توفيق علي
ليس الأمر في فقه التأمير منوطًا فقط بالقدرات العملية للداعي العامل في المؤسسات الدعوية، وإنما للقدرات النفسية والأخلاقية كذلك، فقد يكون هذا الداعي من حيث قدراته العملية ممتازًا ومناسبًا للعمل، لكن من حيث قدراته النفسية غير مناسب، وهذا لا يقدح فيه بأي حال من الأحوال.
يقول الشيباني في شرح السير الكبير: كان عمر بن الخطاب يكتب إلى عمّاله: لا تستعملوا البراء بن مالك على جيش من جيوش المسلمين؛ فإنه هلكة من الهُلك يقدم بهم، أي أنه شجاع مقدام لا يهاب أبدًا، فقد يهلك الجيش.
والبراء بن مالك قال فيه النبي:"رب أشعث أغبر ذي طمرين لا يؤبه به لو أقسم على الله لأبره، منهم البراء بن مالك"، رواه مسلم.
فبرغم أنه مستجاب الدعاء إلا أنه لا يصلح لقيادة الجيش لفرط شجاعته رضوان الله عليه.
وكذا الأمر في المؤسسة الدعوية، قد يكون الأخ على علم شرعي، لكنه غضوب لا يصلح للعمل التربوي وتربية الجدد من الدعاة.
وقد يكون الأخ ماهرًا في إلقاء الدروس إلا أنه لا يصلح لترتيب مؤتمر لأنه لا يبالي بالوقت والدقة فيه.. ونحو ذلك، وهذه الأمور يعرفها القادة في العاملين معهم.
مظاهر الحرص على الإمارة:
1 العُجب بالنفس، وكثرة مدحها، والحرص على وصفها بالألقاب المفخمة كالشيخ، والأستاذ، والداعية، وطالب العلم، ونحوها، وإظهار محاسنها من علم وخُلُق وغيره.
2 بيان عيوب الآخرين وخاصة الأقران والغيرة منهم عند مدحهم ومحاولة التقليل من شأنهم.
3 الشكوى من عدم نيله لمنصب ما، وكثرة سؤاله عن الأسس والمعايير لتقلّد بعض المناصب.
4 الحرص على تقلّد الأمور التي فيها تصدّر وبروز؛ كالإمامة والخطابة والتدريس والتأليف والقضاء. وهي من فروض الكفاية التي لا بد لها ممن يقوم بها، مع مراعاة أحوال القلب، والتجرد من حظوظ النفس؛ كما هو حال السلف.
5 عدم المشاركة بجدية عندما يكون مرؤوسًا، والتهرب من التكاليف التي لا بروز له فيها.
6 كثرة النقد بسبب وبغير سبب، ومحاولة التقليل من أهمية المبادرات والمشاريع الصادرة من غيره والعمل على إخفاقها.
7 الإصرار على رأيه، وعدم التنازل عنه، وإن ظهرت له أدلة بطلانه.
8 القرب من السلاطين والولاة ومن بيده القرار في تقليد المناصب، وكثرة الدخول عليهم، وهو مظنة قوية للفتنة في الدين.
العلاج:
1 تكثيف التربية الإيمانية؛ القائمة على الإخلاص والتجرد لله تبارك وتعالى والعمل للآخرة، والزهد في الدنيا.
2 التربية على الطاعة وهضم النفس منذ الصغر، والرضا بالموقع الذي يعمل فيه، وأداء واجبه أيًا كان نوعه، كما صوّر النبي تلك الحال في قوله:"طوبى لعبد آخذٍ بعنان فرسه في سبيل الله، أشعثٍ رأسه، مغبرةٍ قدماه، إن كان في الحراسة كان في الحراسة، وإن كان في الساقة كان في الساقة، إن استأذن لم يؤذن له، وإن شفع لم يُشَفّع".
3 التزام الضوابط الشرعية في المدح، وتجنب مدح أحد الأقران أمام قرينه مطلقًا.
4 توضيح الأسس الشرعية لاختيار الأمير، وأنه لا يجوز طلب الإمارة، ولا الحرص عليها، وأن من طلبها لا يُعطاها، وإن وُلِّيها لم يُعَن عليها.
5 المصارحة والمكاشفة لمن تبدو عليه علامات الحرص، مع إحسان الظن به، فقد يكون متميزًا أو لديه مهارات فطرية، ومن ثَمّ النصيحة الفردية، فقد نصح النبي { أباذر } في هذا الأمر خاصة.
6 تبيان الآثار المفسدة لنفس العالم والداعية من جرّاء حرصه علي الإمارة.
7 توضيح تبعاتها في الدنيا والآخرة. ومما ورد في ذلك قوله:"ما من عبد يسترعيه الله رعية فلم يحطها بنصحه لم يجد رائحة الجنة". وقوله:"ما من أمير عشيرة إلا يؤتى به يوم القيامة مغلولًا، لا يفكه إلا العدل، أو يوبقه الجور".
8 الاعتبار بحال السلف الصالح في تواضعهم لله تعالى وكراهيتهم الشهرة والتصدّر، وكل ما يؤدي إليها، ومحاولة عزل أنفسهم من بعض المواقع كما حصل من أبي بكر، وعبدالرحمن بن عوف، والحسن، وعمر ابن عبدالعزيز رضي الله عنهم والأمثلة كثيرة.. تركوها لله، لانشغالهم بمرضاته، وتوحّد همّهم وقصدهم، فتكفّل الله لهم بخير الدارين، فعوّضهم الله بشرف التقوى، وهيبة الخلق، قال عز وجل: إن الذين آمنوا وعملوا الصالحات سيجعل لهم الرحمن ودا (96) (مريم) ، وقال رسول الله:"وما تواضع أحد لله إلا رفعه". وقال:"إن الله يحب العبد التقي الغني الخفي".
ولا يمكن بحال تحصيل هذه المنزلة لمن كان في قلبه حب المكانة في قلوب الخلق في الدنيا؛ لأن هذا من أعظم الصوارف عن الله تعالى، كتب وهب بن منبه إلى مكحول:"أما بعد: فإنك أصبت بظاهر علمك عند الناس شرفًا ومنزلة، فاطلب بباطن علمك عند الله منزلة وزلفى، واعلم أن إحدى المنزلتين تمنع من الأخرى".
والمراد بالعلم الباطن: المودع في القلوب من معرفة الله وخشيته ومحبته ومراقبته، والتوكل عليه والرضا بقضائه والإقبال عليه دون سواه.. فمن أغل نفسه بالمحافظة على ما حصل له من منزلة عند الخلق كان ذلك حظه من الدنيا، وانقطع به عن الله.
بين كراهية الإمارة ووجوبها
لا ينبغي أن يفهم من هذا الموضوع إرادة قتل الطموح، وتفضيل دنو الهمة والقعود والخمول والعجز والكسل والتهرب من المسؤولية، وترك العمل، والتخاذل عن الواجبات، وفروض الكفايات، خاصة إذا تعينت على الأكفاء، وترك اغتنام الفرص النافعة في الدعوة إلى الله عز وجل.
وقد جعل ابن القيم رحمه الله تعالى الفرق بين الأمرين كالفرق بين تعظيم أمر الله وتعظيم النفس.
فالناصح لله المعظم لله يحب نصرة دينه، فلا يضره تمنيه أن يكون ذلك بسببه وأن يكون قدوة في الخير.
أما طالب الرياسة فهو ساعٍ في حظوظ دنياه، ولذا ترتب على قصده مفاسد لا حصر لها.
والمقصود أن الداعية المخلص يكره الإمارة بطبعه؛ لإخلاصه وبعده عن الرياء، ولكنه في نفس الوقت هو صاحب المبادرة الخيرة، وهو فارس الميدان إذا تعين عليه التصدر؛ وقد حكى الله من دعاء المؤمنين قولهم: واجعلنا للمتقين إماما 74 (الفرقان) أي: أئمة هدى يقتدى بأفعالهم، وهذا لشدة محبتهم لله، وتعظيمهم لأمره، ونصحهم له، ليكون الدين كله لله، وليكون العباد ممتثلين لأمره.
وصايا عملية:
اعمل ولا تتوقف، واجعل حب الإمارة في يدك لا في قلبك.. فإن كنت الأمير العادل عملت وبذلت وقمت بحق مكانك، وإلا فأنت الجندي النشيط الذي لا يقصر ولا يتوانى.
إن الإمارة يجب أن تقوم على الكفاءة، وأن تكون على تخصص، وليست هي بالعموم، حتى لا يتولد لدينا"السوبر قائد"الذي يعرف كل شيء ويجيد كل شيء! ويتأمر على كل شيء!!
إن العمل الدعوي إن قبل طلب الإمارة من أحد الدعاة فإنما يربط ذلك بالإنجاز وتحقيق الأهداف ليس غير، فإن عجز الداعي عن ذلك فعليه أن يعتذر ولا يكابر، وكما تقدم لينجز فعليه أن يتأخر لينجز غيره.. ولا يتشبث!!
إن معايير التأمير والقيادة في العمل الإسلامي يجب أن تخرج من إطار النظر إليها أنها أعمال تطوعية، لننظر إليها كمؤسسة لها ضوابطها، ولها معاييرها، ولها شروطها؛ فمن أنجز فهو الأمير بحق، ومن عجز فيبقى ود الإخاء، ولا محاباة على مصلحة المؤسسة.
ادع الله أن يُعينك على دعوتك، واطلب التوفيق منه، ودع عنك كلام الناس، فقط اطلب العون من الله، فإنه محاسبك حتى على خلجات نفسك.
ــــــــــــــ