو بن العاص الفسطاطَ، وهرب محمد وخرج معاوية بن خديج يطلبه حتى التقى به فقتله.
وبقتل محمد بن أبي بكر اشتد أمر معاوية وصارت مصرُ في طاعته، وبايع له أهلُها، أما المدد الذي أرسله أمير المؤمنين لمساعدة محمد فإنه بَلَغَهُم وهم في الطريق قَتْلُهُ فرجعوا إلى عليٍّ بالخبر!
اختلف الناس على عليٍّ، فطمع أهل فارس وأهل كَرْمان في كَسْر الخراج، فغلب أهلُ كلِّ ناحية على ما يليهم، وأخرجُوا عُمَّالَهم، وطردُوا سهلَ بن حنيف عاملَ عليٍّ هناك، فقال ابن عباس لعليٍّ: أكفيك فارسَ. فقَدِم ابنُ عباس البصرة، ووجه زياد ابن أبيه إلى فارس في أربعة آلاف جندي، فدوّخ تلك البلاد، ولم يزل حتى عادوا بلا قتال إلى ما كانوا عليه من الطاعة والاستقامة، فأدَّوا الخراج وما كان عليهم من حقوق، فسكن الناس إلى ذلك بعدله وعلمه وصرامتِه.
وأتى زياد من قبل ابن عباس إصْطَخْر فنزلها وحصّن قلعة بها ما بين بيضاء إصطخر وإصطخر، فكانت تسمَّى قلعة زياد.
وهكذا أعاد ابن عباس وزياد الأمنَ وضبَطَا المنطقةَ، وأرْجعَاها طواعية إلى حكم أمير المؤمنين عليّ ـ رضي الله عنه.
ــــــــــــــ