فهرس الكتاب

الصفحة 85 من 289

جعفر الطيار رضي الله عنه

جعفر بن أبي طالب بن عبد المطلب بن هاشم القرشي الهاشمي، ابن عم رسول الله صلى عليه وسلم، وأخو أمير المؤمنين علي بن أبي طالب رضي الله عنه، وأمه فاطمة بنت أسد بن هاشم الهاشمية، وكنيته أبو عبد الله. وهو ثالث أبناء أبيه بعد طالب وعقيل، وأكبر من علي بعشر سنوات. ولد في مكة المكرمة سنة 34 قبل الهجرة، وكان من السابقين الأولين في الإسلام. هاجر مع زوجته أسماء بنت عميس الخثعمية الهجرة الأولى إلى الحبشة.

ويلقب بالطيار وبأبي المساكين بسبب بره بالفقراء والمساكين، وبذي الهجرتين لأنه هاجر إلى الحبشة ثم إلى المدينة،فكانا من أوائل المهاجرين إليها، وولد له فيها أبناؤه: عبد الله وعوف ومحمد.

كان أشد أقارب النبي صلى الله عليه وسلم شبها به, أحبَّ الناس إلى الرسول صلى الله عليه وسلم وأقربهم إلى قلبه، وكان يشبهه عليه السلام وفيه يقول: أما أنت يا جعفر فأشبهت خَلْقي وخُلقي، وأنت من عترتي التي أنا منها...

وهو أول سفير في الإسلام، وأول من حمل رسالة إلى ملك الحبشة. وقد أسلم على يديه ملك الحبشة النجاشي وعدد من أهلها، وكان له في الحبشة موقف متميز دافع فيه عن الإسلام دفاعًا مؤثرًا أمام النجاشي, عندما جاء عمرو بن العاص على رأس وفد من قريش يطلب إخراج المسلمين منها، فاقتنع النجاشي عند ذلك بالإسلام، ورفض طلب القرشيين، وأعلن إسلامه وحمى المسلمين في بلاده.

مكث جعفر في الحبشة أربعة عشر عامًا وهو أمير المهاجرين ومن أسلم من أهلها يعلمهم فضائل الدين الحنيف ويدعو إلى الإسلام. وفي السنة السابعة للهجرة عاد هو وأهله وجماعة من المسلمين على سفينتين إلى المدينة ـ وهم آخر من عاد من الحبشة ـ وقدم على رسول الله صلى الله عليه وسلم بعد فتح خيبر فالتزمه عليه السلام وقبل ما بين عينيه واعتنقه، وقال: (( والله لا أدري بأيهم أنا أُسر ! أبقدوم جعفر أم بفتح خيبر ) ). وأنزله رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى جنب المسجد، وأسهم له من غنائم خيبر.

وفي السنة الثامنة من الهجرة بعث رسول الله صلى الله عليه وسلم جيشًا إلى مؤتة ـ وهي قرية من قرى الشام، وتقع الآن في محافظة الكرك جنوب الأردن ـ وبعد تجهيز الجيش قال: عليكم زيد (بن حارثة) ، فإن أصيب فجعفر بن أبي طالب، فإن أصيب فابن رواحة (عبد الله بن رواحة) ، وكان اختيار الرسول عليه السلام جعفرًا أحد قادة الغزوة ، على أهميتها وخطورتها دليلًا على كفايته القيادية وشجاعته الفائقة، حيث إن هذه المعركة تعتبر المعركة التمهيدية الحقيقية لفتح بلاد الشام، وتأسيس أول ركن لدولة الإسلام خارج الجزيرة العربية، وبعد أن بدأت المعركة واستشهد زيد بن حارثة، تسلم القيادة واللواء جعفر بن أبي طالب رضي الله عنها فأخذ اللواء بيمينه فحارب حتى قطعت يمينه، فأخذه بشماله فقطعت فاحتضنه بعضديه حتى قتل، فسقط مضرجًا بدمائه دون أن يسقط اللواء على الأرض، حيث التقطه بعض الجنود. وفي جسمه نحو تسعين طعنة ورمية, فقيل إن الله تعالى عوضه عن يديه بجناحين في الجنة, ولذلك سمي جعفر الطيار أو جعفر ذو الجناحين.

حدّث عن رسول الله صلى الله عليه وسلم وله ذكر في عدد من كتب الحديث، وحدّث عنه ابنه عبد الله ومعظم أهله... وكان استشهاده رحمه الله في شهر جمادى الثانية من السنة الثامنة من الهجرة وله من العمر اثنتان وأربعون سنة ودفن مع صاحبيه في منطقة مؤتة، وقبورهم ظاهرة فيها رحمهم الله جميعًا...

عذرا يا سيدي جعفر بن أبي طالب رضي الله عنك...عذرا

ثم أخذها جعفر فقاتل بها ، حتى إذا ألحمه القتال اقتحم عن فرس له شقراء ، فعقرها ، ثم قاتل القوم حتى قتل . فكان جعفر أول رجل من المسلمين عقر في الإسلام .

حدث يحيى بن عباد بن عبد الله بن الزبير ، عن أبيه عباد قال حدثني أبي الذي أرضعني ، وكان أحد بني مرة بن عوف ، وكان في تلك الغزوة غزوة مؤتة قال والله لكأني أنظر إلى جعفر حين اقتحم عن فرس له شقراء ثم عقرها ثم قاتل حتى قتل وهو يقول:

يا حبذا الجنة واقترابها طيبة وباردا شرابها

والروم روم قد دنا عذابها كافرة بعيدة أنسابها

علي إذ لاقيتها ضرابها

قال ابن هشام: وحدثني من أثق به من أهل العلم أن جعفر بن أبي طالب أخذ اللواء بيمينه فقطعت فأخذه بشماله فقطعت فاحتضنه بعضديه حتى قتل رضي الله عنه وهو ابن ثلاث وثلاثين سنة فأثابه الله بذلك جناحين في الجنة يطير بهما حيث شاء . ويقال إن رجلا من الروم ضربه يومئذ ضربة فقطعه بنصفين . سيرة ابن هشام

وفي المغازي قال ابن كعب القرظي أخبرني من حضر يومئذ في مؤتة ان جعفر نزل عن فرس له شقراء فعرقبها ، ثم قاتل حتى قتل . وحدثني عبد الله بن محمد عن أبيه قال ضربه رجل من الروم فقطعه نصفين فوقع أحد نصفيه في كرم فوجد في نصفه ثلاثون أو بضع وثلاثون جرحا.

وفي زاد المعاد قال أبو عمر وروينا عن ابن عمر أنه قال: وجدنا ما بين صدر جعفر ومنكبيه وما أقبل منه تسعين جراحة ما بين ضربة بالسيف وطعنة بالرمح .

وفي الروض الأنف: وسمع النبي فاطمة حين جاء نعي جعفر تقول وا عماه فقال: على مثل جعفر فلتبك البواكي.

عذرا يا سيدي جعفر بن أبي طالب رضي الله عنك...عذرا

فحالنا يقول:

معذرة! فنحن ما اثّر فينا حالك وقصة استشهاد, فلم نأبه لقطع يداك الواحدة تلو الأخرى

حفاظا على راية العقاب!

لم نأبه او نهتم لجسدك الذي فُصل وشُطر الى نصفين في سبيل رفع راية العقاب!

معذرة يا سيدي جعفر الطيار!

رضي الله عنك وأرضاك

فوالله انا ما زلنا نُحب الدنيا ونكره الموت

ما زلنا نخاف أن نُشاك بشوكة في سبيل الله

ما زلنا جبناء كالنعامة نضع رؤوسنا في الارض ولا يهمنا اغتصاب المسلمات العفيفات العراقيات والبوسنيات منهن, لا يهمنا الشباب الذي اقتلعت اظفاره في غرف التعذيب او الأمهات اللواتي بُقرت بطونهن أو الأطفال الذين ذُبحوا أمام أهليهم...

لا يهمنا كل هذا يا جعفر!!!

فنحن همنا بطوننا وفروجنا وجيوبنا فقط!!!

وما سواه فإلى الجحيم!!!

معذرة يا سيدي جعفر الطيار... معذرة!!!

معذرة يا من بكى رسول الله لحالك ولطريقة استشهادك.

معذرة... فسيرتك أصبحت من الماضي المفقود نقُصّها على أطفالنا وأحيانا لا نحبذ ذلك فمثل هذه القصص تُخيف أطفالنا وتقشعر لها أبداننا وتحرمنا النوم ولذته!!!

معذرة!!! فنحن نعمل ونتعب ونكدّ لأولادنا فنبني البنايات الشاهقة الفاخرة ونشتري المراكب الهنيئة ونحفظ لمن بعدنا مالا يغنيهم عن فضل من سواهم!!!

وها قد صلينا وصمنا وزكّينا وحججنا... وغير هذا ما ارتضينا

معذرة يا جعفر الطيّار رضي الله عنك

فنحن قد ركنا الى الدنيا وما فيها, ولم يهمنا قول الله تعالى:

{وما هذه الحياة الدنيا إلا لهو ولعب وإن الدار الآخرة لهي الحيوان لو كانوا يعلمون}

معذرة يا جعفر الطيّار رضي الله عنك

فجيوشنا وجنودنا البواسل لا تحمل عقلية المجاهدين في سبيل الله, فهمهم تلميع وتنظيف الطائرات والأسلحة الخفيفة منها والثقيلة والعروض العسكرية أمام حضرة صاحب السمو الذي لا يحكم بما أنزل الله بل يحكم بشرعة الطاغوت!!!

معذرة يا جعفر الطيّار رضي الله عنك

فأنت باستشهادك حرمت نفسك من متاع الدنيا وزينتها, ثم لماذا نقاتل في سبيل الله من يقاتلنا؟

أفلا نصالح من يقاتلنا؟!

ثم ها هي النساء قد خرجن ليقاتلن عنا, فلنلزم بيوت الدعارة ونوادي الخمور والراقصات

وها هي نساؤنا تقاتل عنّا!!!!!

ربي إني ابرأ إليك مما فعل هؤلاء الحكام والعلماء وأهل القوة والمنعة فينا

"ولا نامت أعين الجبناء"

جلس أنس إلى جانب جدّه الذي كان يحبّه كثيرًا وقال:

-ذكر لنا أستاذ التاريخ اليوم، أنّ جعفر بن أبي طالب يُلقَّب بجعفر الطيار، وطلب منا أن نسأل آباءنا عن هذا البطل الذي يجب أن نحبّه، فهل لك يا جدّي العزيز أن تحّدثني عن هذا الرجل العظيم؟

فأجاب الجدّ:

-أجل يا أنس.. إن سيّدنا جعفرًا رجلٌ عظيمٌ وجديرٌ بالحبِّ، وأن نتخذه قدوة لنا في حياتنا، فهو أولًا ابن عم الرسول صلى الله عليهِ وسلّم، وأخو عليّ بن أبي طالب رضي الله عنه وجعفر أكبر من عليّ بعشر سنين، وقد آمن بالنبيّ الكريم في وقت مبكر جدًا، ولمّا

اشتدّ الأذى على المسلمين، أمره الرسول القائد بالهجرة إلى الحبشة، فهاجر إليها مع زوجته أسماء بنت عميس، وكان قائد المهاجرين إلى الحبشة، وقد حمل رسالة من النبي الكريم إلى النجاشي ملك الحبشة، فآمن النجاشيُّ على يديه، ولمّا علم جعفر بهجرة النبي الكريم من مكة المكرمة إلى المدينة المنورة، عاد جعفر إلى المدينة، ولحق بالرسول الكريم، يأتمر بأمره، ويقاتل تحت رايته، ويدعو إلى الله بالحكمة والموعظة الحسنة.

ولمّا سكت الجدّ سأل أنس:

-ولماذا لقّبوه بالطيّار يا جّدي؟.

أجاب الجد:

-اسمع حكاية هذه التسمية يا أنس، واحفظها جيدًا، لترويها لزملائك التلاميذ..

وجّه الرسول القائد جيشًا إلى (مؤتة) القريبة من بيت المقدس، ليؤدّب أمير (بصرى الشام) الذي قتلَ رسولَ النبيِّ الكريمِ صلى الله عليه وسلم، وكان قائد الجيش زيد بن حارثة، وكان عدد جيش المسلمين ثلاثة الآف مجاهد، يقابلهم من الروم والعرب المشركين مئتا ألف مقاتل.. هل تسمعني يا أنس؟ ثلاثة آلاف مسلم يقاتلون مئتي ألف كافر.. وعندما استشهد زيد تسلّم جعفر الراية منه، فجاءته ضربة بسيف قطعتْ يده اليمنى التي كانت تحمل الراية، فحملها بيده اليسرى، وجاءته ضربة سيف أخرى قطعت يده اليسرى، فضمّ جعفر جناحيه، أي كتفيه على الراية حتى لاتسقط على الأرض، فلقّبوه بذي الجناحين، وعندما استشهد قال رسول الله صلى الله عليهِ وسلّم لأصحابه:

(استغفروا لأخيكم جعفر، فإنّه شهيد، وقد دخل الجنة وهو يطير بجناحين من ياقوت، حيث شاء من الجنة) .

ــــــــــــــ

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت