عبدالقادر أحمد عبدالقادر
المسلم الحق يحيي ذكرى النبي ص كل يوم، بل كل ساعة من خلال اتباع سنته والسير على هديه، في نومه ويقظته، وظعنه وإقامته، وعباداته ومعاملاته، وفي كل ما يأتي وكل ما يدع، متخذًا من قول الله تعالى.. لقد كان لكم في رسول الله أسوة حسنة لمن كان يرجو الله واليوم الآخر وذكر الله كثيرا (21) (الأحزاب) .
فهل من وقفة صادقة مع النفس ليرى كل مسلم مدى قربه أو بعده من سنة النبي الخاتم ص؟
إن بعض الناس يتخذون في حياتهم مُثلًا عليا من ذوي المكانة العالية أو الجاه والوجاهة، أو النفوذ والسلطان، وحري بالمسلم أن يحرص على اتخاذ الرسول ص مثلًا أعلى من هذا المنطلق.
فقد خاطبه ربه تعالى بقوله: وإنك لعلى"خلق عظيم (4) (القلم) ."
ولقبه أهل الجاهلية بالصادق الأمين، وقال ص عن نفسه:"إن الله خلق الخلق فجعلني في خيرهم فرقة، ثم جعلهم فرقتين، فجعلني في خيرهم فرقة، ثم جعلهم قبائل، فجعلني في خيرهم قبيلة، ثم جعلهم بيوتًا فجعلني في خيرهم بيتًا وخيرهم نسبًا". (رواه الترمذي وقال: حديث حسن) .
وقال:"إني عند الله لخاتم النبيين... دعوة أبي إبراهيم، وبشارة عيسى قومه ورؤيا أمي، التي رأت حين وضعتني نورًا، أضاءت منه قصور الشام، وكذلك ترى أمهات النبيين"، وقال:"أنا سيد ولد آدم يوم القيامة، ولا فخر، وبيدي لواء الحمد، ولا فخر، وما من نبي يومئذ إلاتحت لوائي، وأنا أول من تنشق عنه الأرض، ولا فخر"، وهو ص صاحب الشفاعة العظمى، حين يحيلها كل نبي إلى من بعده، حتى ينهض بها ص قائلًا:"أنا لها، أنا لها".
وقد سئل صاحبه البراء: هل كان وجه رسول الله ص مثل السيف؟ قال:"لا، بل مثل القمر".
وقال صاحبه وابن عمه علي رضي الله عنه، يصفه: من رآه بدهة هابه، ومن خالطه معرفة أحبه، يقول ناعته:"لم أر قبله ولا بعده مثله"، ووصفته زوجه خديجة رضي الله عنها بقولها:"فإنك لتصل الرحم، وتحمل الكل، وتكسب المعدوم، وتقري الضيف، وتعين على نوائب الحق".
هذا غيض من فيض، وقليل من كثير، يجعلني أعتقد جازمًا أن متخذي المثل العليا لا يمكن أن يتجاوزوا رسول الله إلى غيره من البشر العاديين، بل من النبيين عليهم الصلوات والتسليمات.
ولنواصل حياتنا مع الرسول ص.
حسن الظن بأهل الدين: قال ص:"حسن الظن من حسن العبادة".
وقال عمر رضي الله عنه:"لا يحل لامرئ مسلم يسمع من أخيه كلمة، يظن بها سوءًا، وهو يجد لها في شيء من الخير مخرجًا"، معنى الكلمة العمرية أن يحمل كلام أهل الدين على حسن النية والمقصد، ومادام المسلم يحتاط فإنه لا يتوجس، ومدام يأخذ حذره، فإنه لا يتهم، وبالتالي فليتغلب على ظنون السوء تجاه أهل الدين، وليطردها من وجدانه يا أيها الذين آمنوا اجتنبوا كثيرا من الظن إن بعض الظن إثم (الحجرات:12) .
ومع اجتناب سوء الظن وطرد الهواجس، يتسلح المسلم بالحذر يا أيها الذين آمنوا خذوا حذركم فانفروا ثبات أو \نفروا جميعا 71 (النساء) .
وليتفرس في الوجوه، وفي الانفعالات، وفي نظرات العيون، قال ص:"اتقوا فراسة المؤمن، فإنه ينظر بنور الله"، ورغم ضعف هذا الحديث، فإن شواهد الواقع تؤيده.
لقد عملت المذاهب الملحدة، العلمانية والماركسية، وعمل أهل الأهواء والمعاصي، مستعينين بوسائل الإعلام التي في أيديهم لنشر سوء الظن تجاه أهل الدين. و"صحبة الأشرار أورثت سوء الظن بالأخيار"، كما قال بشر الحافي.
هذا ويجب على أهل الدين أن يبتعدوا عن مواضع الشبهات. روي أن أم المؤمنين صفية رضي الله عنها أتت النبي ص تزوره وهو معتكف، وأن رجلين من الأنصار رأياهما بعد الخروج من المسجد، وكان الوقت ليلًا، فأسرعا، فقال ص:"على رسلكما، إنها صفية بنت حيي"، فقالا: سبحان الله يا رسول الله (يتعجبان لإفصاح النبي عن زوجه) ، قال:"إن الشيطان يجري من الإنسان مجرى الدم، فخشيت أن يقذف في قلوبكما شيئًا"أو قال:"شرًا".
وما دامت السنة هي حسن الظن بالصالحين وأهل الدين، فالمعنى الضمني هو ألا نحسن الظن بالكفار على اختلاف فصائلهم، وألا نحسن الظن بأتباع المذاهب الباطلة، رغم تسميهم بأسمائنا وارتدائهم ملابسنا، وألا نحسن الظن بالعصاة، المصرين على معاصيهم، وبالمبتدعين والزنادقة، مهما تزينوا أو زيَّنوا أقوالهم.
الاستمتاع بالمباحات
"الغناء واللعب".. نموذج
ورد في البخاري عن أنس رضي الله عنه، قال: كان رسول الله ص في سفر، وكان معه غلام له أسود، يقال له أنجشة، يحدو"يغني"، فقال له رسول الله ص:"ويحك يا أنجشة، رويدك بالقوارير"، وورد في صحيح مسلم، عن أنس أيضًا، أن النبي ص أتى على أزواجه، وسواق يسوق بهن، يقال له أنجشة، فقال ص:"ويحك يا أنجشة، رويدك سوقك بالقوارير"، قال أبوقلابة: تكلم رسول الله ص بكلمة، لو تكلم بها بعضكم لعبتموها عليه، يقصد إباحته ص بالغناء الحلال.
وفي مسند أحمد، عن أنس أيضًا، يقول: بينما رسول الله ص يسير، وحادٍ يحدو بنسائه، فضحك رسول الله ص، ثم قال:"يا أنجشة، ويحك، ارفق بالقوارير".
وفي المسند، عن أنس أيضًا، أن البراء بن مالك كان يحدو بالرجال، وأنجشة يحدو بالنساء، وكان حسن الصوت، فحدا، فأعنقت الإبل"جدت وأسرعت في السير"، فقال رسول الله ص:"يا أنجشة، رويدًا سوقك بالقوارير".
وورد في الصحيحين، عن عائشة رضي الله عنها، قالت: دخل رسول الله ص وعندي جاريتان تغنيان بغناء بعاث، فاضطجع على الفراش، وحوَّل وجهه، فدخل أبوبكر، فانتهرني، وقال: مزمار الشيطان عند رسول الله ص؟ فأقبل عليه رسول الله ص، فقال:"دعهما"، قالت عائشة رضي الله عنها: فلما غفل غمزتهما، فخرجتا، وفي سنن ابن ماجه، فقال النبي ص:"يا أبا بكر، إن لكل قوم عيدًا وهذا عيدنا".
وكان يوم عيد، يلعب السود بالدَّرَق والحراب، قال ص:"تشتهين تنظرين؟"، فقلت: نعم، فأقامني وراءه، خدي على خده، وهو يقول: دونكم يا بني أرفدة" (يخاطب الحبشة السودان، حتى يستمروا في اللعب) ، قالت عائشة رضي الله عنها: حتى إذا مللت، قال:"حسبك"؟، يعني: هل يكفيك ذلك؟ قلت: نعم، قال:"فاذهبي"."
والسؤال: متى يتخذ المسلم، نبيه ص مثلًا أعلى فيسعد في الدارين؟!.
ــــــــــــــ