فهرس الكتاب

الصفحة 27 من 289

بعد مقتل عثمان ـ رضي الله عنه ـ استقبل المسلمون أمرًا له وَجْهٌ وله ألوانٌ، لا تقوم له القلوب، ولا تثبت عليه العقول..

فما زالوا بعليٍّ ـ رضي الله عنه ـ يَعْرِضُون عليه الخلافةَ حتى قَبِلَهَا، فتمَّت البيعةُ في ظل ظروف صعبة وحرجة في تاريخ الأمة الوليدة.

وهكذا حمل الإمام عليٌّ الحِملَ الكبيرَ ـ منصبَ الخلافةِ ـ فجاءتْه الخلافةُ مُثْخَنَةً بالجِراح، مثقلةً بالمتاعب؛ إذْ واجه المشكلاتِ منذ ولِيَهَا، خاصة بسبب رأيه في قسمة العطاء، وتأجيل القِصاص من قَتَلَةِ الخليفة، وعزله عُمَّالَ عثمان.

كل هذا سبَّبَ له المتاعب والمشاقَّ الجسامَ، فتحمَّلها في جَلَدِ الصابرين، وتعامل معها بضميرٍ بلغ الكمال في استقامته وتقواه؛ فأتت الأحداث والأهوال عاصفةً، بدءًا بموقِعَةِ الجَمَلِ، ومرورًا بحرب صِفِّين، وظهور الخوارج، وتغيُّرِ أوضاعِ خلافتِه بعد النهروان، وعصيان أهل الكوفة له وانتهاءً بمقتله ـ رضي الله عنه.

كل هذه الأحداث كافيةٌ أنْ تقتلع الجبال، لكن الإمام عليًا أَبَى أن يَحيد عن الحق برغم الأهوال، أبَى أن يتبع الهوى؛ ولْتَبْذُلِ الدنيا له كلَّ زينتها وبهجتها وإغرائها، فإنه لن يربط بها أملا ولا رجاءً؛ فإن طول الأمل يُنسي الآخرة.

ولقد أحاطت به العواصف والأعاصير لكي تُزِيغَه في ظلامها عن الطريق، أو تُفْقِدَه بعضَ رشدِه، أو تَشْغَلَه عن غاياته ومبادئه.. فما زاغ عن الطريق.. ولا فَقَدَ الرُّشْدَ.. ولا سَئِمَ صحبةَ مبادئِه.. وحين أدركه الموت وجده عملاقًا يحمل رايتَه..!!

تمت بيعة عليّ بن أبي طالب في ظل ظروف صعبة، إذْ كان الصحابة عند مقتل عثمان متفرقين في الأمصار، فلم يشهدوا البيعةَ، والذين شهدوا؛ فمنهم مَنْ بايَعَ، ومنهم مَنْ توقف حتى يجتمع الناسُ ويتفقوا على إمام، كسعد بن أبي وقاصٍ وسعيدِ بن زيد وعبد الله بن عمر وأسامة بن زيد والمغيرة بن شعبة وعبد الله بن سلام وأبي سعيد الخدري وكعب بن مالك والنعمان بن بشير وحسان بن ثابت ومَسْلَمَة بن مُخَلَّد، وأمثالِهم من أكابر الصحابة..

والذين كانوا في الأمصار عَدَلُوا عن بيعته أيضا إلى الطلب بدم عثمان، وتركوا الأمر حتى يكون شورى بين الناس لمن يولُّونه، وظنوا بعليّ سكوتا عن نُصرة عثمان من قاتِلِيه..

ثم اختلفوا في مواقفِهم بعد ذلك؛ فرأى عليٌّ أن بيعتَه قد انعقدتْ ولَزِمتْ مَنْ تأخر عنها باجتماع مَن اجتمع عليها بالمدينةِ؛ دارِ النبيِّ ـ صلى الله عليه وسلم ـ وموطنِ الصحابةِ، وأرْجَأَ الأمر في المطالبة بدم عثمانَ إلى اجتماع الكلمة واتفاقها، ليتمكن حينئذ من ذلك.

ورأى آخرون أن بيعته لم تنعقدْ؛ لافتراق الصحابة أهلِ الحَلِّ والعَقْدِ بالآفاق، فلم يحضر البيعة إلا قليل، وهي لا تكون إلا بعلم واتفاق أهلِ الحَلِّ والعَقْدِ، ولا تلزم بعقْدِ مَنْ تولاها من غيرهم، أو من القليل منهم.. وذهب إلى هذا معاوية وعمرو بن العاص وأمُّ المؤمنين عائشةُ والزبير وابنه عبد الله وطلحة وابنه محمد وسعد بن أبي وقاص وسعيد بن زيد والنعمان بن بشير..

إلا أن أهل العصر الثاني مِنْ بعدِهم اتفقوا على انعقاد بيعة عليّ ولزومها للمسلمين أجمعين وتصويبِ رأيِه.. مع دفْعِ التأثيم عن كلٍّ من الفريقين.

المناصب عند بعض الناس غنيمةٌ، وعند بعضهم الآخر حِمْلٌ ثقيل.. أما عند علي بن أبي طالب فقد كانت ـ في الظروف التي تولى فيها ـ أكثرَ من حِمْلٍ ثقيل، فالخليفة الشهيد عثمانُ لم تجف دماؤه بعدُ، والناس ـ وعلى رأسهم كثير من الصحابة ـ يَستعجلون قتل الْقَتَلَةِ.. والحزنُ يجتاح النفوسَ على عثمان اجْتِياحًا..

وقد سعى قَتَلَةُ عثمان في إتمام البيعة لعلي، ليُوقِعوا الخلافَ بين الصحابة، فنجحوا في ذلك، إذْ نَفِرَ جماعة من كبار الصحابة من البيعة لعليّ، لا غضًا من شأنه، ولكن تَخَوُّفًا من الدخول تحت سيطرة هذه العصابة دخولًا يتعذَّر الخروجُ منه. ومن هؤلاء الصحابة من المهاجرين والأنصار: عبد الله بن عمر وسعد بن أبي وقَّاص وصهيب بن سنان الرومي وزيد بن ثابت ومحمد بن مسلمة وسلمة بن سلامة بن وقْش وأسامة بن زيد وعبد الله بن سلام والمغيرة بن شعبة وحسان بن ثابت وكعب بن مالك ومَسْلَمة بن مُخَلَّد وأبو سعيد الخدري والنعمان بن بشير ورافع بن خُدَيج وفُضالة بن عبيد، ناهيك عمن فَرَّ مِنْ بني أميَّة بعد سيطرة الثُّوار على المدينة وقَتْلِ عثمان، مثل مروان بن الحكم والوليد بن عقبة وسعيد بن العاص وآخرين.

ولما عَظُمَتْ الفتنةُ وكان القتال بين عليّ وبين أصحاب الجمل، وبينه وبين أهل الشام تخلف عن الحرب كثيرٌ من المهاجرين والأنصار، وجمهورٌ من الصحابة لَزِمُوا بيوتهم.

كان أبو بكر الصدّيق يسوي بين الناس في تقسيم المال؛ الحر والعبد والذكر والأنثى والصغير والكبير، فلما كلَّمه الناس ليفضِّل أصحابَ بدر، قال لهم: فضائلُهم عند الله، وأما هذا المعاش فالسويّة فيه خير من الأَثَرَةِ. فعمل بهذا طوال ولايته.

ولما ولي عمر فضَّل المهاجرين والأنصارَ في تدوين الدواوين وتقسيم العطاء. وسار عثمان من بعده على هذا النهج..

أما عليّ فقد أعاد في خلافته طريقةَ أبي بكر في تقسيم العطاء، فأعطى جميعَ الصحابة والمسلمين بالسويّة دون تفريقٍ بين مَنْ سَبَقَ إلى الإسلام، ومَنْ جاء متأخرا، وقسم ما في بيت المال على الناس، ولم يُفَضِّلْ أحدًا على أحد، وكان لا يدع في بيت المال شيئا يبيت به حتى يقسمه، وكان يكنس بيت المال بعد ذلك بيده، ثم يصلي فيه ركعاتٍ رجاءَ أن يشهد له يوم القيامة أنه لم يحبس فيه مالًا عن المسلمين.

لقد رأى ـ رضي الله عنه ـ أن التفاوتَ في العطاء من شأنه أن يَخلُق فرصًا لتراكم الثروات لدى بعض الأفراد، مما يشكل مع الزمن فتنةً في الدين وفسادا في الدنيا. وقد صار لكثيرٍ من الناس حدائق وممتلكات وتجارة عريضة وثروات وقصور جعلت منهم طبقة متميزة بثرائها ونفوذها عن سائر المسلمين.

ولم يزد عليّ فيما فعل على أن اتبع نَهْجَ أبي بكر، مما أغضب أشراف العرب لمساواتهم بالموالي في العطاء، فأثّر ذلك على علاقته بالناس. واعتبر بعضُ المؤرخين أن ذلك كان سببا في تفرق الناس من حوله، وانتهاج أهل العراق معه نهجًا جديدًا من الخذلان وترك النُّصرة.

كثير من الأعمال تحتاج في القيام بها إلى تَأَنٍّ وانتظارٍ للظرف المناسب، لذلك قد تختلف وجهاتُ النظر كثيرا بين أصحاب الطريقة الواحدة والمنهج الواحد بسبب مثل هذه المسائل، وهذا هو شأن الخلاف بين أمير المؤمنين عليّ بن أبي طالب وبين العديد من الصحابة، فقد كانوا يقولون بوجوب القصاص من قَتَلَةِ عثمان ويتعجلون تنفيذ ذلك، ولم يكن رأيُه مخالفا لرأيهم، غير أنه كان يرى التأنِّي والانتظارَ حتى تستقر الأمور، وتموت الفتنة في مواضعها، فقد كان أنصارُ البُغَاة قوةً لا يُستهان بها..

لم يكن علي ـ رضي الله عنه ـ أقلَّ من إخوانه الصحابة حرصا على إقامة الحد على القتلة، لكن هذه الخطوة كان يجب ـ فيما يرى هو ـ أن تَسبِقها خطوةٌ أخرى، هي تسكين الفتنة، حتى يستقر الحكم الجديد ويَشْتَدَّ عُودُه ويَقوَى على إقامة الحدود دون أن يتسبب ذلك في فتنة أكبرَ وأشدَّ هَوْلًا.

وإزاء موقفِه هذا من القصاص سَرَتْ في بعض النفوس مخاوفُ من مهادنة هؤلاء الثائرين السبئيّة فتموت القضية، كما هربت جماعات من بني أمية خشية أن ينالهم أذى من القتلة الآثمين، وحَالَ عليٌّ دون خروج قريش من المدينة، فَبِهِمْ يَتَقَوَّى على مَنْ خالَفَهُم، وبهجْرِهم المدينةَ يتركونها لسيطرة المنحرفين، وبدأ في اتخاذ ما يطمئنهم إلى جدّيته في التصدي للقتلة وإضعاف شوكتِهم؛ بإرجاع العبيد إلى مواليهم، والأعراب إلى أماكنهم، لكن الثائرين والأعراب ثاروا واعترضوا وامتنعوا عن ذلك، فأدرك كبارُ الصحابة خطورةَ الموقف وقوةَ بأْسِ السبئيّة في المدينة، وفكروا في حلول جديدة للقضاء عليهم، فاقترح طلحة على عليٍّ أن يوليه البصرة، واقترح الزبير أن يوليه الكوفة ليَقْدموا عليه بالخيل والجُنْدِ الكثيف ليُعيد الأمورَ إلى نصابِها، ولكنه استمْهَلَهُمَا حتى يرى رأيَه في شأن ولاةِ عهدِ عثمان ـ رضي الله عنه ـ والذي انتهى فيه إلى قرارٍ بعزلهم وتولية غيرهم.

أصبح طلحةُ والزبيرُ بعد دخول البصرة وفي أيديهما بيت المال والحرس، والناس معهما، ومن لم يكن معهما فَمَغْمورٌ مُسْتَسِرّ، وبلغ ذلك حُكَيْمَ بنَ جَبَلَةَ، فأقبل في خيْله على رجال فيمن تبعه مِن عبد القيس ومَنْ مال إليهم من ربيعة، ثم توجّهوا نحو دار الرّزق وهو يقول: لستُ بأخيه إن لم أنصرْه (يقصد عثمان بن حنيف) ، وجعل يشتم أم المؤمنين عائشة، فسمعتْه امرأةٌ من قومه، فقالت: يا ابنَ الخبيثة، أنت أوْلى بذلك، فطَعنها فقَتَلَها، فغضبتْ عليه عبدُ القيس، ورجعوا وتركوه..

ومضى حُكَيْمُ بن جَبَلَةَ فيمن غزا معه عثمانَ بنَ عفانَ وحاصره من نزَّاع القبائل كلها، وعرفوا أن لا مقام لهم بالبصرة، فاجتمعوا إليه، فانتهى بهم إلى الزَّابوقة عند دار الرزق، وقالت عائشة ـ رضي الله عنها:"لا تقتلوا إلا مَنْ قاتلكم، ونادُوا مَنْ لم يكن من قَتَلَةِ عثمان، فلْيَكْفُفْ عنا، فإنا لا نريد إلا قَتَلَةَ عثمان، ولا نبدأ أحدا".

فأنشَبَ حُكَيْمٌ القتالَ، ولم يهتم بالمنادِي، فقال طلحةُ والزبير:"الحمد لله الذي جمع لنا ثأرَنا من أهل البصرة، اللهمَّ لا تُبْقِ منهم أحدًا، وأَقِدْ منهم اليوم فاقتلهم".

فاقْتتلوا أشدَّ قتال، وقُتِلَ حُكَيْمُ ومَنْ معه، ولم يَنْجُ من الظالمين إلا حُرْقُوصُ بن زُهير في نفرٍ مِن أصحابه، فلجأوا إلى قومهم، ونادَى منادِي الزبير وطلحة بالبصرة: ألا مَنْ كان فيهم من قبائلكم أحدٌ ممن غَزَا المدينةَ فلْيَأْتِنَا بهم، فجيء بهم كما يُجاء بالكلاب فقُتلوا، فما أفلت منهم من أهل البصرة جميعا إلا حُرْقُوص بن زهير، فإنَّ بني سعد قبيلتَه منعوه، فمَسَّهُم في ذلك أمرٌ شديدٌ، حتى اعتزلوا.

وأقام طلحة والزبير ليس معهما بالبصرة ثأر إلا حُرْقُوص، وكتبوا إلى بقية الأمصار أن يفعلوا فعلتَهم، وأن يقتلوا مَنْ عندَهم من قَتَلَةِ عثمان. وقد ترك هذا الثأرُ نقمةً في قلوب القبائل التي قُتل أبناؤها.

وكانت هذه الوقعة لخمس ليالٍ بَقِين من ربيع الآخر سنة ست وثلاثين من الهجرة.

لم يكن الميراث الجاهلي قد انْمَحَى من نفوس القبائل التي دَخلت في الإسلام متأخرةً، لذا علا صوتُ النِّقْمة لديْها على جيش طلحة والزبير حينما قُتل أبناؤهم الذين شاركوا في الخروج على عثمان وحصاره وقَتْلِه..

وسيطرت الفوضَى على البصرة، وانْفَرَطَ عِقْدُ النظام بها، وهاج الناس وماجُوا بها، ولم يُفِد الأخذُ بالثأر بهذه الطريقة؛ لأنه لم يَقُمْ به الوالي الشرعيُّ نفسُه، بل قامت به طائفة صالحة من أبناء المجتمع، لا ترى بقيةُ المجتمع حقًا لها في أنْ تقوم به منفردةً عن السلطان.

وقد دفع الحالُ الزبيرَ إلى أن يقول:"إن هذه الفتنةُ التي كنا نتحدث عنها، فقال له خادمه: أتسمِّيها فتنةً وتقاتل فيها؟!! قال: ويْحك!! إنَّا نُبْصِرُ ولا نُبْصِرُ، ما كان أمرٌ قطٌّ إلا علمتُ موضعَ قدمي فيه، غيرَ هذا الأمر، فإني لا أدري أَمُقْبِلٌ أنا فيه أم مُدْبِرٌ!!"

كان عزل عليٍّ لعمَّال عثمانَ على البلاد والأمصار شرارةً أشعلت نيران فتن جديدة، وأجَّجَتْها في أرجاء الدولة الإسلامية، حتى لم يعد النزاع بين أهل الفتنة وبين جمهور المسلمين، بل اشتبك أبناء المجتمع الواحد بعضه ببعض، وكان هذا في البداية خلافا في الرأي، ثم تدخلت شياطين الإنس حتى وقع الاقتتال..

لقد عزل عليٌّ عمَّالَ عثمان على الولايات الكبرى؛ مصر والشام والكوفة والبصرة، وقد دفعه إلى اتخاذ هذا القرار افتقادُ الثقة بينه وبين هؤلاء العُمال بفعل الدعاوى السبئيّة، ورغبته في تهدئة الثورة، فوجد أن من اللازم عزل هؤلاء، وإرسال عمال جدد على الأمصار يثق بهم.

وقد نصحه بعض الصحابة بعدم التسرع باتخاذ هذا القرار؛ إذْ سيضيف إلى رصيده مزيدًا من الأعداء في وقت يحتاج فيه إلى كل نصير.

وفي مطلع العام الجديد ـ السادس والثلاثين من الهجرة ـ أرسل عليٌّ وُلاته الجدد، فنجح بعضُهم وأخفق بعضُهم الآخر في تولي ولاياتهم. وحاول عليٌّ علاج الأمر؛ فكتب إلى أبي موسى الأشعري أمير الكوفة وإلى معاوية بالشام كتابَيْن يتعلقان بأمر البَيْعَةِ له، وقد بادر أبو موسى بأخْذِ البيعة له من أهل الكوفة، فأقره عليٌ عليها، لكن معاوية تأخر عن الجواب، ينتظر ما تؤول إليه الأمورُ، خاصة أمر العُصاة بالمدينة. وهكذا خضعت دارُ الهجرة مركزُ الدولة، والأمصارُ كلُّها لأمير المؤمنين عليّ بن أبي طالب باستثناء الشام التي كان يُسَيِّرُ أمورَها معاوية الذي امتنع عن البَيْعة.

وأدرك عليٌّ أنَّ حَمْلَ معاوية على البيْعَةِ سِلْمًا غيرُ ممكن، فأخذ يُعِدُّ العُدَّةَ لحمله على البيعة جبرًا باعتباره خارجًا على طاعة الخليفة، وبينما هو يستعد لذلك، جاءتْه أخبارٌ أخرى مفزِعة من مكة تخبره بمَسِير أمِّ المؤمنين عائشةَ وجماعتِها إلى البصرة.رجع عامل عليّ من الشام دون أن يتمكن من تولِّي الأمر، فكتب عليٌّ إلى معاوية يطالبه بالبيعة، فطلب معاوية مُهْلَةً من الرسول، ولم يكتب جواب رسالته، حتى إذا كان الشهر الثالث من مقتل عثمان، أي: في صفر سنة ست وثلاثين، دعا معاوية رجلًا من بني عبس فدفع إليه كتابا مختوما عنوانه:"من معاوية إلى عليٍّ"، ثم أوصاه بما يقول، وسرحه إلى عليّ مع رسوله، فلما دخل المدينة ورفع الكتاب للناس فرأوا عنوانه عَلِمُوا أن معاوية يأبَى البيعةَ، وقال رسوله لعلي:"إني تركتُ قوما لا يرضَوْنَ إلا بالْقَوَدِ، فقال علي: ممن؟ قال: من نفسِك، وتركتُ ستين ألفَ شيْخٍ يبكي تحت قميص عثمان وهو منصوبٌ لهم؛ قد ألبسوه مِنْبَرَ دمشقَ! فقال علي: منِّي يطلبون دَمَ عثمان؟!.. اللهم إني أَبْرَأُ إليك من دَمِ عثمان، نَجَا والله قَتَلَةُ عثمانَ إلا أنْ يشاء الله..!!"

