ووجد عثمان الحاجة ماسَّة لإشراك القبائل البدوية في تثبيت الفتوح التي أتمها السابقون الصادقون، فهرولوا إليها وهمهم الغنيمة والمال والرقيق. ولئن كان في تاريخ الفتوح عيب أو ملمَزٌ فإنه يأتي من هؤلاء، ولا يأتي من السابقين الأولين الذين ذهبوا إلى الفتوح نصرةً للدين وتأييدا له، لا سعيا وراء غنيمة، أولئك الذين قتل منهم في المواقع والحروب عدد كبير من سادتهم وفضلائهم، ولم يكن هناك بعد غنائم يطمعون فيها؛ بل عدو هائل القوة يُخْشَى فتكه وقوته.
وبدأ دور قبائل الأعراب ينمو، وتشعر بقوتها وقيمتها في المجتمع، وأصبحت كل قبيلة ترى أن دورها لا يقل عن دور قريش في الفتوح، وأخذوا يبحثون لأنفسهم عن دور على مسرح الأحداث، وفي صنع القرار، فظهرت العصبية القبلية من جديد، وأخذت نقمتهم على قريش ومكانتها تزداد يوما بعد يوم.
لقد حرك تفضيل أهل السابقة من المهاجرين والأنصار في العطاء كما فعل عمر، واختصاص قريش بالإمارة كما في عهد عثمان حرك ذلك كوامنَ الحقد والحسد في قلوب ضعاف الإيمان، وجعل القبائل تَغَصُّ من قريش ومكانتها، وتشكو من نفوذها، فالقبائل بنزعتها البدوية التى تكره الحكم المركزي لم ترض يوما عن سيادة قريش، ندرك ذلك في فلتات الألسن وخفايا الأنفس، فها هو رجل من عبد القيس يقول للزبير بن العوام في البصرة:"يا معاشر المهاجرين، أنتم أول من أجاب رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فكان لكم بذلك فضل، ثم دخل الناس في الإسلام كما دخلتم، فلما توفي رسول الله - صلى الله عليه وسلم - بايعتم رجلا منكم، والله ما استأمرتمونا في شيء من ذلك، فرضينا واتبعناكم، فجعل الله - عز وجل - في إمارته بركة، ثم مات رضي الله عنه - واستخلف عليكم رجلا منكم، فلم تشاورونا في ذلك فرضينا وسلّمنا، فلما توفي الأمير جعل الأمر إلى ستة نفر، فاخترتم عثمان، وبايعتموه من غير مشورة منا.."
يعني الدخولُ في الإسلام أن يلقيَ الداخلُ على عتبة بابه كلَّ ميراث الجاهلية الجائر، ولا يأخذَ من تجربته السابقة إلا ما يتناسق مع الدين ويتناسب مع الفطرة، وقد حدث هذا مع الصحابة تماما، وكان النبي - صلى الله عليه وسلم - يقاوم روح الجاهلية بقوة وشدة، ويرسّخ في نفوس أتباعه كراهية هذه الروح ومقاومتها.
ومع كل هذا فقد دخل في الإسلام أقوام لم يتخلصوا من الميراث الجاهلي، فانبنت تصرفاتهم في الإسلام كما في الجاهلية - على العصبية العمياء والسعي وراء الفتنة وإثارة الخلافات.. فهذا يتعصب لقومه وذاك لموطنه، وذلك يمتدح بلاء قومه وأهله في الفتوح ويلوم الآخرين لأنهم لم يحققوا مثل إنجازهم، وكأنهم صنعوا النصر وحدهم!
إن الذي يسير في الحياة بهذه الروح قد يعمى عن كثير من الحق، وقد لا يكون سيره في طريقٍ ما إلا اندفاعا وراء تعصبه، ولن يتأخر عن التضحية بأمن الأمة كلها وسلامتها إذا وجد سبيلا لمناصرة من يتعصّب له. وقد كان هذا هو شأن من تعصبوا للزبير وطلحة في حياة عثمان رضي الله عنهم فحلت عصبية القبائل وأهل الأمصار لهؤلاء النفر من الصحابة محل عصبيتهم لأقوامهم؛ إذ رجوا أن يجدوا نفعا من وراء ذلك.
وفي الجهة الأخرى كانت القوى القديمة في البلاد المفتوحة قد تحطمت أمام جيوش الإسلام، ومع أنهم ظلوا مندهشين مما لحقهم من الهزيمة، إذ أشبه ما جرى لهم حلما سريعا في ليلة صائفة!! مع ذلك فإن المستفيدين من سلطة الروم والفرس الزائلة كانوا يتمنون لو سنحت لهم فرصة للثأر، لذلك استغلوا وفاة عمر بن الخطاب رضي الله عنه وقاموا بمحاولات حربية لاسترداد بعض ما سُلب منهم، لكنهم فشلوا تماما، وكان متوقَّعا إزاء ذلك أن يتحولوا إلى المؤامرات والدسائس، التي كان لها دور واضح في بعض الأحداث التي تلت عصر الراشدين.
أفضل مناخ تعمل فيه الدسائس والمؤامرات هو وجود الشقاق والخلاف في الجبهة الداخلية للمجتمع، ووجود طوائف في الأمة تفتقد الحس نحو اتقاء الفتن، وتندفع وراء الفعل دون تقدير للعاقبة..
وقد قيل إن نُذُر الخلاف التي بدأت تظهر على سطح المجتمع الإسلامي في أيام عثمان بن عفان قد دفعت بيهودي يمني من أهل صنعاء، اسمه عبد الله بن سبأ وكنيته ابن السوداء، إلى أن يدعي الإسلام، ويهاجر من موطنه إلى المدينة بقصد الكيد للمسلمين وضرب بعضهم ببعض.
قال الرواة: إن ابن سبأ أخذ يتنقل بين الأمصار يبث سمومه، ويستغل الخلاف الموجود في صفوف المجتمع، وقاد محاولات للتشويه والطعن في الخليفة وولاته. وقيل: إنه كسب أثناء ذلك بعض الأنصار، كما أثار البعض ضد أمير المؤمنين عثمان وولاته.
وهناك شك كبير في قدرة شخص واحد على تدبير كل هذه المكائد، وطبيعة الأمور تقطع بوجود أياد عديدة شاركت في صنع الدسائس والمؤامرات، ولعل ابن سبأ على رأسها0
كان نظام حكم الراشدين فريدا في عصره، بل نموذجا رائعا للعلاقة الصحيحة بين السلطة والأمة، فهو حكم يقوم على الشورى والمساواة والعدل، في حين كان الحكم الشائع في ذلك العصر حكم استبداد وسيطرة لفئة على فئة.. حتى شَكْلُ الاقتصاد في حكم الراشدين كان فريدا ومتميزا، ونموذجا طيبا منضبطا لدورة المال في الدولة، فهو اقتصاد مبنيٌّ على توزيع مال الأمة على أفرادها جميعا، سواء منهم المقاتل في جبهات القتال، والمقيم الذي لا يستطيع القتال لسبب من الأسباب. ولم يكن ذلك الاقتصاد مألوفا آنذاك..
إنه حكم الراشدين في زهده وتواضعه وورعه، وفي تحمله الأمانةَ وحرصه على مصالح الرعية، فليس بين يدي الخليفة جيش أو شرطة أو جهازُ أمنٍ خاص للدفاع عنه، ولا يسخّر إمكانات الدولة لحماية عرشه. والخليفة لا يأخذ بالظن، ولا يقتل بالشبهة، ولا يتتبع عورات الناس، ولا يكشف سترهم، فهو يحسن الظن بهم، ويعاملهم على حسب ما يظهرونه، ويكِل إلى الله بواطنَهم وما يكتمونه.
مبادئ سامية، وقيم رفيعة، وانتصارات رائعة، واتساع عظيم وسريع للدولة لم يكن العالم في ذلك الوقت يتخيله، فإذا به واقعا يُعاش، والخليفة التَّقِي في المدينة ما زال يسيّر دفة السفينة، دون أن تتجبر نفسه بما حققه الله على يد جنوده من انتصارات، ودون أن يجعل هذه الإنجازات مجدا شخصيا يدوس به رقاب العباد...
ــــــــــــــ