فهرس الكتاب

الصفحة 24 من 289

وزاد من انتشار التمرد أن عثمان لما اقترح على الصحابة أن يشتروا أرض العراق بما لهم من أرض وأسهم بالمدينة وغيرها من أرض الجزيرة العربية، محاولة منه لزيادة عدد الصحابة بالعراق ليوازن الاتجاه القَبَلِيَّ بها، حدث ما لم يكن متوقعا، فقد التف رجال القبائل حول هؤلاء الصحابة، وجعلوا منهم مراكز قوى يتطلعون بها إلى مركز الخلافة ...

أضف إلى ذلك أن نظام العطاء الذي سنه عمر كان سببا في زيادة تذمر القبائل في العراق؛ إذ إنه رتب الناس في العطاء بحسب قرابتهم من رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ وسابقتهم في الدين، وهؤلاء جميعا من قريش؛ مما أدى إلى تفضيل قريش في العطاء، فكان أن نقمت القبائلُ على قريش استئثارَها بالفيء وكثرةَ الأموالِ بأيديها.

كان إنشاء الأسطول البحري الإسلامي الأولِ واحدا من إنجازات عهد عثمان بن عفان الكبيرة، وها هو الأسطول يخرج في أولى مهامه الحربية، يشترك فيه جنود المسلمين من مصر والشام، للاشتباك مع الأسطول الروماني الذي دانت له السيطرة في البحر المتوسط أو بحر الروم زمنا طويلا..

واحتفل البحر بالأسطول الإسلامي بمنظره المهيب في معركة ذات الصواري، غير أن نفوسا تلوثت بالدنيا وبالحقد على المسلمين أبت إلا أن يشتمل العُرس على مقدمات لحزن طويل، فمحمد بن أبي حذيفة ومحمد بن أبي بكر شاركا في معركة ذات الصواري سنة إحدى وثلاثين مع جيش عبد الله بن سعد بن أبي السرح، الذي خرج من مصر، فأخذا يبثان في الناس أكاذيب وأفكارا ضالة، تزعم أن عثمان غيّر وبدل وخالف أبا بكر وعمر، وأن دم عثمان حلال.

واتهماه بأنه استعمل عبدَ اللهِ بنَ سعدٍ الذي كان رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ أباح دمه، ونزل القرآنُ بكفره، وبأنه نزع أصحابَ رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ واستعمل سعيدَ بنَ العاص وعبدَ الله بنَ عامر.

وأخذا يتكلمان بذلك وغيره في أهل تلك الغزوة، وبلغ عبدَ الله بن سعد ما يحدثان به الناس، فاستدعاهما وقال لهما: لا تركبا معنا، ومنعهما من الركوب مع جيشه، فركبا في مركب ليس فيه أحد من المسلمين، ولما كان وقتُ لقاء العدو، كانا أقل المسلمين قتالا وأقلهم حماسا، فقيل لهما في ذلك، فقالا: كيف نقاتل مع رجل لا ينبغي لنا أن نحكّمه.. وعثمان فعل وفعل، حتى أفسدا أهلَ تلك الغزوة.

لن تستطيع أن تحصل على الحقيقة كاملة حول شخصٍ ما إذا كان أعداؤه هم الذين يكتبون تاريخَه، خاصة إذا كانت لهذه الشخصية مشاركات في أحداث متشابكة، اختصم فيها الناس، وتوزعوا فرقا، كالذي جرى في الفتنة...

ولعل هذا ينطبق بصورة واضحة على مروان بن الحكم، ذلك الشاب الأموي الذي نال ثناء العديد من رجال عصره، كما نال ثقة أمير المؤمنين عثمان، فولاه رئاسة الديوان، واتخذه كاتبا لرسائله الخاصة...

وقد كانت تولية عثمان لمروان وأشباهه من بني أمية ـ كعبد الله بن سعد بن أبي السرح الذي ولاه مصر، وعبد الله بن عامر الذي ولاه البصرة، ومعاوية بن أبي سفيان الذي استبقاه أميرا على الشام ـ كان هذا مثارا للاعتراض على الخليفة، مما استغله الثائرون على عثمان، بل ضخّموه.

وليس مروان بعيدا عن أن يوصف بالسوء فحسب، بل كان به - فوق ذلك - العديد من الفضائل والمواهب القيادية، ولم تكن تولية عثمانَ له مجاملة على حساب المسلمين..

لقد كان مروان نائبا بالمدينة، فإذا وقعت معضلة جَمَعَ مَنْ عنده من الصحابة فاستشارهم فيها، وعَمِلَ بما أجمعوا عليه.

ومروان هو الذي جمع الصِّيعانَ (مفردها صاع، وهو كيل معروف) ، فأخذ بأعدلها فنُسب إليه الصاع، فقيل: صاع مروان، وهى ليست بصاع مروان، إنما هى صاع رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم.

إن من لوازم الرئاسة، ومن شروط الشرف والمنزلة بين الناس أن يَرْخُصَ المال عند الإنسان، فيمنَحه بسخاء يدٍ، ويعطيَه بكرم نفسٍ. فإذا زُيِّن ذلك بالتقوى والإيمان صار للكرم وللسخاء معنى عند الله تعالى وعند الناس.

وقد كان الإمام التقي العادل عثمان بن عفان من هؤلاء السادة الكرماء، الذين رخُص المال عندهم، فبذله في سبيل الله، ووصل به أهلَه وإخوانَه..

إلا أن ذلك لم يعجب الطائفة المعترضة على الخليفة، الثائرةَ عليه تستعجل وفاته، فاتهموا عثمانَ بسوء التصرف في مال المسلمين، والإنفاقِ من بيت المال على ذويه وأقاربه.

لقد كان عثمان ليِّنا مع أهله، رفيقا بأقاربه، كما كان ليِّنا مع الناس جميعا، بل إن ذوي رحِمِهِ وأقاربَه أولى برِفْقِهِ ولينه. وما أكثر ما كان عثمان ينفق لتجهيز الجيوش، والإعداد للغزو في وقت لم تكن للإسلام فيه شوكة، فلما قامت للإسلام دولة، وكانت الفتوحات، وجاءت الغنائم والفيء، أصبحت الدولة في أوج قوتها وثرائها، وكان أن أنفق عثمان على أقربائه، وأعطاهم من ماله هو يتقرب إليهم ويصلهم.

وكان مما فعله معهم أنه قسم ماله وأرضه في بني أمية، وجعل ولده كبعض من يعطيه منهم، فبدأ ببني أبي العاص، فأعطى آلَ الحكمِ رجالَهم عشرةَ آلافٍ عشرةَ آلافٍ، فأخذوا مائةَ ألفٍ، وأعطى بني عثمان مثلَ ذلك، وقسَّم في بني العاص وفي بني العيص وفي بني حرب.

وزعم المعترضون أن الخليفة يمنحهم من مال المسلمين، وصاروا يعترضون على تصرفاته المالية، فإذا زوّج ابنه من ابنة الحارث بن الحكم، وزوّج ابنته من ابن مروان بن الحكم، وجهَّزهما من خالص ماله الذي كان واسعًا ووفيرا في الجاهلية والإسلام - قالوا: إنه جهزهما من بيت مال المسلمين!!

وإذا اقترض رجل بضعةَ آلافٍ من بيت المال ـ وكان من حق المسلمين أن يقترضوا من بيت مالهم ـ قالوا: إن الخليفة منحه إياها بغير حق!

وإذا توسع في المراعى التي كانت الدولة في عهد"عمر"تحميها لإبلِ الصدقةِ ولتنمية الثروة الحيوانية، قالوا: إنه حَمَى الحِمَى لكي يسمِّن إبلَه وماشيتَه..!!

ولقد حدث أن وَلَّى الخليفة الحارثَ بنَ الحكم أمانةَ سوقِ المدينةِ، واستغل الحارث وظيفته، فراح يشترى النوى ويحتكره، ولم يكد الخليفة يعلم بهذا حتى استدعاه إليه وسفَّهه، ثم عزله من فوره، فهذه أيضا نسجوا منها اتهاماتٍ..!!

وكانت الأرض البُور التي لا تجد مَنْ يزرعها ويستثمرها تملأ البلاد، لاسيما في ريف العراق، فراح الخليفة يُقطِع القطائع نفرًا من أثرياء الصحابة الذين يمكِّنُهم ثراؤهم من الإنفاق عليها واستثمارها، فنسجوا من ذلك اتهاما..!!

وكان أمينُ بيتِ المالِ عبد الله بن أرقم قد تقدمت به السنُّ، كما وقع خلاف هادئ بينه وبين الخليفة، فرأى الخليفة أن يولي مكانه زيدَ بنَ ثابتٍ، فأطلق المرجفون المتمردون قولتَهم بأن الخليفة عزل ابن أرقم لأنه عارض إسرافَه، مع أنه ولَّى مكانه زيدَ بنَ ثابتٍ الذي ائتمنه أبو بكر وعمرُ على جمع القرآن...

ومن قبلهما ائتمنه رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ على كتابة الوحي.

كانت الأُخُوَّةُ في الله هي الجامع الأول الذي وحّد هؤلاء الصحابة من أقوام مختلفين وقبائل شتى، فصنعوا نسيجَ المجتمع الإسلامي الأولِ، الذي رافق رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ في رحلة الدعوة إلى الله ـ تعالى ـ والجهاد في سبيله..

ومع عظمة النفوس البشرية لهؤلاء الرجال، وسُمُوِّ أغراضِها وأهدافها، لم يكن منتظَرًا منهم أن يكونوا معصومين من الخطأ عصمةَ نبيِّهم ـ صلى الله عليه وسلم ـ لذا لا نعجب أن تقع بينهم بعض الخلافات الطفيفة، لكنهم كانوا دائما يعتصمون بمعاني الأخوَّة في دين الله ـ تعالى ـ ما لم تتدخل يَدٌ شيطانيةٌ تزوِّر الحقائقَ وتضخِّم الأحداثَ.

لقد أشاع المعترضون أن الخليفة عثمانَ وقف موقفا اتسم بالشدة تجاه بعض الصحابة الأجلاء: فنفى أبا ذر الغفاري، وضرب عبدَ الله بنَ مسعود ومنع عنه عطاءه، وضرب عمارَ بنَ ياسر.

إن الزهد في الحياة، والأخذ منها بما يسد الضروريات أو يكاد ـ منهج في الحياة ترتضيه بعض النفوس، وتجد لديها إمكانية كبيرة للصبر عليه.. وهذا شيء لا عيب فيه، غير أن قليلين هم الذين يقدرون على هذا. كما أن الزهد بهذه الصورة ليس هو المنهج الوحيد الذي يمكن أن يعيش المسلم به في ظلال الإسلام الحنيف، فيمكن أن يكون الزاهد ذا ثوبٍ حسنٍ ومنزلٍ رحْبٍ متسعٍ، يأكل من الطيبات التي أحلها الله، ولا يحرّمها على نفسه ولا على الناس ـ كل هذا دون أن تكون الدنيا غايتَه، ودون أن يسرف على نفسه، أو يستطيل على عباد الله بنعمة الله.

وقد كان الصحابي الجليل أبو ذر الغفاري ممن مالوا إلى الزهد بصورته الشديدة، فأخذ نفسَه بالعزائم الشديدة، وحرمها الكثيرَ من متعها، واكتفى من الدنيا بما يبلغه المسير إلى نهايتها.

ولم يكتف أبو ذر باختيار سبيل الزهد الذي اختاره، فأضاف إلى ذلك انتقاداتٍ شديدةً أخذ يوجهها إلى هؤلاء الذين توسعوا في متع الدنيا، فكان يقوم في الناس في الشام ويقول:"يا معشر الأغنياء واسُوا الفقراءَ.. بشِّر الذين يكنزون الذهب والفضة ولا ينفقونها في سبيل الله بمكاوٍ من نار تُكْوَى بها جباهُهم وجنوبُهم وظهورُهم". وكان ينتقد عُمَّالَ عثمانَ لذلك، وينكر عليهم توسُّعَهم في المراكب والملابس.

وانتشر كلام أبي ذر هذا حتى شكا الأغنياءُ ما يَلْقَوْنَ من الناس بسببه إلى معاوية، وكادت أن تقع الفتنة، لولا أن معاوية تدارك الأمر وكتب إلى أمير المؤمنين عثمان في ذلك، فأمره بأن يُرسل أبا ذر إليه مكرما، ومعه دليل في طريقه، ويزوده بالزاد، ويَرفق به.

فلما بلغ أبو ذر ـ رضي الله عنه ـ المدينةَ، لقي الخليفة، فتحادثا برفق ومودة، واختار أبو ذر ـ بعد أن أحس أن تيار الفتوح قد غير الناس كثيرا ـ أن يعيش وحده في منطقة الرَّبَذة خارج المدينة، فزوَّده أميرُ المؤمنين عثمانُ بما يلزمه.

وعاش هناك منفردا حتى أدركه الأجل المحتوم، فمات وحده كما أخبره الرسول المعصوم ـ صلى الله عليه وسلم.

وقد حاول الثائرون على عثمان ـ رضي الله عنه ـ استغلالَ هذا الموقف، زاعمين أن الخليفة نفى أبا ذر بسبب اعتراضه عليه وعلى ولاته، وهو أمر لم يفعلْه الخليفة الصالح على الإطلاق.

إن الأخوَّة والصحبة لا تمنعان من إقامة الحق والحرص عليه، فإذا كان عثمان بن عفان وعمار بن ياسر رفيقَيْن اصطحبا في خدمة الإسلام، فإن الخليفة لن يسمح لنفسه أن تُجامِل عمارا إذا كان الحق في غير صفه..

وها هو ذا عمار بن ياسر يتشاتم هو ورجل من المسلمين في لحظة غضب، فيعاقبهما الخليفة؛ إذ حوى كلامُهما قذفا وخوضا غاضبا في الأعراض أو ما يشبهه.

ومرة أخرى يرسل عمار بن ياسر وسعد بن أبي وقاص إلى أمير المؤمنين ليأتيهما المسجدَ يراجعانه في بعض أعماله، لكن عثمان كان في انشغال عنهما، فانصرف سعد، وألح عمارٌ على مقابلته، ولم يتيسر للخليفة لقاؤه، فبعث إلى عمار مع رسول له يطلب تأجيل اللقاء به، لكن عمّارا لم ينصرف، فتناوله رسول الخليفة وآذاه بغير أمر عثمان..

ولعل نفس عمار أول الأمر كانت غاضبة من الخليفة، لكنه مع مرور الوقت تيقن أن عثمان حسن النية، جاد في حفظ حدود الدين، حتى لقد أشفق عمار على عثمان حين حاصره الثائرون، وقال:"يا سبحان الله!! أتمنعون الماء عمن اشترى بئر رومة، ووهبها المسلمين؟!".

وذهب المعترضون على الخليفة يصنعون من هذا الموقف تهمة كبيرة للخليفة المؤمن عثمان!

"بايعنا خيرَنا ولَمْ نأل"ـ أي لم نقصر ـ هذا هو رأي ابن مسعود في عثمان، فما تولى الخلافة إلا وهو خير الموجودين وأجدرهم بها، كما يرى أكثر الصحابة.. وقد تولى عبد الله بن مسعود خراج الكوفة أيام عثمان حين كان سعد بن أبي وقاص أميرا عليها، فاختلف سعد وابن مسعود على قرض اقترضه سعد من بيت المال، فعزل عثمانُ سعدا وأبقى ابن مسعود.

إلى ذلك الوقت لم يكن بين ابن مسعود وخليفته إلا الصفو وكل خير، فلما عزم عثمان على تعميم مصحف واحد في العالم الإسلامي يُجْمِعُ أصحاب رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ على أنه هو المصحف الكامل الموافق لآخر عَرْضة عُرض فيها كتاب الله ـ عز وجل ـ على النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ قبل وفاته، ودّ ابنُ مسعود أنْ لو كُلِّف هو بذلك، وأحب أن يبقى مصحفه الذي كان يكتبه لنفسه فيما مضى، فجاء عمل أمير المؤمنين على خلاف ما كان يودُّه ابنُ مسعود في الحالين، فاختير زيدُ بن ثابت ليرأس بعضَ الصحابة في نسخ المصحف الذي جُمع أيام أبي بكر، وزيدٌ أولى بهذا الأمر؛ فقد اختاره أبو بكر من قبل لما هو أكبر من هذا العمل، وهو جمعُ القرآن في مصحفٍ واحدٍ.

وقد كان عثمان يعلم ـ كما يعلم سائر الصحابة ـ مكانةَ ابنِ مسعود وعلمَه وصدقَ إيمانه، وكان الخليفة على حق حين ألغى المصاحف الأخرى كلها، ومنها مصحف ابنِ مسعود، فذلك أبقى لوحدة الأمة، وراد للاختلاف في كتاب الله تعالى، وكان جمهور الصحابة في كل ذلك مع عثمان.

ومع أن هذا خلاف وارد بين البشر، بل خلاف مشروع بين العقول، إلا أن مَنْ لا يفهمون ذلك ممن قاموا يعترضون على الخليفة أشاعوا أن عثمان ضرب ابنَ مسعود ومنع عنه عطاءه.

الاجتهاد باب من الأبواب التي يقوى بها تفاعل الدين مع الحياة والناس، إذ إن الزمان مع تغيره والحياة مع تطورها يقذفان الناس بقضايا جديدة وأمور لم تسبق لهم من قبل، فيتعامل عقل العالم مع روح الدين والقرآن والسنة ونصوصهما في محاولة الوصول إلى الحق.

وقد كان الخلفاء الراشدون جميعا يملكون أهلية الفتوى والقدرة على الاجتهاد، وكانت لأبي بكر وعمر اجتهاداتهما الكثيرة.

غير أن الثوار الذين قاموا في وجه الخليفة عثمان سلبوه هذا الحق، واتخذوا بعض فتاواه سلاحا يُشْهِرونه للثورة عليه والتشهير به، بل شككوا في فضله وسابقته في الجهاد والإيمانِ بالله ورسوله.

لقد راحوا يتصيدون للخليفة الراشد ما حسبوه - بسوء تدبيرهم وخيبة فألهم - طعنًا سينال من ورع الخليفة وحسن طاعته لله ولرسوله، أو من قدره في نفوس المؤمنين والصالحين.

قالوا: إن الخليفة وحد المصاحف كلها في مصحف واحد، وجمع المصاحف الأخرى وأحرق أوراقها.

وقالوا: إن الخليفة تَرَكَ قصرَ الصلاة بمنى أثناء حجه، بينما كان الرسول وصاحباه يقْصرون الصلاة.

وقالوا: إن الخليفة لم يُقم حدَّ القتل على عبيدِ الله بنِ عمر.

وقالوا: إن الخليفة ردَّ الحَكَمَ بنَ أبي العاص، وكان الرسول - صلى الله عليه وسلم - قد نفاه.

وقالوا: إن الخليفة علا على درجة رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ على المنبر، وقد انحطَّ عنها أبو بكر وعمر.

على أن الخليفة ـ رضي الله عنه ـ أمام المعارضة الأخرى النزيهة التي واجه بها أصحابُه بعضَ قراراته، لم يقف موقفَ المستعلِي على الرأي، ولا المستكبر عن الحق، بل وقف على ملأ من المسلمين في يوم الجمعة، يعترف بما عساه يكون وقع فيه من أخطاء، ويرفع ضراعته إلى الله مستغفرا وتائبا، باكيا ومبكيا جميعَ الذين كانوا هناك يستمعون إليه وينصتون..!!

وأمام موقفه العظيم هذا، تبددت الموجة الأولى من الهجوم على المدينة، ذلك الهجوم الذي كان المتمردون قد انطلقوا به من مصر، حيث كان يقيم العديد من القبائل اليمنية التي شاركت في الردة من قبل، وبقِيتْ على همجيتها الجاهلية، ولم يكن للنظام والاستقرار الاجتماعي في تفكيرها موضع.

لقد كان سجلا من الأعمال الرائعة هذا الذي كتب فيه صحابة محمد صلى الله عليه وسلم خُطا مسيرتهم.. وجاء مَن بعدهم يُجِل ويحترم هذه المنزلة والمكانة الخاصة للصحب الكرام، خاصة السابقين منهم إلى نصرة الدين والعمل به وله. وكان الخليفةُ الراشدُ عثمانُ من هؤلاء السابقين، بل من خاصَّتِهم، فحضر أعظم المشاهد، ووقف في نصرة الدين ومؤازرة الرسول أجلَّ المواقف..

لكن عندما اشتعلت أصوات الاعتراض على الخليفة، لم يترك الثائرون بابا للعيب فيه إلا لمزوه منه، وعابوا عليه من خلاله، حتى حاولوا أن يَقلِبوا الحقائقَ، فاجتهدوا في التقليل من قيمة سَبْق عثمان إلى طاعة الله ورسوله ونصرة الدين، فقالوا: لم يحضر بدرا، وانهزم يوم أحد، وغاب عن بيعة الرضوان..

وقد زرعوا هذه الافتراءاتِ في نفوس الناس؛ حتى إن رجلا من أهل مصر جاء ليؤدي فريضة الحج، ورأى مجلسا لقريش، فسأل عن شيخهم، فأخبروه بأنه ابن عمر، وأخذ يسأله عن هذه الأمور التي صدَّقها هذا الرجل المسكين.

فأخذ ابن عمر يبين له، ويزيل مِنْ رأسه هذه الشبهات بقوله:"أما فراره يوم أحد فأَشهدُ أن الله عفا عنه، وغفر له، وأما تغيُّبه عن بدر فإنه كان تحته بنتُ رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ وكانت مريضة فقال له رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم: إن لك أجرَ رجلٍ ممن شهد بدرا وسهمَه.. وأما تغيبه عن بيعة الرضوان، فلو كان أحد أعزَّ ببطن مكة من عثمان لبعثه مكانه، فبعث رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ عثمان ..".

إن العناية التي بذلها عظيما الإسلام أبو بكر وعمر، وأتمَّها أخوهما وصِنْوُهما ذو النورين عثمان مِنْ جمعِ القرآن وتثبيتِه وتوحيدِ رسمِه، كان لهم بها أعظم المنة على المسلمين، وبها حقق الله وعده بحفظ كتابه كما قال سبحانه: ( إنا نحن نزلنا الذِّكْرَ وإنا له لحافظون) [ الحجر: 9] .

وقد تولى الخلافةَ بعد هؤلاء الشيوخ الثلاثة أمير المؤمنين عليّ فأمضى عملهم، وأقر مصحف عثمان برسمه وتلاوته، وفي جميع أمصار ولايته، وبذلك انعقد إجماعُ المسلمين في الصدر الأول على أن ما قام به أبو بكر وعمر وعثمان هو من أعظم حسناتهم.

وقد حاول بعض الناس أن يلوموا عثمان ـ رضي الله عنه ـ على أمره بإحراق المصاحف الأخرى، فقال لهم علي بن أبي طالب ـ رضي الله عنه:"لو لم يصنعه عثمانُ لصنعتُه أنا!".

ومما لا ريب فيه أن البغاة على عثمان أنفسَهم، وهم الذين أثاروا حوله هذه الفرية، كانوا في خلافة علي يقرأون مصاحف عثمان التي أجمع عليها الصحابة وعليٌّ منهم.

إن من الفقه بالإسلام أن تُفهَم روحُه جيدا عند النظر في نصوصه، وقد كان الخليفة الفقيه عثمان ابن عفان يراعي ذلك، فقد قصر رسول الله صلى الله عليه وسلم الصلاة في منى عام حجة الوداع، واستمر العمل على ذلك، حتى قصر عثمان نفسُه في خلافته عدة مرات..

وفي السنة السادسة من خلافته سمع أمير المؤمنين عثمان أن الناس افتتنوا بالقَصْرِ، وقصروا الصلاةَ في منازلهم دون أن يكون مرخصا لهم القصرُ، فرأى أن السُّنة ربما أدت إلى إسقاط الفريضة، فصلى بمنى وأتمَّ صلاتَه..

ومع أن بعض الصحابة أنكروا عليه تركَ القصرِ برفقٍ وأدبٍ، وأتمُّوا الصلاة مثله، خوفا على الأمة من اختلاف الكلمة إلا أن المتآمرين والثائرين أخذوا يروِّجون بين الناس أن عثمان ابتدع في الدين، وترك ما كان يفعله الرسول ـ صلى الله عليه وسلم ـ وصاحباه.

في السنة الثالثة والعشرين للهجرة أصاب خنجرُ أبي لؤلؤة النصرانيِّ المجوسيِّ الأصلِ أميرَ المؤمنين العادلَ عمرَ بن الخطاب في مقتل، فأصيب المسلمون من ذلك بحالة من الذهول؛ إذ رأوا أميرَهم الصالحَ الذي فتح الله الدنيا على يديه يُقتَل بهذه الصورة الحاقدة، وطاش عقلُ عبيدِ اللهِ بنِ عمرَ حين رأى الدم ينزف من جسد والده، فأمسك نفسه حتى نَفَذَ أمرُ الله في أبيه، ثم ثارت ثائرتُه فحمل سيفه، وراح يقتل كلَّ مَنْ ظن أنه متواطئ مع أبي لؤلؤة في جريمته، فقتل الهرمزانَ، وجُفينة النصراني، وابنة أبي لؤلؤة المجوسي، وهدد وتوعد بأنه سيقتل كلَّ من شارك في هذه الجريمة، مما سبب حالة فوضى بالمدينة..

عندها قام إليه سعد بن أبي وقاص، ونزع السيف من يده، وحبسه في داره، حتى ينظر الخليفة الجديد في شأنه، إذ ليس لأحد حقٌّ في إقامة الحدود ومعاقبة المشتركين في الجريمة إلا الإمام ونائبه.

فلما وَلِي عثمان ـ رضي الله عنه ـ استشار الصحابةَ في هذه القضية الشائكة، فاختلفت آراؤهم فيها، لكن لم يعطل حَدَّ الله، ودفع عبيدَ اللهِ إلى ابن الهرمزان ليقتله بأبيه، فمكَّنه منه على مَسْمَعٍ ومرأى من جموع الصحابة، وكفلوا له حرية اتخاذ القرار، وضمنوا له تنفيذه، لكن ابنَ الهرمزانِ ـ صاحبَ الحقِّ ـ عفا عن عبيد الله، وسَعِدَ الجميعُ بذلك.. عندئذ قام عثمان ـ تدفعه سجيَّتُه في الكرم ـ بدفع الدية من ماله الخاص، فرضي الجميع. ومع هذا أشاع مثيرو الفتنة أن الخليفة عطّل حد الله!!

عجيب أمر هؤلاء المنحرفين!! إنهم يبحثون عن أي شيء يفعله الخليفة لينسجوا حوله الأكاذيب، فعندما زاد درجات المنبر وعلا فوقه حتى يسمعه ويراه الحاضرون، قالوا: علا على درجة رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ لكي يسمع عامةُ الناس ذلك وغيرَه فيكرهوه لمخالفته للرسول ـ صلى الله عليه وسلم.

لقد كان مسجدُ رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ ضيقَ المساحة في عصر النبوة وخلافة أبي بكر، وكان من مناقب عثمان في زمن النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ أنه اشترى من ماله مساحة من الأرض وسع بها المسجد النبوي عندما ضاق بالمصلين ، ثم وسعه أميرُ المؤمنين عمر فأدخل فيه دار العباس بن عبد المطلب. ثم ازداد بعد ذلك عدد سكان المدينة وقاصديها فوسَّعه أميرُ المؤمنين عثمانُ مرة أخرى، وجعل طولَه ستين ومائةَ ذراعٍ وعرضَه خمسين ومائةَ ذراعِ، وجدد بناءه...

فاتساعُ المسجد، وازديادُ المصلين فيه، وبُعد أمكنة بعضِهم عن منبر الخطابة، يجوز أن يكون من ضرورات ارتفاع الخطيب ليراهم ويروه ويسمعوه. فإن صح أنْ علا عثمانُ على درجة النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ ليسمعه ويراه الحاضرون.. فهل في هذا ما يُحِلُّ انتهاكَ حرمته ودمه؟!

عجيب أمر هؤلاء المنحرفين!! إنهم يبحثون عن أي شيء يفعله الخليفة لينسجوا حوله الأكاذيب، فعندما زاد درجات المنبر وعلا فوقه حتى يسمعه ويراه الحاضرون، قالوا: علا على درجة رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ لكي يسمع عامةُ الناس ذلك وغيرَه فيكرهوه لمخالفته للرسول ـ صلى الله عليه وسلم.

لقد كان مسجدُ رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ ضيقَ المساحة في عصر النبوة وخلافة أبي بكر، وكان من مناقب عثمان في زمن النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ أنه اشترى من ماله مساحة من الأرض وسع بها المسجد النبوي عندما ضاق بالمصلين ، ثم وسعه أميرُ المؤمنين عمر فأدخل فيه دار العباس بن عبد المطلب. ثم ازداد بعد ذلك عدد سكان المدينة وقاصديها فوسَّعه أميرُ المؤمنين عثمانُ مرة أخرى، وجعل طولَه ستين ومائةَ ذراعٍ وعرضَه خمسين ومائةَ ذراعِ، وجدد بناءه...

فاتساعُ المسجد، وازديادُ المصلين فيه، وبُعد أمكنة بعضِهم عن منبر الخطابة، يجوز أن يكون من ضرورات ارتفاع الخطيب ليراهم ويروه ويسمعوه. فإن صح أنْ علا عثمانُ على درجة النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ ليسمعه ويراه الحاضرون.. فهل في هذا ما يُحِلُّ انتهاكَ حرمته ودمه؟!

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت