فهرس الكتاب

الصفحة 25 من 289

كان لابد للتغيرات الاجتماعية العميقة التي طرأت على بنية المجتمع، وظلت تعمل في صمت وقوة لا يلحظها كثير من الناس ـ كان لابد لها أن تظهر وتعلن عن نفسها وعن آثارها السلبية في المجتمع، وكان لابد لأسباب الفتنة وبواعثها التي كانت تعمل تحت السطح أن تطفو وتقفز على السطح، وقد حان الوقت للمتآمرين أن يحصدوا ما زرعوه؛ فظهرت بوادره في تمردٍ بالكوفة، وتمردٍ بالبصرة، وتمردٍ بمصرَ.

ونشط المتآمرون، فأوسعوا الأرضَ إذاعةً لإشاعات مغرضة، حتى بلغ صداها المدينةَ عاصمةَ الخلافة، فأوفَدَ الخليفةُ عثمان وفدًا يتقصَّى الحقائق، يذهب إلى الأمصار ويحقق في الأمر، ويرفع إليه بيانا عن حقيقة الوضع بها. ورجع الوفد ورفع بيانه إلى أمير المؤمنين كاشفا له زيفَ هذه الإشاعات وكذبَها وسلامةَ موقفِ ولاتِه وبراءةَ ساحتِهم.

ولم يكتف أمير المؤمنين بما قاله ونقله وفد التحقيق، بل أرسل إلى ولاته بالأمصار يدعوهم للتشاور معه وتدارس الموقف، وقد انتهى الاجتماع بتوصية عثمانَ أمراءَه بالرفق بالرعية، وإعطاءِ كلِّ ذي حق حقَّه. فكان ـ رضي الله عنه ـ يؤثر العافية والمسالمة في مواجهة زعماء الفتنة، على الرغم من علمه بما يدبرونه، فكان كثيرا ما يقول:"والله إن رَحَى الفتنةِ لدائرةٌ؛ فطوبَى لعثمان إن مات ولم يحركْها..."، فكانت هذه سياسته في مواجهة الفتنة؛ مما جعل بعض الناس يتهمونه تارةً بالضعف، وتارةً بأنه لم يكن حازما مع الثوار..

ولم يرتدعْ مثيرو الفتنة، وتمادوا في غيهم حتى نجحت فتنتُهم في بعض الأمصار، فخلعوا واليَ الكوفة، ونجح الثائرون في مصر في خلع واليهم والاستيلاءِ عليها، وجهَّزوا لزحفهم الأول على المدينة الذي تبدد أمام موقف الخليفة العظيم وحكمته.

كان لابد للتغيرات الاجتماعية العميقة التي طرأت على بنية المجتمع، وظلت تعمل في صمت وقوة لا يلحظها كثير من الناس ـ كان لابد لها أن تظهر وتعلن عن نفسها وعن آثارها السلبية في المجتمع، وكان لابد لأسباب الفتنة وبواعثها التي كانت تعمل تحت السطح أن تطفو وتقفز على السطح، وقد حان الوقت للمتآمرين أن يحصدوا ما زرعوه؛ فظهرت بوادره في تمردٍ بالكوفة، وتمردٍ بالبصرة، وتمردٍ بمصرَ.

ونشط المتآمرون، فأوسعوا الأرضَ إذاعةً لإشاعات مغرضة، حتى بلغ صداها المدينةَ عاصمةَ الخلافة، فأوفَدَ الخليفةُ عثمان وفدًا يتقصَّى الحقائق، يذهب إلى الأمصار ويحقق في الأمر، ويرفع إليه بيانا عن حقيقة الوضع بها. ورجع الوفد ورفع بيانه إلى أمير المؤمنين كاشفا له زيفَ هذه الإشاعات وكذبَها وسلامةَ موقفِ ولاتِه وبراءةَ ساحتِهم.

ولم يكتف أمير المؤمنين بما قاله ونقله وفد التحقيق، بل أرسل إلى ولاته بالأمصار يدعوهم للتشاور معه وتدارس الموقف، وقد انتهى الاجتماع بتوصية عثمانَ أمراءَه بالرفق بالرعية، وإعطاءِ كلِّ ذي حق حقَّه. فكان ـ رضي الله عنه ـ يؤثر العافية والمسالمة في مواجهة زعماء الفتنة، على الرغم من علمه بما يدبرونه، فكان كثيرا ما يقول:"والله إن رَحَى الفتنةِ لدائرةٌ؛ فطوبَى لعثمان إن مات ولم يحركْها..."، فكانت هذه سياسته في مواجهة الفتنة؛ مما جعل بعض الناس يتهمونه تارةً بالضعف، وتارةً بأنه لم يكن حازما مع الثوار..

ولم يرتدعْ مثيرو الفتنة، وتمادوا في غيهم حتى نجحت فتنتُهم في بعض الأمصار، فخلعوا واليَ الكوفة، ونجح الثائرون في مصر في خلع واليهم والاستيلاءِ عليها، وجهَّزوا لزحفهم الأول على المدينة الذي تبدد أمام موقف الخليفة العظيم وحكمته.

بدأت نُذُرُ السخط على عثمان تتجمع في العراق، وظهرت بذور الشر أول ما ظهرت في الكوفة، تلك المدينة التي أعْيَتْ من قبلُ عمرَ بنَ الخطاب، وكَثُرت اعتراضات أهلها على ولاتهم في عصره...

وغلب الشرُّ بهذه المدينةِ محاولات عثمانَ لعلاج الخللِ الاجتماعيِّ بها بتفضيل أهل السابقة والفضل وتقديمهم على من سواهم واختصاصهم بمجلسه، فكَثُر الكلام عن الوالي سعيد بن العاص والخليفةِ على ألسنة العوامِّ، أولئك البدو الذين دانوا بالإسلام حديثا، ولم يتأدبوا بمنهجه.

وظهرت بوادر الفتنة في دار الإمارة بمجلس أميرِهم سعيد بن العاص، عندما أثار بعضُهم فتنةً لأسباب واهيةٍ، مما كاد يهدد بالاقتتال بين مختلف القبائل، فأقسم سعيد ـ الذي نجح في تهدئة الأمور ـ ألا يجالسه هؤلاء السفهاءُ مرةً أخرى؛ فلما انقطع رجاؤهم من مجلس سعيد قعدوا في بيوتهم يذيعون الاتهاماتِ له ولعثمانَ، حتى لامه أهل الكوفة في أمرهم وتركِه إياهم، فاعتذر إليهم بأن الخليفة أَمَرَه ألا يحرك ساكنا في هذه الفتنة، فكتب أشراف أهل الكوفة إلى الخليفة يطلبون إخراجَ هؤلاء النفر من قادة الشغب عن الكوفة، فسيَّرهم عثمان إلى الشام وبها معاوية بن أبي سفيان. واختُلف في أمرهم بعد ذلك، فقيل: إنهم أظهروا صلاحا بعد مدة من استصلاح معاوية لهم، وقيل: بل تمادوا في غيهم وأحقادهم على قريش وما آلت إليه من عزٍّ وسؤْددٍ وغنى وثروة مما لم تنلْه قبائلُهم؛ فأعيا أمرُهم معاوية فأخرجهم من دمشق، وأوكل بهم عامله على حِمْصَ عبدَ الرحمنِ بنَ خالدٍ بنِ الوليدِ، فعنَّفهم حتى استقاموا، وأعلنوا توبتهم، وآثروا الإقامة بجواره، وكان ذلك سنة ثلاث وثلاثين للهجرة.

ظل عبد الله بن عامر واليا على البصرة كخير أمير في ولايته، يرفق بهم، ويسهر على راحتهم، ويذلل لهم الصعاب، إلى أن شكا المسلمون وأهل الذمة على السواء من حُكَيْم بن جبلة وكان لصًا خطيرًا أفسد في الأرض حتى وصلت شكواهم إلى أمير المؤمنين، فأمر عبدَ الله بن عامر بحبسه، ومن كان مثلَه فلا يخرجنَّ من البصرة حتى يُؤْنَسَ منه رشدٌ وتوبة، فحبسه فكان لا يستطيع أن يخرج منها.

وبعد مضي ثلاث سنين من إمارة ابن عامر، وفي أثناء تنقل ابن سبأ بين الأمصار قدم البصرة، ونزل على هذا اللص عند قبيلته عبد القيس، واجتمع إلى ابن سبأ نفر فأخذ يبث فيهم سمومَه، ويطرح لهم أفكاره ولم يصرحْ، فقبلوا منه واستعظموه، وتبع مذهبَه قومٌ منهم لهم قلوبٌ لا يفقهون بها، وكثيرٌ ممن طاشت عقولهم ...

وبلغ ابنَ عامر أن في عبد القيس رجلا نازلا على اللص المفسد حُكَيْم بن جبلة، فأرسل إليه وسأله: ما أنت؟ فأخبره أنه رجل من أهل الكتاب، رغب في الإسلام، ورغب في جوارك. فقال: ما يبلغني ذلك، اخرج عني، فخرج حتى أتى الكوفةَ، فأُخرِج منها فاستقر بمصر، وجعل يكاتبهم ويكاتبونه في البصرة والكوفة، ويتردد الرجال بينهم في كل بلد طُرِد منها ولا يستطيع دخولها.

كثير من الناس ينتظرون أن يحصدوا ثمار قرابتهم أو معرفتهم بالسلاطين والأمراء في صور مختلفة، أولها أن يضعوهم في المناصب العالية، ولو لم تكن عندهم القدرات والمواهب اللازمة لذلك، فإذا لم تتحقق آمالُهم انقلبوا أعداء شرسين لأصحاب السلطة، ليس مناصرةً للحق، ولكن حقدا وحزنا على آمالهم التي تبخرت!!

وقد كان هذا هو موقف محمد بن أبي حذيفة من أمير المؤمنين عثمان بن عفان، فقد مات والدُه أبو حذيفة بن عتبة شهيدا في العام الحادي عشر من الهجرة يوم اليمامة، فحَنَا عليه عثمانُ وكفله يتيما، ورباه في كَنَفِه، وحفظ فيه ذكرى أبيه الشهيد، فلما شب محمد أطمعَه رفقُ عثمان الذي كان قد تولى الخلافة، فسأله أن يوليه بعض المناصب، لكن الخليفة الراشد لم يره أهلا لذلك، فكان أنْ أعلن محمدُ بن أبي حذيفة الحرب على عثمان، وأخذ يؤلِّب الناس في مصر ضده.

وكذا فعل محمد بن أبي بكر، ذلك الرجل الذي كان أبوه أكبرَ مَنْ خَدَمَ الإسلامَ مع رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ وسكَّن فتنة الردة، وحفظ الله به الدين في أول تجربة صعبة للمسلمين بعد وفاة رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم.

ذهب محمد ومحمد إلى مصر ليؤلِّبا القبائلَ العربية هناك على عثمان، ولم يمنعْهما من ذلك ما كان فيه أهلُ مصر من جهاد الروم في موقعة ذات الصواري سنة إحدى وثلاثين من الهجرة، فأخذا يحرِّضان الناسَ حتى أفسدا أهلَ تلك الغزوة، وعابا عثمان أشد العيب، فأرسل عبدُ الله بنُ سعد إليهما ينهاهما أشدَّ النهي، وكتب إلى عثمان بخبرهما:"إن محمدا قد أفسدَ عليَّ البلاد هو ومحمد بن أبي بكر"، فرد عليه عثمان:"أما ابن أبي بكر فإنه يوهب لأبيه وعائشة، وأما ابن أبي حذيفة فإنه ابني وابن أخي وربيبي وهو فرخ قريش". فكتب إليه ابن سعد:"إن هذا الفرخ قد استوى ريشُه ولم يبق إلا أن يطير"!

وتواصل في مصر مع ذلك دور بعض المشبوهين من أهل الكتاب ممن انْدسُّوا في صفوف المسلمين، وربما كان على رأسهم هذا الشخصُ الغامضُ ابنُ سبأ، ونجح هؤلاء في التأثير على القبائل اليمنية التي جاءت في الجيش الفاتح لمصر. وراسل هؤلاء المشبوهون أتباعَهم ومَنْ انْخدع بهم في الكوفة والبصرة.

وفي سنة خمس وثلاثين من الهجرة كانت الشائعات حول الخليفة وولاتِه قد تردَّدت في نواحي الدولة الإسلامية، حتى وصلت إلى المدينة نفسِها، وكان المثيرون للفتنة طائفتين هما:

رجال من قبائل البدو المخدوعةِ الذين لا يقدِّرون عواقبَ الأمور، ويودُّون جَنْيَ المكاسب بإثارة الشر ضد قريش وسلطتها، ومعهم أفراد من قريش شبابٌ لا حلم لهم ولا عقل، نَقِمُوا على الخليفة عدمَ إعطائه إياهم المناصبَ الرفيعة.

والطائفة الثانية: هي مجموعة المنْدَسِّين من أهل الكتاب في الصف المسلم بقصد الشر والسوء..

والتقت أهداف الطائفتين في منتصف الطريق، وسلكوا لتحقيق أغراضهم كلَّ سبيل، حتى وضعوا كتبَ الاعتراض ضد الخليفة على ألسنة أمهات المؤمنين.

ها هو الخليفة عثمان يبذل ما في وسعه وطاقته من أجل أن يستوعب الفتنةَ، ويُخْمِدَ نارَها، قبل أن تشتعل فتحرق كل شيء، فأرسل إلى الأمصار ببعض رجالِ مُجتمعِهِ ذوي الثقة والاحترام بين الناس للتحقيق فيما يثيره أهل الأمصار ضد ولاتهم، فقد بلغتْ أنباءُ تمردِ الكوفة والبصرة ومصر أهلَ المدينةِ، فراحوا يسألون عثمان عن ذلك، فقال:"ما جاءني عن ولاتي إلا السلامة، وأنتم شركائي وشهود المؤمنين، فأشيروا عليَّ"، فأشاروا عليه أن يبعث رسلا من عنده للتحقق من هذه الشكاوى والمظالم المزعومة..

وبالفعل اختار الخليفةُ من أفراد هذه المهمة محمدَ بنَ مسلمةَ ـ الذي كان أمير المؤمنين عمرُ يأتمنه على محاسبة ولاته والتفتيش على الأقاليم وتقصّي أحوال الناس في كل بلد ـ وكانت وجهته الكوفة.

واختار عبدَ الله بن عمر ـ البقيةَ الصالحة من آل الخطاب، والإمامَ الفقيه الورع، الذي عرضت الإمارة عليه أكثر من مرة، ورفضها في كل مرة ـ وكانت وجهته الشام.

واختار عمارَ بن ياسر ـ المجاهدَ العظيم المبرور، بطل الأيام العصيبة في فجر الإسلام ـ ووجهته مصر.

واختار أسامةَ بنَ زيد ـ الحِبَّ ابنَ الحِبِّ، الذي كان الرسول - صلى الله عليه وسلم - يتهيأ للقاء ربه وهو يقول:"أَنْفِذُوا بَعْثَ أسامةَ"ـ وكانت وجهته البصرة.

اختار هؤلاء على رأس جماعة عَهِدَ إليهم بالسفر إلى الأقاليم والتحقق من مسلك كل والٍ وأميرٍ.

ووصل أولئك السفراء المبعوثون من الخليفة إلى الأمصار، وأخذوا يحققون في المظالم المزعومة والإشاعات بكل نزاهة وحياد، فرجعوا جميعا من مهماتهم عدا عمار بن ياسر الذي طال مُكثُه في مصر، وزعم الرواة أن أتباع ابنِ سبأ استطاعوا أن يستميلوه إليهم!!

وقدّم كل وفد تقاريره وما شهده، وما سمعه، فما كان هناك خطأ واحد يستوجب عزلَ أميرٍ!! وقالوا للخليفة:"ما أنكرنا شيئا، ولا أنكره أعلام المسلمين ولا عوامُّهم".

تعامل عثمان مع رعيته وعماله على الأمصار تعاملَ الأبِ الرحيم مع بنيه المحببين إلى قلبه، فأراد أن يجمع الأمةَ كلَّها حوله، بل أن يضعها في حِضنه الدافئ، لذلك لما اعترضت الأمصار على ولاتها دعا الخليفةُ ولاتَه إلى اجتماعٍ لتدارُس الأمر والتشاور فيه بعد انقضاء موسم الحج سنة أربع وثلاثين من الهجرة، وحضر عمرو بن العاص للمشاورة والاستفادة من رأيه..

فاستشار الخليفة ولاته، فأشار عليه سعيدُ بن العاص بالشدة على الثائرين الذين يتأكد من تآمرهم، وأشار عليه عبد الله بن سعد بن أبي سرح بأن يأخذ من الناس الذي عليهم إن أعطاهم الذي لهم. وقال معاوية: إن الرأي عنده حسنُ الأدب معهم. بينما قال عمرو بن العاص: أرى أنك قد لِنْتَ لهم؛ وتراخَيْتَ عنهم، وزِدْتَهم على ما كان يصنع عمر، فأرى أن تلزم طريق صاحبيك (أبي بكر وعمر) ، فتشتد في موضع الشدة، وتلين في موضع اللين، إن الشدة تنبغي لمَنْ لا يألو الناسَ شرا، واللين لمن يَخْلُفُ الناسَ بالنصح، وقد فرشتَهما جميعا اللينَ"."

وانتهى الاجتماعُ بوصيةِ عثمان أمراءَه بالرفق بالرعية، حتى تسكن الأمور، وتعود الأحوال إلى طبيعتها، لكنه كان يشعر بالزحف الحثيث لفتنة قاسية تمنى لو مرّت بسلام، ولو كان هو نفسُه ضحيةً لذلك.

ثم نهض، ونهض الأمراء إلى بلادهم بعد أن أقرهم على أعمالهم، وصَحِبَه معاوية وعبدُ الله بن سعد في عودته إلى المدينة، لكن الكوفة ومصر ثارتا ضد والييهما، ودعا معاوية الخليفة ليخرج معه إلى الشام حيث القوة والمنعة، لكنه رفض ذلك.

تعامل عثمان مع رعيته وعماله على الأمصار تعاملَ الأبِ الرحيم مع بنيه المحببين إلى قلبه، فأراد أن يجمع الأمةَ كلَّها حوله، بل أن يضعها في حِضنه الدافئ، لذلك لما اعترضت الأمصار على ولاتها دعا الخليفةُ ولاتَه إلى اجتماعٍ لتدارُس الأمر والتشاور فيه بعد انقضاء موسم الحج سنة أربع وثلاثين من الهجرة، وحضر عمرو بن العاص للمشاورة والاستفادة من رأيه..

فاستشار الخليفة ولاته، فأشار عليه سعيدُ بن العاص بالشدة على الثائرين الذين يتأكد من تآمرهم، وأشار عليه عبد الله بن سعد بن أبي سرح بأن يأخذ من الناس الذي عليهم إن أعطاهم الذي لهم. وقال معاوية: إن الرأي عنده حسنُ الأدب معهم. بينما قال عمرو بن العاص: أرى أنك قد لِنْتَ لهم؛ وتراخَيْتَ عنهم، وزِدْتَهم على ما كان يصنع عمر، فأرى أن تلزم طريق صاحبيك (أبي بكر وعمر) ، فتشتد في موضع الشدة، وتلين في موضع اللين، إن الشدة تنبغي لمَنْ لا يألو الناسَ شرا، واللين لمن يَخْلُفُ الناسَ بالنصح، وقد فرشتَهما جميعا اللينَ"."

وانتهى الاجتماعُ بوصيةِ عثمان أمراءَه بالرفق بالرعية، حتى تسكن الأمور، وتعود الأحوال إلى طبيعتها، لكنه كان يشعر بالزحف الحثيث لفتنة قاسية تمنى لو مرّت بسلام، ولو كان هو نفسُه ضحيةً لذلك.

ثم نهض، ونهض الأمراء إلى بلادهم بعد أن أقرهم على أعمالهم، وصَحِبَه معاوية وعبدُ الله بن سعد في عودته إلى المدينة، لكن الكوفة ومصر ثارتا ضد والييهما، ودعا معاوية الخليفة ليخرج معه إلى الشام حيث القوة والمنعة، لكنه رفض ذلك.

لما فرغ أمير المؤمنين من اجتماعه مع وُلاته للتشاور في موسم الحج، صحبه معاوية في الطريق إلى المدينة وهو في طريقه إلى الشام.

فلما قدماها جمع عثمان كبار الصحابة، فقام معاوية وانتهز الفرصة، ناصحا لهم، قائلا: أنتم أصحاب رسول الله ـ صلى الله عليه و سلم ـ وخِيرَتُهُ في الأرض، وولاةُ أمر هذه الأمة، لا يطمع في ذلك أحدٌ غيرُكم، اخترتم صاحبَكم عن غير غلبة ولا طمع، وقد كَبِرتْ سنُّه، وَوَلَّى عمرُه، ولو انتظرتم به الهَرَمَ كان قريبا؛ مع أني أرجو أن يكون أكرمَ على الله أن يبلغ به ذلك، وقد فَشَتْ (أي: انتشرت) قَالَةٌ خِفْتُها عليكم، فما عتبتم فيها من شيء، فهذه يدي ولا تُطْمِعُوا الناسَ في أمركم، فوالله إنْ طمِعوا فيها لا رأيتم منها أبدا إلا إدبارًا"."

فنهره عليّ بن أبي طالب، فقال عثمان:"صدقَ ابنُ أخي، وأنا أخبركم عني وعما وَلِيتُ: إن صاحِبَيَّ اللذَيْنِ كانا قبلي ظلما أنفسَهما ومَنْ كان منهما بسبيلٍ؛ احتسابًا، وإن رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ كان يعطي قرابته، وأنا في رهطٍ أهلِ عَيْلةٍ وقلةِ معاشٍ، فبسطت يدي في شيء من ذلك لما أقوم به فيه، ورأيت أنَّ ذلك لي؛ فإنْ رأيتم ذلك خطأً فرُدُّوه، فأمري لأمركم تَبَعٌ"فقالوا: قد أصبْتَ وأحسنْتَ.

-يا أمير المؤمنين، انطلق معي إلى الشام قبل أن يهجم عليك مَنْ لا قِبَلَ لك به، فأهلُ الشام أهلُ طاعة ونجدة..

-"أنا لا أبيع جوار رسول الله ـ صلى الله عليه و سلم ـ بشيء، وإن كان فيه قَطْعُ خَيْطِ عُنُقِي".

هكذا جرى الحوارُ بين معاوية بن أبي سفيان والخليفة الصالح عثمان بن عفان، ولعل وجهةَ النظر الأولى كانت تضمن حمايةَ الخليفةِ، لكنها كانت ستُعرّض الدولةَ لخطرِ الانشقاق، وربما أسهمت في إثبات التهم الباطلة الموجهة إلى أمير المؤمنين، والخليفةُ رجل زاهد في البقاء في الحياة، فهو يحمل فوق ظهره أكثر من ثمانين عامًا، ويدري أن الدنيا قصيرٌ أمدُها.. كما داعبَتْ خيالَه بُشرى الشهادةِ التي بشره بها النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ فوق جبلِ أُحُد..

ويبدو أن معاوية كان رجلَ هذه اللحظة من الزمن؛ حيث أضحى الناس ـ كثيرٌ منهم ـ في حاجة إلى سلطان يجمعهم بالقوة واللين معا، ويقرّبهم إليه ويحتاط منهم، ويقدم القوةَ في مواضعَ على الِّلين والرفقِ..

وأشار معاوية على الخليفة بأن يرسل إليه من جنود الشام مَنْ يَحْميه، لكن عثمان خشي أن يضيّق على أهل المدينة معايشَهم وأرزاقَهم، فأبَى ذلك أيضا..

فقال معاوية بعد أن فاض به الكيل: والله يا أمير المؤمنين، لتُغتَالَنَّ أو لتُغْزَيَنَّ!! فقال بثبات: حسبي الله ونعم الوكيل.. فمضى معاوية إلى الشام بعد أنْ أوصى بخليفته جماعةً من كبار الصحابة..

كأنهم كانوا على موعد، بل هم بكل تأكيد كانوا على موعد، أولئك هم الثائرون في مصر والكوفة والبصرة، إذْ لم يُعجِبْهم قرار الخليفة بالإبقاء على الوُلاة، فاتجهوا إلى المدينة ليعترضوا على عثمان نفسه، وفي نفوسهم ما فيها من البحث عن موضع قدم لهم ولأقوامهم، ومزاحمة قريش ورجالها في الحكم والسلطان..

وجاءوا الحجاز في رجب من سنة خمس وثلاثين من الهجرة يُظهرون أنهم يريدون العمرةَ، وفي نيتهم مناظرةُ الخليفة ومناقشتُه لإثبات خَطَئِهِ ومجاوزته الحقَّ والصوابَ، وبالرغم من أن الخليفة يَدري أن هذه ليست هي الوجوه التي تأتي بخير، فإنه أذن لهم في الحوار معه ومناقشةِ ما عندهم، وأبدى رأيَه أمام جموع الصحابة وسكانِ أهل المدينة، وأقنعهم في جوٍّ من الحرية، ورد على كل شُبهاتهم. وبالرغم من طلبِ جماعةٍ من الصحابة معاقبةَ هؤلاء المتمردين وتأديبَهم، فإن الخليفة صَفَحَ عنهم، فرجعوا إلى بلادهم.

وأمام موقفه هذا، تبددت الموجة الأولى من الهجوم على المدينة، ولكن كان هذا الزحفُ الأولُ على عاصمة الخلافة نذيرًا بزحف آخر، وعاصفةٍ أشدَّ، تسرق من المسلمين الاستقرار والطمأنينةَ الاجتماعية العميقة التي حققها الإسلام لهم، وبادرةً لأعاصير أخرى مدمرة زاحفة.

واقتنع الخليفة من هذه التجربة بأنه لم يَعُدْ من حقه أن يتنازل عن ذرةٍ من هيبة الدولة وسلطانها، ومهما يكن هناك من مآخذ؛ فإن إقرار هذا السلطان هو الواجب الأول والأهم أمام الفوضى الجارفة، التي لم تتمثل في التهجم على شخصِ الخليفة، ومجابهته بقبيح القولِ وفاحشِ السِّبابِ فحسْب، بل تمثلت في تهديد الدولة بقوة السلاح..‍‍‍‍!!

وعندها تزدحم تمامًا صور الثبات الباهر للخليفة، وناهيك عن مواقفه العظيمة!!

ومع أن صوتَ الفتنة كاد أن يخمد أو يهدأ كثيرًا بعد لقاء الخليفة مع الثائرين، إلا أنهم اتفقوا على أن يعودوا إلى المدينة مع الحجاج في شوال من سنة 35 هـ؛ فعادوا لا ليناقشوا عثمانَ ولكن لحصارِه والاعتداءِ عليه وتَنْحِيَتِهِ..

ــــــــــــــ

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت