منى سيف الإسلام ...
هل الإسلام خصم للفن عمومًا؟، لماذا يربط البعض بين الإسلام وتحريم الفنون؟ وماذا عن حفاوة الرسول ص بالشعر، وتشجيعه على توظيفه في خدمة الدين، حتى قرب إليه حسان بن ثابت (رضي الله عنه) وقال له:"اهجهم وروح القدس معك"، وأنصت إلى شعر عبد الله ابن رواحة (رضي الله عنه) ، ووصفه بأنه أشد وقعًا على الكفار من وقع السيوف؟.
هل للإسلام تصور معين للفن الهادف، وهل يضع شروطًا للإبداع الذي لا يتعارض مع العقيدة؟.
حول الرؤية الإسلامية للفن تتحدث السطور القادمة:
بداية يعترف الأستاذ محمد قطب المفكر الإسلامي في مؤلفه"منهج الفن الإسلامى"بصعوبة نقل الصورة الإسلامية عن الفنون، وذلك لعدم وجود نماذج للفن الإسلامي يستطيع الناس قراءتها أو مشاهدتها، ويتبينون من خلالها ملامح هذا الفن وخصائصه التي تجعله إنسانيًا بكل ما تحمله الكلمة من أبعاد، وفي ذات الوقت متفردًا بين جميع الفنون، النموذج الوحيد المضمون هو النموذج القرآنى، أما النماذج البشرية، فهي لقلتها تنم عن عدم وجود هذا الاتجاه، ولقلتها أيضًا لم تأخذ مكانها المفروض في ساحة الفنون.
بالإضافة إلى أن مدلول الفن الإسلامي غير واضح في نفوس الناس، فبعضهم يستنكر أن يكون للدين علاقة بالفن.
البعض الآخر يستنكر أن تتدخل قيود الدين في حرية الفن، فالدين في نظرهم مجموعة من القيود والزواجر تقيد مجرى الحياة، بينما الفن انطلاقة توسع مجرى الحياة، وتنقله من المحدود إلى اللامحدود.
مفهوم قاصر
وهناك رأي ثالث يرى أنه لا يمكن أن تكون هناك صلة للدين بالفن، إلا إذا تحول الفن إلى مجموعة من الحكم والمواعظ تخرج الفن من مجاله إلى مجموعة من الدروس الثقيلة المملة التي لا ترتاح لها النفوس.
وحقيقة أن هذا التصور للدين والفن تصور قاصر وخاطئ يقيم عداوة بينهما، وينشئ بينهما انفصالًا لا وجود له في الحقيقة.
الفن تعبير الإنسان عن انعكاسات الحياة من حوله على حسه وفكره وشعوره في صورة تعبيرية جميلة، والفنان هو المرء ذو الحساسية الخاصة التي يلتقط بها الانعكاسات من حوله حتى الرقيق منها الذي قد تغفله النفوس العادية، فتمتلئ نفسه بتلك الانعكاسات وتختلط بكيانه، ثم تخرج صورة فريدة، ويقصد بالصورة المضمون، ولا يغيب عنا أن لكل فنان طابعه الخاص، ومذاقه المتميز النابع من الزاوية التي رصد منها.
فالفن الذي لا يرى من الحياة إلا الأحداث القريبة أضيق من الفن الذي يرى الأحداث البعيدة، ويربط بين القريب والبعيد، ثم يستخرج تفسيرًا واضحًا لسير الأحداث، ويجعل لها أبعادًا متميزة واضحة.
وكذلك الفن الذي ينفعل بقصة فردية ويصورها في حدودها الضيقة أضيق من الذي يستطيع أن يقدم نموذجًا بشريًا عامًا لا يحده الزمان أو المكان.
والذي ينفعل بعنصر واحد من عناصر الحياة سواء كان اقتصادًا، أو سياسة، أو اجتماعًا، ويقدم تصوره من خلال عنصر واحد أضيق من الذي يلمس كل العناصر، ويلمح التفاعل بينها وانعكاساته على حياة الناس.
والذي يهتم بالإنسان فقط أضيق من الذي يتعاطف مع الأحياء كلها؛ حيوان، وطير، ونبات، ويرى الرباط الذي يربط بينها جميعًا.
والذي ينحصر في المخلوقات وحدها أيًا كان عمق تصوره ورؤيته دون أن ينفعل إلى الخالق، ويربط بين الخلق والخالق، ويوضح ما بينهما من صلات، إن الذي لا يلم بكل هذه الجوانب يعطينا صورة غير كاملة، بل ومشوهة عن الحياة، وإذا أدركنا كل هذه الجوانب أدركنا الصلة العميقة بين الإسلام والفن؛ لأن التصور الإسلامي أشمل تصور عرفته الإنسانية.
هذه هي الرؤية الإسلامية والتصور الإسلامي للفن من حيث المبدأ، أما من حيث التطبيق فما تزال الفجوة عميقة بين التصور الإسلامي والإنتاج الفني الإسلامى، والسبب أن حياتنا المعاصرة أقيمت علي أصول غير إسلامية، بل أصول معادية للروح الإسلامية.
والفن تعبير عن الحياة، فإذا كان واقع الحياة غير إسلامي، فمن أين يأتي التعبير الإسلامي؟ وكيف يكون هناك فن إسلامي في مجتمع لا يحكمه الإسلام؟ وإذا كانت القاعدة التي يقف عليها الفنان غير إسلامية، والزاوية غير إسلامية فمن أين يأتي الطابع الإسلامي للإنتاج الفني؟
أما إذا كان هناك فنان، تنفعل نفسه بالإسلام، ويعيش الإسلام بكل أفكاره، ومشاعره، وسلوكه، ويتمنى أن يكون الواقع إسلاميًا، فهذا الذي يمكن أن يصدر عنه إنتاج فن إسلامي متميز.
الطريق الصعب
وتؤكد الكاتبة صافيناز كاظم أن طريق الإنتاج الفني الإسلامي أحجم عنه الكثيرون، واحتل وسائل الإنتاج من لا يحملون الرؤية الإسلامية، واستغل أعداء الإسلام هذه الوسائل كأسلحة لتدمير الهوية الإسلامية، وثقافة الأمة، وكان السيناريو الثقافي من زمن وحتى الآن هو تركيز الضوء الإعلامي عن عمد على أسماء بعينها، وخطفت، واغتيلت، وأخفيت مواهب فنية وثقافية، واتفق على حذفها من دائرة الترديد الإعلامى.
لكن يشاء الله أن يعطي الإسلاميين بصيص أمل من فرص ينتزعونها بأظافرهم، ويقطعون طريقًا مرهقًا من الفكر والجهاد حتى يتاح للكلمة والرؤية الإسلامية أن تنبثق، وأن تتحرر قدرة الإنتاج من معوقات وابتزاز أعدائها، وتصبح القدرة الثقافية الإسلامية لها وسيلة إعلامها التي تنتج الفن الدرامي بكل وسائله، والكلمة بكل حقولها وأشكالها.
الغناء بين الحل والحرمة
أما عن الرؤية الشرعية للفن، وخاصة الغناء من باب الحلال والحرام فيعرضها لنا الدكتور يوسف القرضاوي فيرى أن الإسلام دين واقعي لا يحلق في أجواء الخيال والمثالية، ولم يفرض على الناس أن يكون كل كلامهم ذكرا، وصمتهم فكرًا، وكل سماعهم قرآنًا وكل فراغهم في المسجد، بل اعترف بفطرتهم وغرائزهم، فهناك ألوان كثيرة من اللهو، ومنها الغناء، وهو أداة عاتية من أدوات الإثارة، والهدم، وإلهاء الأمة عن غايتها الجليلة، وقضاياها الكبيرة، وقد ارتبط الغناء تاريخيًا وواقعيًا بالترف، ومجالس الشرب، وأصبح جزءًا أساسيًا من حياة المتحللين من العفاف، واتسم بالميوعة، والخلاعة، والبعد عن أحكام الدين، لذلك غلب على الحس الديني النفور منه، ووقف علماء المسلمين في مختلف الأزمنة، والأمكنة منه مواقف مختلفة ما بين محرم، وكاره، ومبيح.
فهناك أنواع اتفقوا على تحريمها وهي ما اشتملت على معصية أو دعت إليها، وهناك أنواع اتفقوا على إباحتها وهي الغناء الفطري الذي يترنم به الإنسان مع نفسه، أو المرأة لزوجها، وغناء النساء في الأعراس مع بعضهن البعض.
وهناك أنواع أخرى كانت محل اجتهاد ونظر.
الدكتور القرضاوي يرى ألا حرج في الغناء في حد ذاته، وهو داخل في جملة الطيبات التي أباحها الإسلام، أما الإثم فهو فيما يشتمل عليه، ويقترن به من أشياء تنقله من الحل إلى الحرمة، فالغناء يستحب في المناسبات السارة ترويحًا للنفوس كالأعياد، والأعراس، والوليمة، والعقيقة.
ويرى الدكتور القرضاوي أن هناك قيودًا لابد أن نراعيها في أمر الغناء:
1 الموضوع: فلابد أن يكون مما لا يخالف آداب الإسلام وتعاليمه، فالأغنية التي تصف الجسم مثلًا، أو تمجد الخمر، أو تدعو إلى شربها فأداؤها حرام، والاستماع إليها حرام، وكل ما شابه ذلك.
2 وحتى لو كان موضوع الأغنية غير منافٍ لتوجيه الإسلام، فإن طريقة المغني يمكن أن تنقله من الحل إلى الحرمة كأن يكون هناك تكسر أو تميع، أو تعمد إثارة، أو إغراء بالفتن والشهوات.
3 الدين يحارب الإسراف في كل شيء حتى العبادة، فما بالنا بالإسراف في اللهو، وشغل الوقت؟! والوقت هو الحياة، ولاشك أن الإسراف في المباحات يأكل وقت الواجبات، وقد قيل:"ما رأيت إسرافًا إلا وبجانبه حق مضيع".
4 تبقى أشياء يكون كل مستمع فيها مفتي نفسه، فإذا كان الغناء يثير غريزته أو لون خاص منه يغريه بالفتنة، ويطغي فيها الجانب الحيواني على الجانب الروحي فعليه تجنبه.
ليس مجرد غطاء
ومن الذين يحملون الرؤية الإسلامية للفن الفنانة منى عبد الغني التي تقول: أسعى من خلال أعمالي أن أقدم الرؤية الإسلامية لكثير من القضايا الاجتماعية والإنسانية، وأقوم الآن بعمل برنامج"منى وأخواتها"أناقش فيه كل مشكلات البنات المراهقات، الخادمات، اضطهاد المحجبات وغيرها الكثير.
وترفض منى أن يكون التزام الفنانة، أو تدينها مجرد غطاء تضعه على رأسها، بل هو التزام بقضايا أمتها، والتزام بتقديم الحلول الصحيحة والعرض الواضح لكل الجوانب الإنسانية من غير إسفاف، وأن ترى الموضوع بشكل عام وليس الدور الخاص بها.
وترى أن الجانب الإعلامي في الإسلام أو الفني يحتاج إلى أن يوضع على مائدة البحث والدراسة، وأن يتم تناوله بشكل أكثر جدية واحترام، فلا يمكن أن نحلم بمجتمع مسلم خال من التليفزيون، والسينما، والمسرح، والإذاعة، والأغاني، بل على العكس كيف تكون هذه الوسائل أدوات في بناء المجتمع المسلم، وحل كثير من مشكلاته؟ بل كيف تكون وسائل تربية ووعي، وحفاظ على الدين؟ يجب أن يدرك الناس أن الإسلام ليس جامدًا، فالأصل في الأشياء الإباحة كما يقول العلماء والأعمال بالنيات كما يقول الرسول ص، ما دام العمل يناقش قضايا تهم المجتمع، ولا يتنافى مع دينه وأخلاقه، ولا يتعارض مع الثوابت العامة، ويبعد عن كل مظاهر الحرام من وصف، وميوعة وابتذال، وتبرج، فهو في صالح الإسلام وليس ضده.=>
ــــــــــــــ