فهرس الكتاب

الصفحة 20 من 289

بينما الناس في ظل دولة الإسلام يعيشون هذا الجو المشرق بالصفاء، المليء بالعدالة والإنصاف، إذ فاجأهم حادث أليم، هو مقتل أمير المؤمنين عمر بيد أعجمي، فكان ذلك الحادث صدمة عنيفة روّعت المسلمين، وغيرت من شعور كثير منهم تجاه الأعاجم: مَنْ أسلم منهم ومَنْ لم يسلم، بعدما ظهرت أصابع الأعاجم ملطخة بدماء عمر..

لقد اشتكى أبو لؤلؤة إلى أمير المؤمنين عمر أن سيده المغيرة بن شعبة يكلفه أكثر مما يستطيع، فرأى عمر أن دفع درهمين في اليوم ليس شيئا كثيرا على رجل يجيد ثلاث صنائع كأبي لؤلؤة، فبيَّت العبد شرا، وأعد خنجرا له نصلان، ضرب به أمير المؤمنين وهو بين يدي ربه في الصلاة، فذهب شهيدا.

وبقي الحادث ليس أكثر من حقد وغل في قلب هذا العبد، إلا أنه كشف عن أخطار يمكن أن تأتي من جهة بعض الموالي الذين عاشوا في قلب دولة الإسلام بعد أن فتح المسلمون بلادهم ، لذا أسرع عبيد الله بن عمر في فورة الحزن على أبيه الراحل وقتل الهرمزان وجُفينة النصراني وابنةً لأبي لؤلؤة..

لقد كان مصرع الخليفة العادل مفاجأة محزنة للمسلمين، وسارة لغيرهم ممن وقفوا يقاومون الفاتحين، وفور سماع الفرس والروم خبر مقتل عمر ظنوا أن وفاته هي فرصتهم لإعادة الأمور إلى ما كانت عليه قبل الفتوحات، لكنهم فشلوا في ذلك تماما.

لقد غلب الشابُّ الأمويُّ عثمان بن عفان عصبيةَ بني أمية مبكرا، وأسرع بالاستجابة لصوت الحق الذي نادى به الرسول الهاشمي محمد بن عبد الله صلى الله عليه وسلم فما ترك عثمان الحقَّ لأن الذي يدعوه إليه رجل من بني هاشم، الذين ينافسون عائلته على الشرف والرئاسة في مكة.

وظل عثمان طوال حياته في كتيبة الحق، ينشر معهم الخير، ويشيع الفضيلة، ويقاوم الوثنية والعصبية الجاهلية. وكم كان قريبا من النبي القائد صلى الله عليه وسلم وموضع ثقته طوال حياته، مجاهدا معه، وملاصقا له. وبعد وفاة الرسول - صلى الله عليه وسلم بقي عثمان قريبا من صاحبيه أبي بكر وعمر مساعدا ومستشارا أمينا.

وبعد وفاتهما جاء الدور على عثمان ليتولى بنفسه إمارة المؤمنين، متحملا هذه المسئولية الصعبة بعد أن اتسعت الدولة الإسلامية، وانفردت في العالم كأقوى قوة بشرية في هذا العصر.

لقد تولى الخليفة الراشد الثالث الأمرَ، وحَمَلَ الأمانة، وأعطى عزمه الرشيد لمسئولياته الجسام، ومنهجُه في ذلك الرفق واللين، والعمل على راحة الرعية، وإيثار الآخرة الباقية على الدنيا الفانية.

وكان حياء عثمان الشهير مصحوبا بميل واضح نحو الرفق، وكراهية التشديد على الناس، وإن كان هذا مفيدا للنفوس السوية المستقيمة، فإن النفوس النكدة التي لم تُهذَّب رغباتها وتطلعاتها بالدين، ولم تؤدَّب سلوكياتها على ضوء الشريعة هذه النفوس تعده ضعفا وقلة خبرة..

ــــــــــــــ

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت