فهرس الكتاب

الصفحة 21 من 289

لقد مرت الأعوام الستة الأولى من خلافة عثمان على خير وجه، حتى حقق المسلمون فيها الكثير من الإنجازات الرائعة، مثل: تثبيت الفتوحات في البلاد التي انتفضت عقب وفاة الفاروق عمر، وفتح بلاد جديدة، وبناء الأسطول الإسلامي..

أما ما بقى بعد ذلك من سنوات الخلافة الراشدة، فقد تحولت الريح الباردة الهادئة فيها من اعتراضات عادية إلى تمرد على الخليفة وولاته إلى عاصفة أخذت تتجمع شيئا فشيئا، وينادى بعضها بعضا حتى تحولت إلى إعصار كُتب على عثمان الخليفة الشيخ أن يواجهه وحده، في محنة هبطت بها شراسة المتآمرين إلى السفح، وارتفع بها تسامح الخليفة الشهيد وحكمته إلى القمة..!!

لقد غلب الشابُّ الأمويُّ عثمان بن عفان عصبيةَ بني أمية مبكرا، وأسرع بالاستجابة لصوت الحق الذي نادى به الرسول الهاشمي محمد بن عبد الله صلى الله عليه وسلم فما ترك عثمان الحقَّ لأن الذي يدعوه إليه رجل من بني هاشم، الذين ينافسون عائلته على الشرف والرئاسة في مكة.

وظل عثمان طوال حياته في كتيبة الحق، ينشر معهم الخير، ويشيع الفضيلة، ويقاوم الوثنية والعصبية الجاهلية. وكم كان قريبا من النبي القائد صلى الله عليه وسلم وموضع ثقته طوال حياته، مجاهدا معه، وملاصقا له. وبعد وفاة الرسول - صلى الله عليه وسلم بقي عثمان قريبا من صاحبيه أبي بكر وعمر مساعدا ومستشارا أمينا.

وبعد وفاتهما جاء الدور على عثمان ليتولى بنفسه إمارة المؤمنين، متحملا هذه المسئولية الصعبة بعد أن اتسعت الدولة الإسلامية، وانفردت في العالم كأقوى قوة بشرية في هذا العصر.

لقد تولى الخليفة الراشد الثالث الأمرَ، وحَمَلَ الأمانة، وأعطى عزمه الرشيد لمسئولياته الجسام، ومنهجُه في ذلك الرفق واللين، والعمل على راحة الرعية، وإيثار الآخرة الباقية على الدنيا الفانية.

وكان حياء عثمان الشهير مصحوبا بميل واضح نحو الرفق، وكراهية التشديد على الناس، وإن كان هذا مفيدا للنفوس السوية المستقيمة، فإن النفوس النكدة التي لم تُهذَّب رغباتها وتطلعاتها بالدين، ولم تؤدَّب سلوكياتها على ضوء الشريعة هذه النفوس تعده ضعفا وقلة خبرة..

لقد مرت الأعوام الستة الأولى من خلافة عثمان على خير وجه، حتى حقق المسلمون فيها الكثير من الإنجازات الرائعة، مثل: تثبيت الفتوحات في البلاد التي انتفضت عقب وفاة الفاروق عمر، وفتح بلاد جديدة، وبناء الأسطول الإسلامي..

أما ما بقى بعد ذلك من سنوات الخلافة الراشدة، فقد تحولت الريح الباردة الهادئة فيها من اعتراضات عادية إلى تمرد على الخليفة وولاته إلى عاصفة أخذت تتجمع شيئا فشيئا، وينادى بعضها بعضا حتى تحولت إلى إعصار كُتب على عثمان الخليفة الشيخ أن يواجهه وحده، في محنة هبطت بها شراسة المتآمرين إلى السفح، وارتفع بها تسامح الخليفة الشهيد وحكمته إلى القمة..!!

إنما بلغت دولة الإسلام في خلافة أبى بكر وعمر الذروة في العزة، وكانت مضرب الأمثال في الفلاح الإنساني وسعادة المجتمع؛ لأن أبا بكر وعمر كانا يكتشفان بنور الله ـ عز وجل ـ خبايا السجايا في أهلها، وعناصر الرجولة في الرجال، فيوليانهم القيادة، ويبوئانهم مقاعد السيادة، ويأتمنانهم على أمة محمد ـ صلى الله عليه وسلم ـ وهما يعلمان أنهما مسئولان عن ذلك بين يدى الله ـ عز وجل.

