القاهرة: مجاهد الصوابي
دراسة وافية حول مفهوم الجهاد في الإسلام وسمو ورقي أهداف ووسائل ونتائج الحرب في الإسلام أعدها مجمع البحوث الإسلامية بالتعاون مع المجلس الأعلى للشئون الإسلامية وأشرف على إعدادها الدكتور علي جمعة عضو المجمع وأستاذ أصول الفقه بالأزهر بهدف وقف سيل الاتهامات الموجهة للإسلام والمسلمين بالإرهاب والدموية، والتأكيد على أن حروب الإسلام كلها رحمة وحب ودفاع وحماية للمستضعفين ومواجهة للظلم والطواغيت عكس غيرها من الحروب التي شهدتها البشرية قديمًا وحديثًا، إذ كلها دماء.. وأغلبها دماء مسلمة..
وما نراه اليوم على الساحة الدولية خير دليل سواء في غارات الصليبية الحديثة في البوسنة أو كوسوفا أو في الفلبين وغيرها، أو غارات الهندوس الذين يحرقون المسلمين أحياء ويهدمون مساجدهم ويحرقون أحياء وقرى بالكامل، أو ما يحدث للمسلمين على أيدي أتباع بوذا في تركستان الشرقية، والأمثلة لا تعد ولا تحصى.. وهذا كله في كفة والإجرام الصهيوني والوحشية اليهودية التي فاقت كل الحدود في كفة أخرى.. هذا كله جعل الأزهر والمجلس الأعلى للشئون الإسلامية يوجهون هذه الدراسة المستفيضة إلى العالم لتوضيح حقيقة الإسلام ومواجهة الآلة الإعلامية الصهيونية التي تشوه كل شيء وتثقل العالم بالأكاذيب والتزييف والتضليل. الدراسة صدرت في كتاب في مارس الحالي.
تؤكد الدراسة أن الجهاد في الإسلام حرب مشروعة عند جميع عقلاء أهل الأرض. والمتدبر في المصادر الأساسية من ناحية وفي تطبيقات المسلمين لها من ناحية أخرى يخرج بحقيقة واضحة حول معنى الجهاد في الإسلام، ويتبين من التدبر لآيات الله سبحانه وتعالى أن القتال في الإسلام من أنقى أنواع الحروب سواء من ناحية هدفه أو أسلوبه أو شروطه وضوابطه أو انتهائه وإيقافه أو من ناحية ما ترتب عليه من نتائج.
فمن الناحية التنظيرية نجد في القرآن قوله تعالى: وقاتلوا في سبيل الله الذين يقاتلونكم ولا تعتدوا إن الله لا يحب المعتدين (190) واقتلوهم حيث ثقفتموهم وأخرجوهم من حيث أخرجوكم والفتنة أشد من القتل ولا تقاتلوهم عند المسجد الحرام حتى"يقاتلوكم فيه فإن قاتلوكم فاقتلوهم كذلك جزاء الكافرين (191) فإن انتهوا فإن الله غفور رحيم (192) وقاتلوهم حتى"لا تكون فتنة ويكون الدين لله فإن انتهوا فلا عدوان إلا على الظالمين (193) (البقرة)
وقوله تعالى: وما لكم لا تقاتلون في سبيل الله والمستضعفين من الرجال والنساء والولدان الذين يقولون ربنا أخرجنا من هذه القرية الظالم أهلها واجعل لنا من لدنك وليا واجعل لنا من لدنك نصيرا 75 (النساء) .
وقوله تعالى، وإن جنحوا للسلم فاجنح لها وتوكل على الله إنه هو السميع العليم 61 (الأنفال) أذن للذين يقاتلون بأنهم ظلموا وإن الله على"نصرهم لقدير 39 الذين أخرجوا من ديارهم بغير حق إلا أن يقولوا ربنا الله ولولا دفع الله الناس بعضهم ببعض لهدمت صوامع وبيع وصلوات ومساجد يذكر فيها \سم الله كثيرا ولينصرن الله من ينصره إن الله لقوي عزيز 40 (الحج) ."
كما أوضحت الدراسة أن هناك من الأحاديث النبوية المئات التي تؤكد المعنى نفسه وتفسره، منها على سبيل المثال:
(1) روى الترمذي في سننه عن النعمان بن مقرن"كان رسول الله ص إذا بعث أميرًا على جيش أوصاه في خاصة نفسه بتقوى الله ومن معه من المسلمين خيرًا وقال اغزوا بسم الله وفي سبيل الله قاتلوا من كفر بالله ولا تغلوا ولا تغدروا ولا تمثلوا ولا تقتلوا وليدًا فإذا لقيت عدوك من المشركين فادعهم إلى إحدى ثلاث خصال أو خلال أيها أجابوك فاقبل منهم وكف عنهم وادعهم إلى الإسلام والتحول من دارهم إلى دار المهاجرين وأخبرهم إن فعلوا ذلك فإن لهم ما للمهاجرين وعليهم ما على المهاجرين وإن أبوا أن يتحولوا فأخبرهم أنهم يكونون كأعراب المسلمين يجري عليهم ما يجري على الأعراب ليس لهم في الغنيمة والفيء شيء إلا أن يجاهدوا فإن أبوا فاستعن بالله عليهم وقاتلهم، وإذا حاصرت حصنًا فأرادوك أن تجعل لهم ذمة الله وذمة نبيه فلا تجعل لهم ذمة الله ولا ذمة نبيه واجعل لهم ذمتك وذمم أصحابك لأنكم أن تخفروا ذمتكم وذمم أصحابكم خير من أن تخفروا ذمة الله وذمة رسوله، وإذا حاصرت أهل حصن فأرادوك أن تنزلهم على حكم الله فلا تنزلوهم ولكن أنزلهم على حكمك فإنك لا تدري أتصيب حكم الله فيهم أم لا"رواه الترمذي"."
(2) روى مسلم في باب فضل الجهاد والخروج في سبيل الله كتاب الإمارة عن أبي هريرة:"تكفل الله لمن جاهد في سبيله لا يخرجه من بيته إلا جهاد في سبيله وتصديق كلمته بأن يدخله الجنة أو يرجعه إلى مسكنه الذي خرج منه مع ما نال من أجر أو غنيمة".
(3) عن وهب بن منبه سألت جابرًا عن شأن ثقيف إذ بايعت قال:اشترطت على النبي ص أن لا صدقة عليها ولا جهاد وأنه سمع النبي ص بعد ذلك يقول:"سيتصدقون ويجاهدون إذا أسلموا". سنن أبي داود كتاب الخراج والإمارة والفيء باب ما جاء في خبر الطائف.
(4) عن عبد الله بن عمرو رضي الله عنه قال: جاء رجل إلى النبي ص فقال: إني أريد الجهاد فقال: أحي والداك ؟ قال: نعم،قال: ففيهما فجاهد. مصنف عبد الرزاق كتاب الجهاد باب الرجل يغزو وأبوه كاره له.
وأوضح أن أهداف الحرب في الإسلام هي رد العدوان والدفاع عن النفس، و تأمين الدعوة إلى الله وإتاحة الفرصة للضعفاء الذين يريدون اعتناقها، والمطالبة بالحقوق السليبة، ونصرة الحق والعدل.
وفي حين أن شروط تلك الحرب هي:النبل والوضوح في الوسيلة والهدف، وأن لا قتال إلا مع المقاتلين ولا عدوان على المدنيين، وإذا جنحوا للسلم وانتهوا عن القتال فلا عدوان إلا على الظالمين، والمحافظة على الأسرى ومعاملتهم المعاملة الحسنة التي تليق بالإنسان، والمحافظة على البيئة ويدخل في ذلك النهي عن قتل الحيوان لغير مصلحة وتحريق الأشجار، وإفساد الزروع والثمار، والمياه، وتلويث الآبار، وهدم البيوت، والمحافظة على الحرية الدينية لأصحاب الصوامع والرهبان وعدم التعرض لهم.
وتشير الدراسة إلى أن الآثار المترتبة على الحرب هي: تربية النفس على الشهامة والنجدة والفروسية، وإزالة الطواغيت الجاثمة فوق صدور الناس، وهو الشر الذي يؤدي إلى الإفساد في الأرض بعد إصلاحها، وإقرار العدل والحرية لجميع الناس مهما كانت عقائدهم، وتقديم القضايا العامة على المصلحة الشخصية، وتحقيق قوة ردع مناسبة لتأمين الناس في أوطانهم.
الحرب في العهدين القديم والجديد
أما من الناحية التطبيقية فإن الحرب ظاهرة اجتماعية نجدها في العهد القديم، فنجد أن التوراة تخبر بأن الله قد أمر موسى عليه السلام أن يشن حربًا على أقوام عبدوا غيره، كما في نص الإصحاح الثالث والثلاثين من سفر العدد يقول: (وكلم الرب موسى في عربات مواب على أردن أريحا قائلًا: كلم بني إسرائيل وقل لهم إنكم عابرون الأرض إلى أرض كنعان فتطردون كل سكان الأرض من أمامكم وتمحون جميع تصاويرهم وتبيدون كل أصنامهم المسبوكة وتخربون جميع مرتفعاتهم) ، وفي العهد الجديد، ففي إنجيل متى الإصحاح العاشر 34: 36 على لسان المسيح عليه السلام (لا تظنوا أني جئت لأرسي سلامًا على الأرض، ما جئت لأرسي سلامًا، بل سيفًا، فإني جئت لأجعل الإنسان على خلاف مع أبيه والبنت مع أمها والكنة مع حماتها وهكذا يصير أعداء الإنسان أهل بيته) .
حقائق حول غزوات النبي
هناك حقائق ثابتة حول غزوات النبي ص فمجموع تحركاته العسكرية نحو ثمانين غزوة وسرية وتجريدة بينما القتال الفعلي لم يحدث إلا في نحو سبع مرات فقط، أما المحاربون فكانوا كلهم من قبائل مضر ولم يقاتل أحدًا من ربيعة ولا قحطان، أما عدد القتلى من المسلمين في كل المعارك فهو 139شخصًا ومن المشركين 112 ومجموعهم 251، وهو لا يساوي عدد القتلى من حوادث السيارات في مدينة متوسطة الحجم في عام واحد وبذلك يكون متوسط عدد القتلى بالنسبة إلى التحركات الثمانين هو 3.5 شخص.
أكذوبة انتشار الإسلام بالسيف
وحول أكذوبة انتشار الإسلام بحد السيف يؤكد د. جمعة في دراسته أن الإسلام انتشر بعد ذلك بطريقة طبيعية لا دخل للسيف ولا القهر فيها وإنما بإقامة العلاقات بين المسلمين وغيرهم وعن طريق الهجرة المنتظمة من داخل الحجاز إلى أنحاء الأرض، وهناك حقائق حول هذا الانتشار حيث يتبين أنه في المائة عام الأولى من الهجرة كانت نسبة انتشار الإسلام في غير الجزيرة كالآتي: في فارس (إيران) كانت نسبة المسلمين 5%، وفي العراق 3%، وفي سورية 2%، وفي مصر 2%، وفي الأندلس أقل من 1%.
بينما السنوات التي وصلت نسبة المسلمين فيها إلى 25% من السكان فهي كالآتي: في إيران سنة 185ه، والعراق سنة 225ه، وسورية 275ه، ومصر 275ه، والأندلس سنة 295ه.
والسنوات التي وصلت نسبة المسلمين في هذه البلاد إلى 50% من السكان كانت كالآتي: في بلاد فارس 235ه، والعراق 280ه، وسورية 330ه، ومصر 330ه، والأندلس 355ه.
أما السنوات التي وصلت نسبة المسلمين فيها إلى 75% من السكان فكانت كالآتي: في بلاد فارس 280ه، والعراق 320ه، وسورية 385 ه، ومصر 385ه، والأندلس سنة 400ه.
الفتوح الإسلامية غير دموية
وتوضح الدراسة أن المسلمين في مسيرتهم لنشر الإسلام لم يكونوا دمويين كغيرهم، والدلائل التاريخية كلها تشهد على ذلك حيث تميز هذا الانتشار أيضًا بخصائص منها: عدم إبادة الشعوب، ومعاملة العبيد معاملة راقية بعد تعليمهم وتدريبهم وتوليتهم الحكم في فترة اشتهرت في التاريخ الإسلامي بعصر المماليك، والإبقاء على التعددية العقدية من يهود ونصارى ومجوس وغيرها، كذلك كانوا جميعهم يتمتعون بالحرية الدينية، هذا فضلًا عن إقرار الحرية الفكرية فلم يعهد أنهم نصبوا محاكم تفتيش لأي من أصحاب الآراء المخالفة، وقد ظل إقليم الحجاز الذي هو بمثابة مسقط رأس الرسول ص ومصدر الدعوة الإسلامية الأول فقيرًا حتى عصر اكتشاف البترول، ولم يقم الخلفاء ولا زعماء الدول الإسلامية التي قامت بجلب كافة أنواع الثروات إلى الحجاز وتجاهل باقي الأقطار، فقد كانوا يتركون كل بلد تنفق من مواردها على نفسها وما يفيض يستغلونه في خدمة الأمة الإسلامية بأثرها عكس ما نرى اليوم في الحضارة المادية حيث 2% من سكان الكرة الأرضية يملكون ثروات تبلغ نسبتها 80% من إجمالي ثروات العالم فضلًا عن تركزها في عواصم الدول الكبرى.
وتؤكد الدراسة أن هذه الحقائق ظلت باقية إلى يومنا هذا وعبر التاريخ، ولكن على العكس منها تعرض العالم الإسلامي للاستعمار، ولإبادة الشعوب وتهجيرها، ولمحاكم التفتيش، والحروب الصليبية، ولسرقة البشر من غرب إفريقيا وصناعة العبيد في أمريكا، وهذا ملف واسع كبير، والغرض من ذكره المقارنة بين نقاء حروب الإسلام في مقابلتها بالحروب عند غير المسلمين قديمًا وحديثًا.
ــــــــــــــ