تردد في السنوات الأخيرة ولايزال وفي إطار الصراع مع العدو الصهيوني ما يعرف بالعمليات الاستشهادية، بعد غيبة من الأمة طويلة عن هذه المعاني الجهادية الكريمة، مما أذلها وأغرى بها عدوها، حيث تحقق فيها القول المأثور (ما ترك قوم الجهاد في سبيل الله إلا ذلوا، ولاتشيع الفاحشة في قوم قط إلا عمهم الله بالبلاء) .
ولقد كثر الكلام حول مشروعية العمليات الاستشهادية ومدى حرمتها أو جوازها.
وفي المقال سأتناول بعون الله تعالى الموضوع مستعرضًا الأدلة التي اعتمدها كل فريق، مؤكدًا مشروعية العمليات الاستشهادية، بل وجوب اعتمادها ودعمها وتشجيعها، لأنها السلاح الوحيد القادر بعون الله على تدمير هذا الكيان السرطاني، وإزالته من الوجود، وتحقيق الموعود الرباني الذي أكده رسول الله ص بقوله: (لا تقوم الساعة حتى يقاتل المسلمون اليهود فيقتلونهم، فيختبيء اليهودي وراء كل شجر وحجر، فيقول الشجر والحجر: يامسلم، ياعبدالله، ورائي يهودي تعال فاقتله، إلا شجر الغرقد فإنه من شجر يهود) .
معنى الاستشهاد
هو طلب الشهادة في سبيل الله، والتصميم عليه، وصولًا إلى بلوغه وتحقيق المقصدين الأساسيين منه: (1) الفوز برضاء الله تعالى وجنته (2) إيقاع المستطاع الأكبر من الأذى في العدو نفسيًا وحسيًا.
وترجمة الاستشهاد اليوم يمكن أن تتحقق من خلال اقتحام موقع للعدو وتفجيره جسديًا أو آليًا، دون أية مظنة للنجاة، عدا تقدير العزيز العليم.
فهو إقبال على الشهادة بكل تصميم وإصرار وفرح بلقاء الله تعالى، ومن أحب لقاء الله تعالى أحب لقاءه، ومن أحب الله لقاءه أعتق رقبته وأدخله جنته.
عكس الانتحار
وليس بين الاستشهاد في سبيل الله وبين الانتحار الذي هو قتل النفس التي حرم الله بغير حق أدنى صلة أو علاقة، والحكم الشرعي في كليهما كالحكم الشرعي بين الحلال والحرام، ومصير من يأتيهما كمصير الجنة والنار.
الانتحار هروب بسبب ظروف الحياة، وكفران بما عند الله ومخالفة صريحة لأمره.. أما الاستشهاد فهو تضحية بالنفس في سبيل الله واستعلاء على الدنيا وزهد بها، طمعًا في الآخرة وما عند الله وما عند الله خير وأبقى"للذين آمنوا وعلى"ربهم يتوكلون (الشورى 36) .
والانتحار جبن ويأس من روح الله ولا تيأسوا من روح الله إنه لا ييأس من روح الله إلا القوم الكافرون (يوسف 87) وهو اعتراض على قضاء الله وقدره، وتحد لإرادته ومشيئته، أما الاستشهاد فهو ذروة الإجابة لأمر الله تعالى في مجاهدة أعدائه وقهر أولياء الشيطان، مصداقًا لقوله فقاتلوا أولياء الشيطان إن كيد الشيطان كان ضعيفا (النساء 76) ، وقوله قاتلوهم يعذبهم الله بأيديكم ويخزهم وينصركم عليهم ويشف صدور قوم مؤمنين ا (التوبة 14) .
أما إذا قيل بأن العمليات الاستشهادية ضرب من الإرهاب، فهذا صحيح.. وإنما هو الإرهاب الذي حض عليه الإسلام وأشار إليه الله تعالى بقوله وأعدوا لهم ما استطعتم من قوة ومن رباط الخيل ترهبون به عدو الله وعدوكم (الأنفال 76) .
إن من قبيل التعامل بالمثل على الأقل أن يواجه الإرهاب الصهيوني وهو الإرهاب الضارب في عمق التاريخ وعلى إمتداده بما يماثله ويردعه امتثالًا لقوله فمن اعتدى"عليكم فاعتدوا عليه بمثل ما اعتدى"عليكم (البقرة 194) وقاتلوا في سبيل الله الذين يقاتلونكم (البقرة 190) .
المعترضون
وهم ليسوا سواء: فمنهم علماء نحسبهم صادقين، تناولوا العمليات الاستشهادية، بعيدًا عن أبعاد التآمر الصهيوني ومقاصده ومخاطره.
ومنهم مقلدون يرددون أقوال أولئك دون أن يكون لديهم نصيب من العلوم الشرعية التي تخولهم النظر في أمثال هذه الموضوعات.
ويبقى من المعترضين صنف المرجفين المشككين الذين يظاهرون اليهود بمواقفهم تلك على أمتهم، فهؤلاء الذين باعوا دينهم بعرض زائل، وارتضوا بالحياة الدنيا من الآخرة، وهم لايستحقون الحوار والنقاش، بل إننا لانحسبهم منا، إذا ارتضوا أن يكونوا مع أعدائنا.
وقد كنت بصدد تفنيد مزاعم هؤلاء لولا أن الآثار الباهرة التي خلفتها العمليات الاستشهادية على الكيان الصهيوني، وما أدت إليه الانتفاضة المباركة والمقاومة من إسقاط وهم أسطورة الدولة التي لاتقهر، جعلني أعزف عن ذلك، لأن أدلتهم سقطت ميدانيًا.
في شروط المجيزين للعمليات
هناك مجموعة من الشروط توقف عندها بعض العلماء الذين أجازوا العمليات الاستشهادية نقتطف منها التالي:
وجوب الهروب والنجاة بعد التفجير إن قدر ذلك.
ضمان تحقيق النكاية بالعدو وإنزال الخسارة به.
اشتراط وجود خلافة وقيادة إسلامية للجيش وموافقتها على ذلك.
في حال ضمان عدم تترس العدو بالمسلمين وبخاصة نساؤهم وعجائزهم وأطفالهم.
تحقق مصلحة حقيقية يقينية للمسلمين فإن عُلم خلاف ذلك لايجوز.
عدم وجود بديل آخر لقهر العدو والتغلب عليه.
أن يكون قصد الاستشهادي إعلاء كلمة الله والموت في سبيله وإعزاز دينه.
أن يكون تقدير المصالح الناجمة عن العمليات الاستشهادية للجماعة وليس للفرد.
في الأدلة المجمع عليها من المجيزين
كثيرة هذ الأدلة الشرعية التي تجيز وتحض وتبارك العمليات الاستشهادية والتي يصعب إحصاؤها.. لذلك سأكتفي هنا بإيراد بعضها.
1 قول محمد بن الحسن الشيباني: (لو حمل رجل واحد على ألف رجل من المشركين وهو وحده، لم يكن بذلك بأس، إذا كان يطمع في نجاة أو نكاية في العدو) تفسير القرطبي ص-264.
2 قول ابن العربي في الاقتحام على العسكر: (لابأس أن يحمل الرجل وحده على الجيش العظيم، إذا كان فيه قوة، وكان لله بنية خالصة، وذلك بّين في قوله تعالى: ومن الناس من يشري نفسه ابتغاء مرضات الله والله رءوف بالعباد(البقرة 207) قواعد الأحكام.
3 قول العز بن عبدالسلام: (التغرير في النفوس إنما جاز لما فيه من مصلحة إعزاز الدين في النكاية في المشركين، فإذا لم تحصل النكاية وجب الانهزام) قواعد الأحكام.
4 قول شيخ الإسلام ابن تيمية: (.. ولهذا جوز الأئمة الأربعة أن ينغمس المسلم في صف الكفار وإن غلب على ظنه أنهم يقتلونه، إذا كان في ذلك مصلحة للمسلمين) مجموع الفتاوى 28-540.
5 قول السيوطي: (لابأس بالانهزام إذا أتى المسلم من العدو مالا يطيقه، ولابأس بالصبر أيضًا بخلاف ما يقوله بعض الناس إنه إلقاء بالنفس إلى التهلكة بل في هذا تحقيق بذل النفس في سبيل الله تعالى، فقد فعله غير واحد من الصحابة رضي الله عنهم) شرح السير الكبير 1-125.6 وقال ابن عابدين: (لابأس أن يحمل الرجل وحده وإن ظن أنه يقتل، إذا كان يصنع شيئا بقتل أو بجرح أو بهزم) حاشية ابن عابدين 4-202.
بعض آثار العمليات الاستشهادية
إن الآثار التي أحدثتها العمليات الاستشهادية أكبر من أن تحصى، من ذلك:
إسقاط أسطورة الدولة التي لاتقهر.
إرباك المشروع الصهيوني جملةً وتفصيلًا.
ضرب استقرار وأمن الكيان المحتل.
سقوط العديد من القتلى والجرحى في صفوف العدو.
تزايد أعداد الفارين والهاربين والمهاجرين من الأرض المحتلة، مما دفع السلطات إلى حجز جوازات السفر كإجراء قمعي لوقف تدفق المغادرين.
ضرب الاقتصاد الصهيوني وتعطيل حركة السياحة.
انسحاب القوات المحتلة من الجنوب اللبناني.
بعث الروح الجهادية لدى المسلمين وإحياء الأمل لديهم بالنصر.
طرح الإسلام عقيدة وشريعة ومنهجًا كخيار حتمي لإخراج الأمة من الواقع المهين الذي تعيش فيه.
نماذج لعمليات استشهادية
عبر التاريخ
نكتفي تحت هذا العنوان باستعراض نماذج لعمليات استشهادية متفرقة من التاريخ الإسلامي.
حادث عمير بن الحمام الأنصاري يوم بدر.
حادث عوف بن الحرث يوم بدر.
بيعة الموت.
طارق بن زياد وإحراق السفن حتى لاتحدث أحدًا نفسه بالعودة والفرار.
في معركة اليرموك: اقترب رجل من أبي عبيدة بن الجراح رضي الله عنه وقال: إني عزمت على الشهادة، فهل من حاجة أبلغها إلى رسول الله حين ألقاه؟ قال: نعم، قل له: (يارسول الله، إنا وجدنا ما وعدنا ربنا حقا) ، واندفع الرجل يقاتل بشدة حتى وقع شهيدًا. وأخيرًا فإن واقع المسلمين اليوم وعلى امتداد العالم يواجه أعتى التحديات وبخاصة من قِبل الصهيونية العالمية، والنظام الدولي.. وإن هذا الواقع الذي أنجب من رحم الإسلام ظاهرة الانتفاضة المباركة والمقاومة الإسلامية الظافرة بسلاح العقيدة والإيمان والشهادة، ليؤكد من جديد أن الإسلام هو الحل، كما يؤكد حتمية هذا الحل، لا لقضية فلسطين فحسب بل لقضايا الأمة كلها ومشكلاتها المختلفة. إن عملية استشهادية واحدة باتت تهز الكيان الصهيوني، وإن سلاح الشهادة أسقط أسطورة الدولة التي لاتقهر، وعطل السلاح النووي الذي تملكه تل أبيب لكونها عاجزة عن استخدامه. فما أحوج الأمة بأنظمتها ومؤسساتها وشعوبها لإدراك ذلك وللعمل على اسئتئناف الحياة الإسلامية في مجالات الحياة جميعها، استجابة للنداء القرآني الخالد يا أيها الذين آمنوا استجيبوا لله وللرسول إذا دعاكم لما يحييكم (الأنفال 24) .
ــــــــــــــ