وقد سار على هذا النهج الخليفة عثمان ـ رضي الله عنه ـ فلم يولّ من أقاربه إلا من ولاه الخليفتان من قبله، أو ثبتت كفايته وتفوقه، فحققوا إنجازات ضخمة، ورفعوا راية الإسلام بما فتحوه من بلاد جديدة، وما قاموا به من نشر الأمن والعدل وتعاليم الإسلام في هذه البلاد المفتوحة، فعم الرخاء في جميع بلاد الإسلام، ونَعِمَ الناس بالخيرات والثراء الذي لم يشهدوه من قبل.

ولما جاء علي بن أبي طالب إلى الخلافة ولَّى هو أيضا من يثق فيه من أقاربه، ممن يراهم أهلا لتسيير الأمور فيما ولاهم عليه من البلاد.

وقد كانت ولاية الكوفة وولاية البصرة وولاية مصر صاحبة النصيب البارز في الاعتراض على أمير المؤمنين، أما ولاية الشام فكانت سياسة معاوية بن أبي سفيان فيها من الحكمة بمكان، حتى لم يرتفع منها صوت يعترض على عثمان ـ رضي الله عنه.

وتعدى الاعتراض أمراء الولايات ليشمل آخرين ممن ولاهم عثمان مسئوليات أخرى في الدولة الإسلامية، كمروان بن الحكم الذي ولاه عثمان الديوان.

كان عمر بن الخطاب يعرف بنظرته الملهَمة حب عثمان لأقاربه، كما عرف ذلك في علي، وكان يخشى إن تولى أحدهما خلافة المسلمين أن يصل به بره بأهله إلى تفضيلهم على من سواهم وتقريبهم عمن عداهم، وحملهم على رقاب الناس، فحذرهما ذلك عند وفاته وفي وصيته لهما.

غير أن عثمان بعد مضي فترة من خلافته، وعليا ـ رضي الله عنه ـ منذ بداية استخلافه ـ ولّيا أقاربهما، فولّى علي في خلافته ابن عمه قثم بن العباس على مكة، وعبيد الله بن العباس على اليمن، وعبد الله بن عباس أخاهما على البصرة، وولَّى ربيبه وابن زوجته محمد بن أبي بكر على مصر، وولَّى صهره وابن أخته جعدة بن هبيرة على خراسان، كما كان على عسكره ابنه محمد ابن الحنفية، وكان علي نفسه بالكوفة، وقد ناب عنه في الحج سنة ست وثلاثين عبد الله بن عباس، وسنة سبع وثلاثين قثم بن عباس، وسنة ثمان وثلاثين عبيد الله بن عباس، وهؤلاء أكثر ممن استعملهم عثمان وهو يلي بلاد الإسلام كلها، مع أن عليا لما رفض معاوية وأهلُ الشام بيعته لم يكن يَحْكم سوى العراق والمشرق والحجاز، ولم يدم له حكم مصر ولا استقام له حكم الحجاز.

كانت الكوفة من أعظم الأمصار شأنا في عصر الراشدين، اختطها سعد بن أبي وقاص لمائة ألف مقاتل، وكانت هذه المدينة أكثر الأمصار اعتراضا وشكاية في ولاتهم، فكانت أول مصر نزغ الشيطان بينهم في الإسلام. فقد أتعبت هذه المدينة من قبل عمر بن الخطاب، فولى عليها ستة ولاة في فترة قصيرة ـ على الرغم من دقة عمر في اختياره وشدته في متابعة عماله ـ وكان أول وال عليها لعثمان: سعد بن أبي وقاص، لوصية عمر بذلك، فظل عليها سنة وأشهرا، ثم وقع بينه وبين عبد الله بن مسعود عامل الخراج خلاف، فعزل عثمانُ سعدًا، وولى مكانه الوليد بن عقبة سنة ست وعشرين، فظل أميرا عليها خمس سنين وليس على داره باب، وأدخل على أهل الكوفة خيرا كثيرا، فكان أحب الناس إليهم وأرفقهم بهم، حتى دبر له بعض المنحرفين منهم مؤامرة شهدوا فيها شهادة زور بأنه شرب الخمر، فأمر عثمان بجلده وعزله وولَّى مكانه سعيد بن العاص سنة ثلاثين. وحاول سعيد أن يقوم بعدة إصلاحات اجتماعية، نتج عنها انتشار الإشاعات على عثمان وولاته، ثم أحدثوا بعد ذلك أعمال شغب وتمرد انتهت بمنعهم سعيدا من دخول الكوفة، وعزلوه وولوا أبا موسى الأشعري مكانه، ثم خرج منهم بعد ذلك جماعة من المنحرفين على عثمان، فكان التغيير في الولاة استجابة سريعة لرغبات الناس وظروف إقليمهم، ولم يستعمل عثمان حقه في التغيير للولاة مُبادِئًا.

من السمات الواضحة في حكم الراشدين حرصهم على مصلحة الأمة حتى آخر أنفاسهم في الحياة، ولا يشغلهم عن ذلك ثقل الموت وشدته، فأبو بكر يوصي في لحظاته الأخيرة بدعم الجيوش المجاهدة على جبهة العراق، وعمر يوصي وهو يودع الدنيا باختيار خليفة من بين من بقي من كبار أصحاب محمد صلى الله عليه وسلم وبأن يتولى سعد بن أبي وقاص أمر الكوفة؛ لأنه حين عزله من قبل لم يعزله عن عجز أو خيانة، وذكر هذا في وصيته ليدفع عنه أي تهمة.

فاستجاب عثمان لوصية عمر، وسارع في تنفيذها، فكان أول عامل استعمله وبعث به إلى الكوفة، وعزل المغيرة بن شعبة، وجعل مع سعدٍ عبد الله بن مسعود على الخراج. وقد حدث خلاف بين سعد وابن مسعود حول دَيْنٍ لبيت المال كان على سعد، فلما رُفع إلى عثمان عزل سعدا وولى على الكوفة الوليدَ بن عقبة.

عزل عثمان سعدَ بن أبي وقاص عن الكوفة، لا شكًّا في أمانته أو كفايته، ولكنه استكثر أن يتنازع اثنان من أصحاب محمد صلى الله عليه وسلم في بلد كالكوفة هما أميراه، وأهل البلد يفتحون إلى الجدال والخصام كل باب، ولا يهمهم أن تثور الفتن والنزاعات.

وأمّر عثمانُ الوليدَ بن عقبة مكان سعد، فقدم الوليد الكوفة سنة ست وعشرين من الهجرة، فأحسن معاملة أهلها، حتى أحبه الناس، وكانت سيرته فيهم أحسنَ سيرةٍ طيلة سنوات إمارته عليهم، ولم يتخذ لداره بابا حتى خرج من الكوفة، فما كان يحول بينه وبين الناس أحد، وكان يدخل عليه من شاء في ليل أو نهار.

ولأن بعض النفوس لا تهدأ إلا إذا اضطربت الأمور من حولها، فقد قام بعض الأشرار بالانتقام من الوليد لأنه أقام الحد على أبنائهم، وذلك بتدبير مؤامرة لعزله، فشهدوا عليه زورا بشرب الخمر، ونجحت مؤامرتهم، فعُزل الأمير الصالح عن الكوفة بعد جلده، وتولى مكانه سعيد بن العاص.

سعيد بن العاص اسم جديد يظهر في سماء الكوفة بعد أن عُزل الوليد بن عقبة.. اسم جديد يتولى إمارة المدينة المشاكِسة التي دعا عليها عمر بن الخطاب وسعد بن أبي وقاص والوليد ابن عقبة بسبب ظلمهم وافترائهم على أمرائهم..

ولما قدم سعيد الكوفة صعد المنبر فخطب فيهم، وزجرهم وتوعدهم، ثم نزل وسأل عن البلدة وأحوالها، ووضْع الناس بها، حتى عرف حالهم واضطراب أمرهم، فكتب إلى أمير المؤمنين في ذلك، فرد عليه بعدة تعليمات لإصلاح الوضع بها، فشرع سعيد في تنفيذ الإصلاحات، وبدأ بوجوه الناس وسادتهم من أهل القادسية والبلاء في فتوح هذه البلاد، وأرسل إليهم، فلما اجتمعوا عنده قال لهم:"أنتم وجوه الناس، والوجه ينبئ عن الجسد، فأبلغونا حاجة ذي الحاجة".

وأدخل معهم من يُحتاج إليه، ثم جمع القراء والعلماء واختصهم لنفسه، وجعلهم من أهل مجلسه وسمره. وسار سعيد بن العاص على هذه السياسة الرشيدة في الإدارة، وبث الجيوش والسرايا لاستكمال الفتوحات في طبرستان والباب حتى بلغ أذربيجان..

وسارت الأمور على ما يرام حتى سنة ثلاث وثلاثين الهجرية، حيث قام بعض المنحرفين بالكوفة بأعمال شغب انتهت بتسييرهم إلى الشام. وأصبحت الكوفة وكأنها حطب يابس اشتعلت فيه النيران، فانتشرت الشائعات بالقدح والذم في ولاة عثمان، بل وفي عثمان نفسه؛ لأنه هو الذي اختارهم وولاهم.

ولم يكن يدور في خلد سعيد أن يكون هذا هو نتاج محاولاته الإصلاحية، فكتب إلى أمير المؤمنين يخبره، ويستشيره في الأمر، فجمع عثمان أهل المدينة وعرض عليهم الأمر.

كانت ولاية البصرة إحدى الأمصار الإسلامية ذات الشأن في عصر الراشدين، واستقر مقام المسلمين بمنازلها في المحرم من سنة سبع عشرة للهجرة، ولم يكن حال أهل البصرة أفضل كثيرا من أهل الكوفة مع عمال عمر، فقد شكا بعضُ أهلِها عاملَهم المغيرةَ بنَ شعبةَ إلى الخليفة، واتهموه بالزنا، فعزله عمر وولى مكانه أبا موسى الأشعري سنة سبع عشرة للهجرة، فظل واليا عليها عدة سنوات، ثم صرفه عمر إلى الكوفة حين عزل عمار بن ياسر عنها، وطلب أهل الكوفة من أمير المؤمنين عمر أن يوليه عليهم، وولى مكانه على البصرة عمر بن سراقة المخزومي، ثم رد عمر أبا موسى إليها، فظل أبو موسى على البصرة وعلى صلاتها إلى أن مات عمر.

ولما ولي عثمان أقره عليها، فظل أبو موسى الأشعري واليا عليها سنوات، ثم عاد أهل البصرة فاتهموا أبا موسى وشكوه إلى عثمان، وقالوا: قد أكل أرضنا، وأحيا أمر الجاهلية فينا، فعزله عثمان سنة تسع وعشرين للهجرة.

واستعمل عثمان على البصرة عبد الله بن عامر بن كُرَيز، وهو ابن خمس وعشرين سنة، فكان فيهم حسن السيرة، مجاهدا ميمون النقيبة، ولم يزل واليا عليها حتى قتل عثمان، وقد حقق أعظم الإنجازات، فوصلت الفتوحات على يديه إلى أقصى المشارق، وانتهت بتقويض ملك الإمبراطورية المجوسية ومقتل يَزْدَجِرْد الثالث آخر ملوكهم.

ها هي روح شابة تنال ثقة أمير المؤمنين عثمان، فيدفع بها إلى الصفوف الأولى من تحمّل المسؤولية، فيتولى عبد الله بن عامر أمر المواجهة مع فارس وأمر إدارة شؤون البصرة ذات الموضع الاجتماعي المعقّد. وكم كانت كفاية عبد الله وقدراته تنمّ عن موهبة فذّة في الإدارة والجندية، وإنجازاته البارزة تثبت ذلك، فقد فتح خراسان كلها، وأطراف فارس وسِجِسْتان وكَرمان حتى بلغ غَزْنة، وفي عهده قُتل يَزْدَجِرْد آخر ملوك الفرس، الذي كان يفر هاربا في البلاد أمام جيوش عبد الله بن عامر حتى قتل.

ثم رجع ابن عامر بعد أن فتح هذه البلاد العظيمة، فقيل له: ما فتح الله على أحد مثل ما فتح عليك: فارس وكرمان وسجستان وخراسان، فقال:"لا جرم، لأجعلن شكري لله على ذلك أن أخرج معتمرا من موقفي هذا فأحرم بعمرة من نيسابور"، ووفى بنذره، وفرق أموالا كثيرة في أهل المدينة.

ومن منجزات عبد الله بن عامر أيضا أنه أتم حفر نهر الأبلة، ذلك المشروع الضخم الذي ابتدأ في ولاية سلفه أبي موسى الأشعري، وحفر غيره من الأنهار التي زودت مدينة البصرة بالماء اللازم لها، واتصلت تجارتُها بالأقاليم المجاورة فدفع ذلك نموها وازدهارها.

وأسهم عبد الله بن عامر في تطوير البصرة بسياسته التي هدفت إلى تشجيع العمران بالمدينة، بمنح الإقطاعات للأشخاص ليتنامى الإنتاج، واتخاذ الأسواق وتأسيسها بالمدينة، فقام بشراء عددٍ من الدور وبنى في موضعها سوقا، لاسيما أن سوق المربد لم تعد قادرة على سد الحاجات الجديدة للمدينة.

تعد مصر أحد مواطن القوة الإسلامية ومصادر ثراء المسلمين منذ توجه إليها عمرو بن العاص من قيسارية بفلسطين لفتحها في أواخر سنة ثماني عشرة للهجرة، واكتمل فتحها سنة إحدى وعشرين، واستمر عمرو واليا عليها حتى وفاة عمر.

ولما ولي عثمان الخلافة أقر عَمرا على مصر في صدر إمارته، يدير أمورها، ويسوس شؤونها، وكان عمرو يُحكم قبضته عليها، مما دفع بعض الأشرار والمنحرفين إلى أن يشكوه إلى عثمان، ولم يكن عثمان يعزل أحدا إلا عن شكاية أو استعفاء من غير شكاية؛ فنقل منه خراجَ مصر، وولى عليه عبد الله بن سعد بن أبي السرح لمؤهلاته الشخصية.

ولم يكتف هؤلاء الأشرار بذلك حتى سعوا بين عمرو وعبد الله بن سعد، وأوقعوا الخلاف بينهما، فبلغ ذلك عثمانَ فعزل عَمْرًا وجعل مصر كلها لابن أبي السرح، وقدم عمرو المدينةَ مُغضَبًا.

وبذلك نجحت مكيدتهم في عزل عمرو عن مصر، فخلا لهم الجو وعاثوا فيها فسادا، وبثوا أفكارهم الهدامة بين الناس، وظهرت أولُ بوادر الفتنة في تحريض محمد بن أبي حذيفة ومحمد بن أبي بكر الناسَ على ذم عثمان وواليه ابن أبي السرح، أثناء الخروج إلى معركة ذات الصواري، وأكثرا من الكلام فيهما، فقد حرضا الناس حتى أفسدا أهل تلك الغزوة، فزجرهما عبد الله بن سعد بن أبي السرح وتوعدهما، ولولا خشيته من غضب أمير المؤمنين لعاقبهما عقابا شديدا.

وقد شجع ذلك من في حلوقهم غصة على عثمان، حتى علت الأصوات المنخفضة، وخرجت الفتن المختبئة، وخرج الناس على الخليفة، وذهبت جماعة منهم إلى المدينة، وكان ما كان من حصارهم له، ثم قُتل شهيدا ـ رضي الله عنه وأرضاه.

الشام منذ أيامِها الأولى في ظلال الإسلام وهي أعظم ولايات دولة الراشدين شأنًا، ففيها موطنٌ كبير للقوة الإسلامية، وامتدادٌ هام لدولة الإسلام إلى الشمال يمثل ظهرا للفتوح في جهات أخرى عديدة.

وقد تولى عثمان - رضي الله عنه - الخلافةَ ومعاوية أميرٌ على الشام، فأقره عليها لِمَا علم فيه من كفاية ونباهة، ولاستعمال أبي بكر وعمر له من قَبْلُ، ولِمَا منحه الله من صفات أهَّلتْه للقيادة والحكم والإدارة، فاستطاع بحسن سياسته أن يدير الشام إدارة حكيمة، حيث أحكم سيطرته عليها، فسهلت له قيادتها، وجعل منها أقوى ولاية إسلامية حينئذ، فنَعِمَتْ معه رعيته بالخير والبركة، وبرزت إنجازاته في هذه الولاية بوضوح.

ــــــــــــــ

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت