الحديث عن العلماء لا يمل ولا ينبغي أن يمل، ففي حياتهم عبرة، وفي سيرهم ذكرى، وفي طلبهم للعلم والعمل به عظة لمن بعدهم، وفي هذا الدرس ينثر الشيخ طرفًا من أخبارهم وملحهم، فما أطيب ذكرهم!
فضل العلماء الربانيين وأهمية سيرهم
الحمد لله رب العالمين، اللهم صلِّ وسلم وبارك على عبدك ورسولك سيدنا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين، اللهم لا سهل إلا ما جعلته سهلًا، ولا حزن إلا ما جعلته حزنًا، وأنت تجعل الحزن إذا شئت سهلًا.
اللهم إنا نسألك علمًا نافعًا، وقلبًا خاشعًا، ولسانًا ذاكرًا، اللهم إنا نعوذ بك من علم لا ينفع، ومن قلب لا يخشع، ومن عين لا تدمع، ومن دعوة لا تسمع، اللهم إنا نعوذ بك من هؤلاء الأربع، اللهم آت نفوسنا تقواها، وزكها أنت خير من زكاها، أنت وليها ومولاها، وأنت على كل شيء قدير.
أيها الإخوة في الله! إن موضوعنا في هذه الليلة حول أخبار ومنح ووصايا من أخبار العلماء وكلماتهم ومُلَحِهم وآثارهم، ولهذا الموضوع أهمية، فإن كلمات العلماء وآثارهم ومُلَحِهم ووصاياهم وأقوالهم نابعةٌ من مشكاة النبوة التي ينهلون منها، فإن الرسول عليه الصلاة والسلام قال: {إن الأنبياء لم يورثوا درهمًا ولا دينارًا، وإنما ورثوا العلم، فمن أخذه أخذ بحظ وافر } وقال: {إن العلماء ورثة الأنبياء } ^ فورثوا عنهم أقوالهم وأقوال الله عز وجل، ولذلك أصطبغت حياتهم وأقوالهم ومعيشتهم وكانت وصاياهم متأثرة أشد التأثر بما ارتووا منه؛ ألا وهو كتاب الله وسنة رسوله صلى الله عليه وسلم.
أخص بكلامي هذا العلماء الربانيين الذين قال الله سبحانه وتعالى: بِمَا كُنْتُمْ تُعَلِّمُونَ الْكِتَابَ وَبِمَا كُنْتُمْ تَدْرُسُونَ [آل عمران:79] ^ الذين يعلمون كتاب الله حفظًا، وفهمًا، وتدبرًا، وعملًا، ودعوةً وصبرًا على الأذى فيه، والذين يعلمون سنة رسول الله صلى الله عليه وسلم على النسق المذكور في كتاب الله؛ حفظًا، وفهمًا، وتدبرًا وعملًا، ودعوةً وصبرًا على الأذى في سبيل ذلك كله، فإن الله عز وجل أمرنا بأن نكون كذلك، فقال الله عز وجل: مَا كَانَ لِبَشَرٍ أَنْ يُؤْتِيَهُ اللَّهُ الْكِتَابَ وَالْحُكْمَ وَالنُّبُوَّةَ ثُمَّ يَقُولَ لِلنَّاسِ كُونُوا عِبَادًا لِي مِنْ دُونِ اللَّهِ وَلَكِنْ كُونُوا رَبَّانِيِّينَ بِمَا كُنْتُمْ تُعَلِّمُونَ الْكِتَابَ وَبِمَا كُنْتُمْ تَدْرُسُونَ [آل عمران:79] .
يقول ابن عباس رضي الله عنهما: [[لا يكون العالم ربانيًا حتى يعلم ويعمل ويدعو ويصبر على الأذى ] ]^ ونقل عنه رضي الله عنه وأرضاه: [[العلماء الربانيون هم الذين يربون الناس على صغار العلم قبل كباره ] ]^ يعني: يأخذون الناس بالتدرج خطوة خطوة، لا يقفزون بهم إلى أمور كبار لا تدركها عقولهم، فقد روى البخاري عن علي بن أبي طالب رضي الله عنه وأرضاه: {ما أنت بمحدث قومًا حديثًا لا تبلغه عقولهم إلا كان لبعضهم فتنة } ^ ونقل أيضًا في الصحيح: {خاطبوا الناس بما يعرفون، أتريدون أن يكذب الله ورسوله } ^.
فهؤلاء العلماء الربانيون الذين أفنوا أعمارهم في تعلم كتاب الله، وفي تعلم سنة رسول الله صلى الله عليه وسلم، وكانوا بحق كما قال الله عز وجل: أَمَّنْ هُوَ قَانِتٌ آنَاءَ اللَّيْلِ سَاجِدًا وَقَائِمًا يَحْذَرُ الْآخِرَةَ وَيَرْجُو رَحْمَةَ رَبِّهِ قُلْ هَلْ يَسْتَوِي الَّذِينَ يَعْلَمُونَ وَالَّذِينَ لا يَعْلَمُونَ [الزمر:9] .
قال الإمام ابن الجوزي في زاد المسير: أشار جل وعلا بقوله: قُلْ هَلْ يَسْتَوِي الَّذِينَ يَعْلَمُونَ وَالَّذِينَ لا يَعْلَمُونَ [الزمر:9] ، بعد قوله: أَمَّنْ هُوَ قَانِتٌ آنَاءَ اللَّيْلِ سَاجِدًا وَقَائِمًا يَحْذَرُ الْآخِرَةَ وَيَرْجُو رَحْمَةَ رَبِّهِ [الزمر:9] ^ أشار بهذا إلى أن الذين يعلمون حقًا هم الذين اتصفوا بهذه الصفة: قَانِتٌ آنَاءَ اللَّيْلِ سَاجِدًا وَقَائِمًا يَحْذَرُ الْآخِرَةَ وَيَرْجُو رَحْمَةَ رَبِّهِ [الزمر:9] .
ونقل عن ابن مسعود رضي الله عنه وأرضاه أنه قال: [[يعرف حامل القرآن بليله إذا الناس راقدون، وبنهاره إذا الناس يفطرون، وببكائه إذا الناس يضحكون ] ] أو كما قال رضي الله عنه وأرضاه
أهمية سير العلماء ... فأخبار هؤلاء القوم الذين أفنوا أعمارهم في كتاب الله، وفي سنة رسول الله صلى الله عليه وسلم علمًا وعلمًا وتدبرًا ودعوةً وصبرًا حقيقةٌ؛ بأن نعقد المجالس لنتدبرها ونتذاكرها، ونتناقل أخبارهم؛ علَّ الله عز وجل أن يشحذ فينا الهمة، فنبلغ ولو جزءًا يسيرًا مما بلغوا، وقديمًا قيل:
فتشبهوا إن لم تكونوا مثلهم إن التشبه بالكرام فلاح
ونقل عن أبي حنيفة رضي الله عنه:"سير الرجال أحب إليَّ من كثير من الفقه"وما ذاك إلا لأن سير الرجال، وأخبار القوم من العلماء الربانيين تشحذ الهمم حينما يستمع إليها الطالب فتعينه على مواصلة طريقه في طلب العلم، وتعينه على الاجتهاد وبذل التضحيات اقتداءً وتأسيًا بأولئك السابقين الذين يقرءون ويتدبرون ويتناقلون أخبارهم.
وقال الإمام ابن الجوزي رحمة الله عليه في كتاب المنتظم في تاريخ الملوك والأمم:"واعلم أن في ذكر السير والتاريخ فوائد كثيرة، من أهمها أن يطلع بذلك على عجائب الأمور، وتقلبات الزمن، وتصاريف القدر، وسماع الأخبار، فالنفس تجد راحةً بسماع الأخبار، قال أبو عمرو بن العلاء: قيل لرجل من بكر بن وائل قد كبر وذهبت منه لذة المأكل والمشرب والنكاح؛ قيل له: أتحب أن تموت؟ قال: لا، قيل له: فما بقي لك من لذة الدنيا؟ قال: أستمع أخبار الرجال وأستمع العجائب"
إذًا: فخير وسيلة لإشعال العزائم، وإثارة الروح الوثابة، وقدح المواهب، وإذكاء الهمم، وتقويم الأخلاق بصمت وهدوء دون أمر ونهي، والتسامي إلى معالي الأمور، والترفع عن سفسافها، والاحتذاء بسير الأجلاء الأسلاف؛ خير سبيل إلى ذلك كله هو قراءة سير لبعض العلماء الصلحاء، والوقوف على أخبار الرجال العظماء، والتملي من اجتلاء مناقب الصالحين الربانيين، والاقتراب من العلماء النبهاء العاملين المجدين.
وبعد هذه المقدمة نبدأ في سرد بعض أخبارهم رحمة الله عليهم ورضي عنهم.فأخبار هؤلاء القوم الذين أفنوا أعمارهم في كتاب الله، وفي سنة رسول الله صلى الله عليه وسلم علمًا وعلمًا وتدبرًا ودعوةً وصبرًا حقيقةٌ؛ بأن نعقد المجالس لنتدبرها ونتذاكرها، ونتناقل أخبارهم؛ علَّ الله عز وجل أن يشحذ فينا الهمة، فنبلغ ولو جزءًا يسيرًا مما بلغوا، وقديمًا قيل:
فتشبهوا إن لم تكونوا مثلهم إن التشبه بالكرام فلاح
ونقل عن أبي حنيفة رضي الله عنه:"سير الرجال أحب إليَّ من كثير من الفقه"وما ذاك إلا لأن سير الرجال، وأخبار القوم من العلماء الربانيين تشحذ الهمم حينما يستمع إليها الطالب فتعينه على مواصلة طريقه في طلب العلم، وتعينه على الاجتهاد وبذل التضحيات اقتداءً وتأسيًا بأولئك السابقين الذين يقرءون ويتدبرون ويتناقلون أخبارهم.
وقال الإمام ابن الجوزي رحمة الله عليه في كتاب المنتظم في تاريخ الملوك والأمم:"واعلم أن في ذكر السير والتاريخ فوائد كثيرة، من أهمها أن يطلع بذلك على عجائب الأمور، وتقلبات الزمن، وتصاريف القدر، وسماع الأخبار، فالنفس تجد راحةً بسماع الأخبار، قال أبو عمرو بن العلاء: قيل لرجل من بكر بن وائل قد كبر وذهبت منه لذة المأكل والمشرب والنكاح؛ قيل له: أتحب أن تموت؟ قال: لا، قيل له: فما بقي لك من لذة الدنيا؟ قال: أستمع أخبار الرجال وأستمع العجائب"
إذًا: فخير وسيلة لإشعال العزائم، وإثارة الروح الوثابة، وقدح المواهب، وإذكاء الهمم، وتقويم الأخلاق بصمت وهدوء دون أمر ونهي، والتسامي إلى معالي الأمور، والترفع عن سفسافها، والاحتذاء بسير الأجلاء الأسلاف؛ خير سبيل إلى ذلك كله هو قراءة سير لبعض العلماء الصلحاء، والوقوف على أخبار الرجال العظماء، والتملي من اجتلاء مناقب الصالحين الربانيين، والاقتراب من العلماء النبهاء العاملين المجدين.
وبعد هذه المقدمة نبدأ في سرد بعض أخبارهم رحمة الله عليهم ورضي عنهم.ضوابط في الجرح والتعديل عند أهل العلم ... فعن مالك بن أنس رضي الله عنه وأرضاه، قال:"سألت سعيد بن المسيب: إنه ليس من شريف، ولا عالم، ولا ذي فضل إلا وفيه عيب، ولكن من الناس من لا ينبغي أن تذكر عيوبه فقال: [[ من كان فضله أكثر من نقصه وهب نقصه لفضله ] ]."
وهذه درة عظيمة من سعيد بن المسيب وأما الرواية التي تنقل عنه أنه قال: [[ سيبوني سيبهم الله ] ] فهي رواية غير ثابتة كما ذكر ذلك بعض المحققين، فالمقصود أن سعيد بن المسيب رحمة الله عليه، يقول: من كان فضله أكثر من نقصه وهب نقصه لفضله. وهذه قاعدة عظيمة جليلة ينبغي لطلبة العلم أن يجعلوها نصب أعينهم دائمًا، فهي قاعدة في الجرح والتعديل، إذ ينبغي للمسلم وخصوصًا طالب العلم المأمور بحفظ اللسان عن الوقيعة في العلماء، عن الوقيعة في الأخيار من العباد الصلحاء، فمن غلب جانب فضله تغوضي عن نقصه، ولم يشهر به، ولم ينكر عليه، ولم يحذر منه بسبب ما فيه من نقص وتقصير؛ لأن الفضل الكثير يغمر النقص القليل، وقديمًا قيل مستدلين بحديث: {إذا بلغ الماء قلتين لم يحمل الخبث } .
وقال الذهبي رحمة الله عليه في ترجمته لقتادة بن دعامة السدوسي: وهو حجة بالإجماع إذا بين السماع فإنه مدلس معروف بذلك وقيل كان يرى القدر- نسأل الله العفو والعافية- ومع هذا، فما توقف أحد في صدقه وعدالته وحفظه، ولعل الله يعذر أمثاله ممن تلبس ببدعة يريد بها تعظيم الباري وتنزيهه، وبذل وسعه، والله حكم عدل لطيف بعباده لا يُسْأَلُ عَمَّا يَفْعَلُ [الأنبياء:23] ، قال الذهبي رحمة الله عليه مسترسلًا: ثم إن الكبير من أئمة العلم إذا كثر صوابه، وعلم تحريه للحق، واتسع علمه، وظهر ذكاؤه، وعرف صلاحه وورعه واتباعه تغفر له زلاته، ولا نضلله ونصطرفه، وننسى محاسنه، ولا نقتدي به في بدعته وخطئه، ونرجو له التوبة من ذلك.
وهذه في سابقتها نادرة عظيمة ينبغي أن يضعها طلبة العلم في أذهانهم، وأن يجعلوها نصب أعينهم عند تقويمهم للرجال.
وعن ابن المديني سمعت سفيان يقول: [[ كان ابن عياش يقع في عمر بن ذر ويشتمه، فلقيه عمر بن ذر ، فقال: يا هذا لا تفرط في شتمنا، وأبق للصلح موضعًا، فإنا لا نكافئ من عصى الله فينا بأكثر من أن نطيع الله فيه ] ].
وهكذا يجب أن يكون طالب العلم إذا بلغه عن أحد من الناس أنه يقع فيه، أو يشتمه، أو يتأو يتكلم فيه، أو يقدح؛ فإن الواجب عليه أن يلقاه ويتأكد من صحة الخبر، ثم بعد ذلك يقول له هذه المقالة: إنك إن عصيت الله فينا، فلن نعصي الله فيك، بل سنطيع الله فيك، ولا نقدح فيك، ولا نتكلم، وقد صح عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: {أد الأمانة إلى من ائتمنك، ولا تخن من خانك } ^ وقال الله جل وعلا: ادْفَعْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ السَّيِّئَةَ نَحْنُ أَعْلَمُ بِمَا يَصِفُونَ [المؤمنون:96] ^ وقال تعالى: ادْفَعْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ فَإِذَا الَّذِي بَيْنَكَ وَبَيْنَهُ عَدَاوَةٌ كَأَنَّهُ وَلِيٌّ حَمِيمٌ [فصلت:34] ^ أي: ادفع سيئة من أساء إليك بالحسنة التي هي أحسن، أي: الكلمة والخصلة التي هي أحسن فَإِذَا الَّذِي بَيْنَكَ وَبَيْنَهُ عَدَاوَةٌ كَأَنَّهُ وَلِيٌّ حَمِيمٌ [فصلت:34] ^ أي: صديق عزيز شديد الصداقة لك بسبب أنك رددت إساءته بالإحسان.
وروى عبدان بن عثمان عن عبد الله بن المبارك -وهذا أيضًا ضابط في الجرح والتعديل- قال: [[ إذا غلبت محاسن الرجل على مساوئه لم تذكر المساوئ، وإذا غلبت المساوئ عن المحاسن لم تذكر المحاسن ] ].
فالعبرة بأغلب حاله وبمجمله وأكثره، فإن كان أكثر أحواله المحاسن والصلاح، والخير والدعوة والنصح للأمة وللمسلمين، تغوضي عن سيئاته، ولم يشهر به، وأسر بها إسرارًا إليه، وإن كان غالب حاله الضلال والفساد والإضلال والمساوئ، فإن جانب المساوئ يغلَّب، ويُحذَّر منه.فعن مالك بن أنس رضي الله عنه وأرضاه، قال:"سألت سعيد بن المسيب: إنه ليس من شريف، ولا عالم، ولا ذي فضل إلا وفيه عيب، ولكن من الناس من لا ينبغي أن تذكر عيوبه فقال: [[ من كان فضله أكثر من نقصه وهب نقصه لفضله ] ]."
وهذه درة عظيمة من سعيد بن المسيب وأما الرواية التي تنقل عنه أنه قال: [[ سيبوني سيبهم الله ] ] فهي رواية غير ثابتة كما ذكر ذلك بعض المحققين، فالمقصود أن سعيد بن المسيب رحمة الله عليه، يقول: من كان فضله أكثر من نقصه وهب نقصه لفضله. وهذه قاعدة عظيمة جليلة ينبغي لطلبة العلم أن يجعلوها نصب أعينهم دائمًا، فهي قاعدة في الجرح والتعديل، إذ ينبغي للمسلم وخصوصًا طالب العلم المأمور بحفظ اللسان عن الوقيعة في العلماء، عن الوقيعة في الأخيار من العباد الصلحاء، فمن غلب جانب فضله تغوضي عن نقصه، ولم يشهر به، ولم ينكر عليه، ولم يحذر منه بسبب ما فيه من نقص وتقصير؛ لأن الفضل الكثير يغمر النقص القليل، وقديمًا قيل مستدلين بحديث: {إذا بلغ الماء قلتين لم يحمل الخبث } .
وقال الذهبي رحمة الله عليه في ترجمته لقتادة بن دعامة السدوسي: وهو حجة بالإجماع إذا بين السماع فإنه مدلس معروف بذلك وقيل كان يرى القدر- نسأل الله العفو والعافية- ومع هذا، فما توقف أحد في صدقه وعدالته وحفظه، ولعل الله يعذر أمثاله ممن تلبس ببدعة يريد بها تعظيم الباري وتنزيهه، وبذل وسعه، والله حكم عدل لطيف بعباده لا يُسْأَلُ عَمَّا يَفْعَلُ [الأنبياء:23] ، قال الذهبي رحمة الله عليه مسترسلًا: ثم إن الكبير من أئمة العلم إذا كثر صوابه، وعلم تحريه للحق، واتسع علمه، وظهر ذكاؤه، وعرف صلاحه وورعه واتباعه تغفر له زلاته، ولا نضلله ونصطرفه، وننسى محاسنه، ولا نقتدي به في بدعته وخطئه، ونرجو له التوبة من ذلك.
وهذه في سابقتها نادرة عظيمة ينبغي أن يضعها طلبة العلم في أذهانهم، وأن يجعلوها نصب أعينهم عند تقويمهم للرجال.
وعن ابن المديني سمعت سفيان يقول: [[ كان ابن عياش يقع في عمر بن ذر ويشتمه، فلقيه عمر بن ذر ، فقال: يا هذا لا تفرط في شتمنا، وأبق للصلح موضعًا، فإنا لا نكافئ من عصى الله فينا بأكثر من أن نطيع الله فيه ] ].
وهكذا يجب أن يكون طالب العلم إذا بلغه عن أحد من الناس أنه يقع فيه، أو يشتمه، أو يتأو يتكلم فيه، أو يقدح؛ فإن الواجب عليه أن يلقاه ويتأكد من صحة الخبر، ثم بعد ذلك يقول له هذه المقالة: إنك إن عصيت الله فينا، فلن نعصي الله فيك، بل سنطيع الله فيك، ولا نقدح فيك، ولا نتكلم، وقد صح عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: {أد الأمانة إلى من ائتمنك، ولا تخن من خانك } ^ وقال الله جل وعلا: ادْفَعْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ السَّيِّئَةَ نَحْنُ أَعْلَمُ بِمَا يَصِفُونَ [المؤمنون:96] ^ وقال تعالى: ادْفَعْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ فَإِذَا الَّذِي بَيْنَكَ وَبَيْنَهُ عَدَاوَةٌ كَأَنَّهُ وَلِيٌّ حَمِيمٌ [فصلت:34] ^ أي: ادفع سيئة من أساء إليك بالحسنة التي هي أحسن، أي: الكلمة والخصلة التي هي أحسن فَإِذَا الَّذِي بَيْنَكَ وَبَيْنَهُ عَدَاوَةٌ كَأَنَّهُ وَلِيٌّ حَمِيمٌ [فصلت:34] ^ أي: صديق عزيز شديد الصداقة لك بسبب أنك رددت إساءته بالإحسان.
وروى عبدان بن عثمان عن عبد الله بن المبارك -وهذا أيضًا ضابط في الجرح والتعديل- قال: [[ إذا غلبت محاسن الرجل على مساوئه لم تذكر المساوئ، وإذا غلبت المساوئ عن المحاسن لم تذكر المحاسن ] ].
فالعبرة بأغلب حاله وبمجمله وأكثره، فإن كان أكثر أحواله المحاسن والصلاح، والخير والدعوة والنصح للأمة وللمسلمين، تغوضي عن سيئاته، ولم يشهر به، وأسر بها إسرارًا إليه، وإن كان غالب حاله الضلال والفساد والإضلال والمساوئ، فإن جانب المساوئ يغلَّب، ويُحذَّر منه.
من أخبار أهل العلم في الطلب
من أخلاق الإمام الشافعي في الخلاف ... قال يونس الصدفي: ما رأيت أعقل من الشافعي - ظرته يومًا في مسألة، ثم افترقنا، ولقيني فأخذ بيدي، ثم قال: يا أبا موسى ؛ ألا يستقيم أن نكون إخوانًا وإن لم نتفق في مسألة.
يعني: على الرغم من خلافي معك في مسألة من مسائل العلم، فإن الواجب أن تظل أخوتنا، ومودتنا، ولا يعادي بعضنا بعضًا بسبب اختلافنا في مسألة من مسائل العلم.قال يونس الصدفي: ما رأيت أعقل من الشافعي - ظرته يومًا في مسألة، ثم افترقنا، ولقيني فأخذ بيدي، ثم قال: يا أبا موسى ؛ ألا يستقيم أن نكون إخوانًا وإن لم نتفق في مسألة.
يعني: على الرغم من خلافي معك في مسألة من مسائل العلم، فإن الواجب أن تظل أخوتنا، ومودتنا، ولا يعادي بعضنا بعضًا بسبب اختلافنا في مسألة من مسائل العلم.موقف عمر ممن يرد على ابن مسعود ... وقد كان السلف رحمة الله عليهم من طلبة العلم يُجلون العلماء ويرفعون قدرهم؛ أيما إجلال وأيما تقدير.
مما نقل عن الصحابة في ذلك ما رواه أبو وائل أن ابن مسعود رضي الله عنه وأرضاه رأى رجلًا قد أسبل إزاره وقد صح عن النبي صلى الله عليه وسلم: {ما أسفل من الكعبين من الإزار ففي النار } وصح عنه صلى الله عليه وسلم: {إزرة المؤمن إلى أنصاف ساقيه } فالمقصود أن ابن مسعود رضي الله عنه وأرضاه قال للرجل المسبل:[[ ارفع إزارك، فقال ذلك الرجل المسبل: وأنت يابن مسعود فارفع إزارك.
فقال: إن بساقي حموشة وأنا أؤم الناس ]] فبين عذره في إنزال إزاره.
فبلغ ذلك عمر رضي الله عنه وأرضاه أن ذلك الرجل رد على عبد الله بن مسعود ، وقال له: [[ وأنت لماذا لم ترفع إزارك؟- فجعل عمر يضرب الرجل، ويقول له: أهكذا ترد على ابن مسعود ! أهكذا ترد على ابن مسعود ! ] ].
وما ذاك من عمر إلا تأديبًا لهذا الرجل وأمثاله لكي يستقيم أدبهم مع أهل العلم والإيمان والفضل.وقد كان السلف رحمة الله عليهم من طلبة العلم يُجلون العلماء ويرفعون قدرهم؛ أيما إجلال وأيما تقدير.
مما نقل عن الصحابة في ذلك ما رواه أبو وائل أن ابن مسعود رضي الله عنه وأرضاه رأى رجلًا قد أسبل إزاره وقد صح عن النبي صلى الله عليه وسلم: {ما أسفل من الكعبين من الإزار ففي النار } وصح عنه صلى الله عليه وسلم: {إزرة المؤمن إلى أنصاف ساقيه } فالمقصود أن ابن مسعود رضي الله عنه وأرضاه قال للرجل المسبل:[[ ارفع إزارك، فقال ذلك الرجل المسبل: وأنت يابن مسعود فارفع إزارك.
فقال: إن بساقي حموشة وأنا أؤم الناس ]] فبين عذره في إنزال إزاره.
فبلغ ذلك عمر رضي الله عنه وأرضاه أن ذلك الرجل رد على عبد الله بن مسعود ، وقال له: [[ وأنت لماذا لم ترفع إزارك؟- فجعل عمر يضرب الرجل، ويقول له: أهكذا ترد على ابن مسعود ! أهكذا ترد على ابن مسعود ! ] ].
وما ذاك من عمر إلا تأديبًا لهذا الرجل وأمثاله لكي يستقيم أدبهم مع أهل العلم والإيمان والفضل. أدب الطلب عند ابن عباس ...
عن محمد بن عمرو عن أبي سلمة: [[أن ابن عباس رضي الله عنهما قام إلى زيد بن ثابت ، فأخذ له بركابه، فقال: تنح يا بن عم رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال ابن عباس: إنا هكذا نفعل بعلمائنا وكبرائنا ] ]^ وهذا من أدبه رضي الله عنه وأرضاه، ولذلك حصل ذلك العلم الجم استجابة لدعاء رسول الله صلى الله عليه وسلم: {اللهم فقهه في الدين، وعلمه التأويل } .عن محمد بن عمرو عن أبي سلمة: [[أن ابن عباس رضي الله عنهما قام إلى زيد بن ثابت ، فأخذ له بركابه، فقال: تنح يا بن عم رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال ابن عباس: إنا هكذا نفعل بعلمائنا وكبرائنا ] ]^ وهذا من أدبه رضي الله عنه وأرضاه، ولذلك حصل ذلك العلم الجم استجابة لدعاء رسول الله صلى الله عليه وسلم: {اللهم فقهه في الدين، وعلمه التأويل } .الخليفة بين يدي عطاء ... وقال إبراهيم بن إسحاق الحربي: كان عطاء بن أبي رباح عبدًا أسود لامرأة من أهل مكة ، وكان أنفه كأنه باقلاء، فجاء سليمان بن عبد الملك أمير المؤمنين إلى عطاء هو وابناه، فجلسوا إلى عطاء في مكة ، وكان مفتيها في زمانه رضي الله عنه وأرضاه، فجلسوا إليه وهو يصلي، فلما صلى انفتل إليهم، فما زالوا يسألونه عن مناسك الحج وقد حول قفاه إليهم، ثم قال سليمان لابنيه: قوما، فقاما، فقال: يا بني لا تنيا في طلب العلم -أي: لا تقصرا ولا تتعبا في طلب العلم- فإني لا أنسى ذلنا بين يدي هذا العبد.
يعني: أن أمير المؤمنين وخليفة الناس الذي ملك الناس في زمانه، بل كل الدولة الإسلامية جاء عند عطاء بن أبي رباح وكان مولى لامرأة، ثم أعتق، فجلس إليه يسأله عن العلم، و عطاء لا يلتفت إليه مستقبلًا القبلة يجيبهم على أسئلتهم وهم قريب من قفاه رضي الله عن عطاء وأرضاه، فالمقصود أن سليمان أخذ من هذا درسًا، وقال لبنيه: لا تنيا في طلب العلم، فإني لا أنسى ذلنا بين يدي هذا العبد، وسماه العبد باعتبار ما كان.
وقيل في عطاء بن أبي رباح رحمة الله عليه من شدة علمه: كان أشل، وكان أعور، وكان أفطس، وكان بحرًا بالعلوم، ولذلك قال بعضهم:
أشل أعور أفطس ومن بحوره العلوم تقتبس
رحمة الله عليه.
وعن عمر بن المدرك ، قال: حدثنا القاسم بن عبد الرحمن ، حدثنا أشعث بن شعبة النشيطي ، قال: قدم الرشيد - يعني: هارون الرشيد - الرقة؛ فانجفل الناس خلف عبد الله بن المبارك ، صادف أن عبد الله بن المبارك قدم في نفس الوقت الذي قدم فيه أمير المؤمنين، فعبد الله بن المبارك أمير المؤمنين بالحديث، و هارون الرشيد أمير المؤمنين في زمانه، فقدما الرقة في وقت واحد، قال: فانجفل الناس خلف عبد الله بن المبارك ، وتقطعت النعال من الزحام، وارتفعت الغبرة، فأشرفت أم ولد لأمير المؤمنين من برج القصر، فقالت: ما هذا؟
فقالوا: هذا عالم من أهل خراسان ، يقال له عبد الله بن المبارك قدم، قالت: والله هذا الملك لا ملك هارون الرشيد الذي لا يجمع الناس إلا بشرط وأعوان.وقال إبراهيم بن إسحاق الحربي: كان عطاء بن أبي رباح عبدًا أسود لامرأة من أهل مكة ، وكان أنفه كأنه باقلاء، فجاء سليمان بن عبد الملك أمير المؤمنين إلى عطاء هو وابناه، فجلسوا إلى عطاء في مكة ، وكان مفتيها في زمانه رضي الله عنه وأرضاه، فجلسوا إليه وهو يصلي، فلما صلى انفتل إليهم، فما زالوا يسألونه عن مناسك الحج وقد حول قفاه إليهم، ثم قال سليمان لابنيه: قوما، فقاما، فقال: يا بني لا تنيا في طلب العلم -أي: لا تقصرا ولا تتعبا في طلب العلم- فإني لا أنسى ذلنا بين يدي هذا العبد.