فخرج الرسول فاعترضه السبئيّة (أتباع عبد الله بن سبأ) مُثِيرُو الفتنةِ يَصيحون: هذا الكلبُ، هذا وافدُ الكلابِ، اقتلوه، فنادى الرجل:"يا آلَ مُضَرَ، فحَمَتْه مُضَرُ، وجعل يقول لهم: إني أحلف بالله ـ جلَّ اسمُه ـ ليَرِدَنَّها عليكم أربعةُ آلاف خصِيٍّ، فانظروا كم الفُحولة والرِّكاب"! والمُضَرِيُّونَ يُسكِتونه فلا يسكت. وجعل يَهتف بهم: لا والله لا يفلح هؤلاء أبدا، فلقد أتاهم ما يُوعدون، وقد حل بهم ما يَحْذَرونَ.. فمازال بهم حتى عرف الذل فيهم.

دارت مراسلاتٌ عديدة بين عليٍّ ومعاوية يطلب الأول من الآخر مبايعتَه بالخلافة، والإذعانَ لأوامره، باعتباره الخليفةَ الشرعيَّ الذي بايعه معظمُ الصحابة في المدينة، في حين يطلب الثاني من الأول القصاصَ من قَتَلَةِ عثمانَ ابنِ عمِّه أولًا باعتباره من أولياء دَمِهِ، وبعد ذلك ينظر في أمر بيعته.

ولم يكن موقفُ عليٍّ من القصاص موقفَ المُعَطِّلِ له، ولكنه كان يودُّ إرْجاءَ إقامةِ حدِّ الله الذي سيُقام حتما ـ حتى تتهيَّأ الظروفُ المناسبة، وتخمدَ نارُ الفتنةِ. ولكن معاوية تمسك بالقصاص أولا، وجعله شرطا لازمًا يسبق البيعة؛ لذا امتنع عن مبايعة عليٍّ، وأبَى خلافتَه؛ لأنه ظن فيه عدم الجدِّية في الانتصار لعثمان من قاتِليه، ومعاوية يرى لنفسه حقًا أصيلًا في القصاص من قَتَلَةِ عثمان؛ لأنه من أوليائه، والله ـ تعالى ـ يقول: ( ومَنْ قُتِلَ مظلومًا فقدْ جَعلْنا لِوَلِيِّهِ سُلطانًا فَلا يُسْرِفْ في القتْلِ إنَّه كانَ منصورًا ) [ الإسراء: 33 ] . ولم يَرَ في الامتناع عن البيعة خروجًا على الإمام؛ لأنه اعتقد أن بيعة عليٍّ لم تنعقدْ بعدُ؛ حيث لم تكن بإجماع أهل الحَلِّ والعَقْدِ.

أما أمير المؤمنين عليٌّ فهداه اجتهادُه إلى غير ذلك، إذْ رأى أن بيعته قد انعقدت، وأن الوالي ليس عليه إلا أن يُبايع هو وأهلُ مِصْرِهِ إذا بايع أهلُ المدينة، وقد بايعوا، فلماذا إذًا امتناعُه؟ وهل هو من أهل الشورى ليُؤْخَذَ رأيُه في البيعة؟

وقد عزله الخليفةُ المُبَايَعُ فلم يمتثل؛ فعُدَّ خارجًا على الإمام؛ لذا أخذ عليٌّ يُعِدُّ لقتال أهل الشام.

لما أرسل عليٌّ الولاةَ إلى الأمصار، إذا بواليه سهلِ بنِ حُنيف الذي أرسله إلى الشام ليخلف معاوية ـ يعود إليه وقد فشل في تَوَلِّي الأمر، وعليٌّ الذي عُرف بالشدة والحسم أبَى إلا الحق ـ كما رآه ـ فقرر قتالَ معاوية؛ وعَدَّ خلافَه بَغْيًا وخروجا عن الطاعة بعدما انعقدت بيعته بِمَنْ بايَعَ، فلزمت مَنْ لم يبايعْ.

وأرسل عليّ إلى أهل الأمصار يستنفِرُهم لقتال معاوية، وشرع في التهيُّؤ والتجهّز، وخطب في أهل المدينة ودعاهم إلى النهوض لقتال"أهل الفُرقة"، ولكنه رأى تثاقلا منهم عن الخروج معه، فلم يجبر أحدًا، وإنما سار بِمَنْ نَهَضَ معه.

وجاء إليه ابنُه الحسنُ ينصح بعدم الإقدام على القتال صونا لدماء المسلمين، فقال:"يا أبة، دَعْ هذا، فإن فيه سفك دماء المسلمين، ووقوع الاختلاف بينهم"، فلم يقبل منه ذلك، وأصرَّ على القتال، ورتَّبَ الجيشَ، ودفع اللواء إلى ابنه محمد بن الحنفيَّة، وولَّى عبدَ الله بن عباس ميمنتَه، وعمرَ بن أبي سلمة ميسرته، وجعل على مقدمته أبا ليلى بنَ عمرو بنِ الجراح ابنَ أخي أبي عبيدةَ، واستخلف على المدينة قثم بن العباس.

ولم يُوَلِّ أحدًا ممن خرج على عثمانَ، لا على الأمصار ولا على أجناد الجيش، وفيهم الأشِدّاء وذَوُو البأس.

ولم يبق شيء إلا أن يخرج من المدينة قاصدا الشام، حتى جاءه ما شغله عن ذلك كله، وهو خبر خروج عائشة وطلحة والزبير إلى البصرة، فقرر أن يخرج أولا إلى العراق للقائهم.

قد يختَلِف اثنان في وجهات النظر، لكن ذلك لا يعني بالضرورة وجودَ بغضاء أو كراهية بينهما، وقد يذهبان أبعدَ من ذلك فيتصرّفان بناء على وجهات النظر المختلفة، وهذا أيضا ينبغي ألا يُورث حقدًا أو كراهيةً بين الطرفين..

وقد كان قَتْلُ عثمان ـ رضي الله عنه ـ فاجعةً، زاد من ألمها أنها وقعت في أيام الحج، حين كان أزواج النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ يؤدِّين الفريضة قُربَى إلى الله، وفرارا من الفتنة، فلما بلغ الناسَ ـ وفيهم أمهات المؤمنين ـ أن عثمان قُتِلَ، أقاموا بمكة، واستأذن طلحة والزبير عليا في العمرة، فأذِنَ لهما، فخرجا إلى مكة، وتبعهم خلق كثير وجَمٌّ غفيرٌ من بني أمية وكل من أغضبه قَتْلُ عثمان، وتساقَطَ الهُرَّابُ إليها.

وقَدِمَ إلى مكة من اليمن يَعْلَى بنُ أمية، وكان عاملا عليها لعثمان، وقدم إليها أيضا عبد الله بن عامر من البصرة.

والتقت الكلمةُ على الثأْر لعثمان، وكَوَّنوا منهم جيشًا لهذه المُهمة، وقصدوا البصرةَ أقربَ الأمصارِ التي تَولَّى بعضُ أهلِها قَتْلَ عثمان والخروجَ عليه، ولم يتجهوا إلى المدينة لعُلُوِّ أمرِ الغَوْغَاءِ ومثيري الفتن فيها، وإن كان الأمر يستدعي مؤازرة أمير المؤمنين عليٍّ حتى تَقْوَى الدولة على مواجهة كلِّ الخارجين البُغاة.. وتحرك الركبُ المكيُّ خارجا إلى البصرة.

اتفق المتجهون إلى البصرة على تَوْلِيَةِ عبد الرحمن بن عَتَّاب بن أسيد الصلاة، فكان يصلي بهم في الطريق وفي البصرة حتى قُتل، وكان عدلا بينهم. ورجع من الطريق المغيرةُ بن شعبة وسعيد بن العاص وعبد الله بن خالد بن أسيد.

ومضى القوم قاصدين البصرة، ومعهم أَبانُ والوليدُ ابنا عثمانَ، وأعطَى يَعْلَى بن منية أمَّ المؤمنين عائشة جملًا اسمه (عسكر) اشتراه بثمانين دينارا فركِبَتْه، وساروا في طريق غيرِ معهود؛ كي لا يلتقوا بجيش علي، حتى انتهوا إلى جبل أوطاس، فتيامنوا وسلكوا الطريق نحو البصرة.

وأوضح الزبيرُ للناس أنهم ما خرجوا إلا ثأْرًا للخليفة المظلوم، وإبقاءً لتماسك الكيان المسلم حتى تبقى هيبة الدولة محفوظة. وخطبت كذلك أم المؤمنين عائشة تؤكِّد هذه الأهداف.

وواصلوا السيرَ حتى اقتربوا من البصرة، فخرج إليهم واليها عثمانُ بنُ حُنَيْفٍ للحوار والمناقشة، لكنها كانت فرصة أمام الذين اعترضوا وتآمروا على عثمان لإثارة الفتن من جديد، مخافة أن تجتمع الكلمة، وتصل إليهم يدُ العدالة والقصاص، فترامَوْا بالتراب والحصى، حتى أَنْشَبَ لص البصرة حُكَيْمُ بن جَبَلَةَ القتالَ ضد الجيش القادم من مكة، وجرى قتال وتفاوضٌ أسفرا عن دخول الجيش المكي البصرة.

لما الْتقى الفريقان من مكة والبصرة بالمِرْبَدِ، وأخذ طلحة والزبير وأم المؤمنين يُفَصِّلون قضيَّتَهم للناس، تبيّنَ لأهل البصرة أن الحق في جانب أم المؤمنين، واتَّبعها جماعةٌ منهم.

فلما رأى حُكَيْمُ بنُ جَبَلَةَ ومَنْ معه من السبئيّة والغوغاء ذلك، ترامَوْا بالحجارة وحث بعضهم التراب على بعض، وأقبل حُكَيْمُ ـ وكان على خيلِ عثمانَ بن حُنيف ـ فأنْشَبَ القتالَ، وأعدَّ أصحابُ عائشة ـ رضي الله عنها ـ رماحَهم وأمسكوا عن القتال حتى يمتنع حُكَيْمُ عن القتال، لكنه أصر عليه حتى حجز الليل بين الفريقين.

فلما كان الصباح خرج حُكَيْمُ يَقْدُمُ جيشَه، فاقتتلوا قتالا شديدا من حين بزغت الشمس إلى أن زال النهار، وقد كَثُرَ القتْلى في أصحاب ابنِ حُنيف، وفَشَت الجراحة بين الفريقين، ومنادِي عائشة ـ رضي الله عنها ـ يناشدهم ويدعوهم إلى الكَفِّ فَيَأْبَوْنَ، حتى إذا مسَّهم الضُّر وعضَّتْهم الحربُ نادَوْا أصحابَ عائشة إلى الصلح والموادعة.

واتفق الفريقان على أن يبعثا رسولًا إلى المدينة لينظر هل بايع طلحةُ والزبيرُ مُكْرَهَيْنِ؟ فإن كان ذلك أخْلى عثمانُ بن حُنيف لهما البصرةَ، ليُدْرِكوا ثأْرَهم من قَتَلَةِ عثمانَ، وإن كانا قد بايعا عن رضا خَرَجَا من البصرة حتى يرى أميرُ المؤمنين رأيَه.

واتفقوا على أن يُبْقِيَ كلُّ فريقٍ على ما تحت يدِه حتى يعودَ الرسول، وأن ينزل طلحة والزبير ومَنْ معهما حيث شاءوا، وأن يصلي عثمان بن حنيف بالناس، وله أمر البصرة، ويبقى بيت المال تحت يده.

وذهب كعب بن ثور إلى المدينة رسولًا، فسأل أهلَها عن بيعة طلحة والزبير فلم يُجِبْهُ أحدٌ، ثم أجابه أسامةُ بن زيد بأنهما بايَعَا مُكْرَهَيْن، وكادت تحدث في المدينة حادثة لهذا الجواب؛ إذْ لا يريد الناس إلا إطفاء النار وإخمادَ جذوتها. وبلغ هذا الخبرُ أميرَ المؤمنين، فأرسل إلى عثمانَ بنِ حُنيف يقول له:"والله ما أُكْرِها إلا كَرْهًا على فُرقة ( أي خوفا من الفرقة ) ، ولقد أُكرِها على جماعة وفضل، فإن كانا يريدان الخَلْعَ فلا عذر لهما، وإن كانا يريدان غيرَ ذلك نَظَرْنَا ونَظَرَا".

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت