فهرس الكتاب

الصفحة 186 من 289

هذه دراسة في جهاد أهل الذكر، وبيان حالهم، في ساحات الجهاد، في سبيل الله، نشرح فيها معاني كلمة الذكر، في لغة القرآن الكريم، وصفات أهل الذكر، ومراتب الجهاد في سبيل الله، ومقام الجهاد في الدين، مع تقديم نماذج من جهاد أهل الذكر، من لدن عهد النبوة، والصحابة والتابعين لهم، لتكون أنموذجًا للاقتداء، حيث يقوم اليوم، طوائف من أهل الذكر، بأمر الدين، والجهاد في سبيل الله، يدورون مع الكتاب، حيث دار، ويهتدون بهدي السنة النبوية، ويجددون، أمر هذا الدين، يحيون شعائره، ويقيمون شرائعه، ويجمعون بين القرآن والسلطان، ويؤاخون بين السيف والقلم، وهم أهل البشرى، بشرنا الصادق المصدوق صلى الله عليه وسلم فقال: (لا يزال أهل الغرب، ظاهرين على الحق، حتى تقوم الساعة ) (1) ، وهم أهل الحدة، والشوكة، والسلاح، أي الجهاد في سبيل الله، وهم أيضًا، امتداد المهاجرين والأنصار، ممن ساحوا في الأقطار، يرفعون لواء التوحيد، وذلك إلى كونهم أظهر جهة في اتجاه الغرب، وأقربها من جهة القبلة.

وهذه هي المعاني الجامعة لكلمة الغرب، كما جاءت في هذا الحديث (2) ، وأنها الطائفة المنصورة إن شاء الله تعالى، تحقيقا لوعد ربنا: (ولقد سبقت كلمتنا لعبادنا المرسلين * إنهم لهم المنصورون * وإن جندنا لهم الغالبون ) (الصافات:171-173) .

معاني الذكر في لغة القرآن الكريم

قد جاءت معاني الذكر في القرآن الكريم، على أوجه كثيرة، يجمع بينها أنها تعد كلها من صفات أهل الذكر، منها ما يعد صفة ملازمة لأهل الذكر، الذاكرين الله كثيرًا:

(أ) فالذكر:بمعنى الوحي، كما في قوله تعالى: (أءلقى الذكر عليه من بيننا ) (القمر:25) ، يعني الوحي.

(ب) والذكر: بمعنى القرآن، كما في قوله تعالى: (وهذا ذكر مبارك أنزلنه ) (الأنبياء:50) ، يعني القرآن.

(ج) والذكر:بمعنى الحفظ، كما في قوله تعالى: (واذكروا ما فيه لعلكم تتقون ) (البقرة:63) ، يعني احفظوا ما فيه.

(د) والذكر:بمعنى طاعة الله، التي لا يكون بدونها أحد ذاكرًا، كما في قوله تعالى: (فاذكروني أذكركم ) (البقرة: 152) .

(هـ) والذكر:أيضًا الشيء يجري على اللسان، كما في قوله تعالى: ( فإذا قضيتم الصلوات فاذكروا الله ) (النساء:103) ، وقوله صلى الله عليه وسلم: (ما يزال لسانك رطبًا من ذكر الله ) (3) .

(و) والذكر بالقلب، كما في قوله تعالى: (والذين إذا فعلوا فاحشةً أو ظلموا أنفسهم ذكروا الله ) (آل عمران:135) ، أي ذكروه في أنفسهم، وعلموا أنه سائلهم عما عملوا.

(ز) والذكر:بمعني التفكر، وذلك في وقوله تعالى: (إن هو إلا ذكر للعالمين ) (يوسف:104) .

(ج) والذكر، والذكرى: بمعنى التذكير: (وذكر فإن الذكرى تنفع المؤمنين ) (الذاريات:55) .

(ط) والذكر، والذكرى: نقيض النسيان: (وادكر بعد أمة ٍ) (يوسف:45) ، أي تذكر بعد نسيان.

(ي) والذكر:بمعني الصلوات الخمس، وذلك في قوله تعالى: (رجال لاتلهيهم تجارة ولا بيع عن ذكر الله ) (النور:37) ، يعني الصلوات الخمس.

(ك) والذكر: بمعني الدراسة، كما في قوله تعالى: (واذكروا ما فيه ) (الأعراف:171) ، معناه: وادرسوا ما فيه.

(ل) والذكر: الصيت، والثناء، والشرف (ص والقرءان ذى الذكر ) (ص:1) .

(م) والذكر: بمعنى الخبر، كما في قوله تعالى: (سأتلوا عليكم منه ذكرا ً) (الكهف:83) ، يعني خبرًا.

(ن) والذكر: بمعني البيان، كما في قوله تعالى: (أوعجبتم أن جاءكم ذكر من ربكم ) (الأعراف:63و69) ، أي بيان من ربكم

(س) والذكر:الكتاب الذي فيه تفصيل الدين، ومنه قوله تعالى: (إنا نحن نزلنا الذكر وإنا له لحافظون ) (الحجر:9) .

(ع) الذكر: الصلاة، والتسبيح، والدعاء، والشكر، وتمجيد الله تعالى، وتهليله، والثناء على الله، بجميع محامده (4) .

(ص) وقد أحسن صنعًا، الحكيم الترمذي، حين ذكر قي كتابه: (تحصيل نظائر القرآن) ، أن من معاني الذكر: الجهاد. قال: (وإنما صار الذكر(الجهاد) في مكان آخر، لأنه إنما يجاهد عن لا إله إلا الله، ولإقامتها، وللذب عنها، فذلك الفعل هو ذكر) (5) .

ويلزم أهل الذكر، ليكونوا من أهل الثناء، والشرف، والرفعة حقيقية، أن يكونوا أهل فكر، وعظة، واعتبار، وعمل صالح، كالصلاة، والجهاد، وذكر الله بالقلب، واللسان، وذكر الله بتلاوة القرآن، وحفظه، وتدبره، ومعرفة بيانه، وأخباره، وذكر الله بالدعاء والتسبيح، والشكر، والثناء على الله تعالى.

هذا، وذكر الله واسع سعة معاني الدين، وشموله لشؤون الحياة كلها، كما نجد في الهدي النبوي، الأنموذج، والقدوة الحسنة. وقد كانت حياته صلى الله عليه وسلم، كلها ذكرًا، إذ كان يذكر الله في جميع أحيانه.

وهكذا كان فقه الصحابة..وهذه واحدة من الصحابيات الجليلات، كمثال على هذا الفقه: فعن أم الدرداء أنها قالت في تفسير قوله تعالى: (ولذكر الله أكبر ) (العنكبوت:45 ) .

فإن صليت، فهو من ذكر الله.

وإن صمت، فهو من ذكر الله.

وكل خير تعمله، فهو من ذكر الله.

وكل شر تجتنبه، فهو من ذكر الله.

وأفضل الذكر، تسبيح الله (6) .

صفات أهل الذكر

أهل الذكر هم المسبحون، الحامدون، التالون، المصلون، المقيمون لشعائر الله، وشرائعه، وهم المحبون لله تعالى، والمحبون لرسول الله صلى الله عليه وسلم، والذين يحبون إخوانهم في الدين، وهم المستجيبون لأمر ربهم، بالإكثار من ذكره تعالى.

قال تعالى: (يأيها الذين ءامنوا اذكروا الله ذكرًا كثيرًا * وسبحوه بكرة وأصيلا ً) (الأحزاب: 41-42) ، وقد جاءت هذه الآية، في سياق إثبات ختم النبوة والرسالة، لخاتم الأنبياء والمرسلين: (ما كان محمدُُ أبا أحدٍ من رجالكم ولكن رسول الله وخاتم النبيين وكان الله بكل شيءٍ عليم ًا) (الأحزاب:40) .. وفي الذكر إشارة واضحة، إلى أن الذكر صفة ملازمة لنبينا صلى الله عليه وسلم، وأنه جاء بالذكر ... . ذكرًا، ومذكرًا.

وفيها من لطائف الإشارات، أنها جاءت على رأس الأربعين آية من سورة الأحزاب، الموافقة لسن النبوة، عند نزول الوحي.

وقال تعالى: (والذاكرين الله كثيرًا والذاكرات أعد الله لهم مغفرةً وأجرًا عظيمًا ) (الأحزاب:35) .

وهذه الآية جاءت في سياق الأمر بذكر الله، وتلاوة كتابه، وإحسان الفقه في القرآن، علمًا، وعملًا، مع إخلاص الإسلام، والإيمان، وصدق للدين، والصبر، والخشوع، والإنفاق، والتصدق، والصيام، والعفاف، قال تعالى: (واذكرن ما يتلى في بيوتكن من ءايت الله والحكمة إن الله كان لطيفًا خبيرًا * إن المسلمين والمسلمات والمؤمنين والمؤمنات والقانتين والقانتات والصادقين والصادقات والصابرين والصابرات والخاشعين والخاشعات والمتصدقين والمتصدقات والصائمين والصائمات والحافظين فروجهم والحافظات والذاكرين الله كثيرًا والذاكرات أعد الله لهم مغفرةً وأجرًا عظيمًا ) (الأحزاب:34-35) ، وقال تعالى: (اتل ما أوحي إليك من الكتاب وأقم الصلوة إن الصلاة تنهى عن الفحشاء والمنكر ولذكر الله أكبر والله يعلم ما تصنعون ) (العنكبوت:45) ، أي ذكر الله لكم بالثواب، والثناء عليكم، أكبر من ذكركم له في عبادتكم، وصلواتكم.. قال معناه ابن مسعود، وابن عباس، وأبو الدرداء، وأبو قرة، وسلمان، والحسن، وهو اختيار الطبري (7) .. وثواب ذكر الله، هو أن يذكره الله تعالى، كما في الحديث القدسي: (من ذكرني في نفسه، ذكرته في نفسي، ومن ذكرني في ملأٍ ذكرته في ملأٍ خير منهم ) (8) .

والذكر النافع، هو ما كان مع العلم، وإقبال القلب، وتفرغه إلا من الله، وأهل الذكر، قد باعوا لله أنفسهم، وزكوا أنفاسهم في سبيل مرضاته، فما يقعدهم عن الجهاد شيء.. كيف لا وهم المتحققون بالتوبة، والعبادة الخالصة لله، وهي العبادة الجامعة لأركان الإسلام، وسهامه، وشعائره، وشرائعه، بالتوحيد الخالص، والصلاة الخاشعة، والإحسان في إيتاء الزكاة، وصيام رمضان والحج، والجهاد في سبيل الله، والأمر بالمعروف، والنهي عن المنكر، والمحافظة على حدود الله تعالى، والدعوة إليه جل جلاله: (إن الله اشترى من المؤمنين أنفسهم وأموالهم بأن لهم الجنة يقاتلون في سبيل الله فيقتلون ويقتلون وعدًا عليه حقًا في التوراة والإنجيل والقرءان ومن أوفى بعهده من الله فاستبشروا ببيعكم الذى بايعتم به وذلك هو الفوز العظيم * التائبون العابدون الحامدون السائحون الراكعون الساجدون الآءمرون بالمعروف والناهون عن المنكروالحفظون لحدود الله وبشر المؤمنين ) (التوبة:111-112) ، وقد ورد وصف المؤمنين من أهل الذكر، في سياق الجهاد، في صدر سورة الأنفال التي تسمى أيضًا سورة الجهاد، وسورة بدر: (يسئلونك عن الأنفال قل الأنفال لله والرسول فاتقوا الله وأصلحوا ذات بينكم وأطيعوا الله ورسوله إن كنتم مؤمنين * إنما المؤمنون الذين إذا ذكر الله وجلت قلوبهم وإذا تليت عليهم ءاياته زادتهم إيامنًا وعلى ربهم يتوكلون * الذين يقيمون الصلوة ومما رزقناهم ينفقون * أولئك هم المؤمنون حقًا لهم درجات عند ربهم ومغفرة ورزق كريم ) (الأنفال:1-4) . وذلك ليطهروا نفوسهم، عن الاشتغال بالاختلاف حول المغانم، ولتتعلق هممهم بالفردوس الأعلى، وليتحققوا الإيمان الكامل.

الجهاد وصدق الإيمان:

ثم إنه لا يكون صدق الإيمان بالله ورسوله صلى الله عليه وسلم، والاستقامة على دين الله، وأمره، إلا بالجهاد في سبيله تعالى، بالمال، والنفس، مصدقًا لقوله تعالى: (إنما المؤمنون الذين ءامنوا بالله ورسوله ثم لم يرتابوا وجهدوا بأموالهم وأنفسهم في سبيل الله أولئك هم الصدقون ) (الحجرات:15) .

جهاد النفس:

ولا يكون جهادنا في ساحات القتال، إلا ونحن نجاهد أنفسنا جهادًا عظيمًا، حتى نتخلى عن رغائب الدنيا، وجواذبها الأرضية، ومن لم يجاهد نفسه، لم ينتصر عليها، فيخرج مقاتلًا للعدو الخارجي: (كتب عليكم القتال وهو كره لكم وعسى أن تكرهوا شيئا ًوهو خيرُُ لكم وعسى أن تحبوا شيئًا وهو شرُُ لكم والله يعلم وأنتم لا تعلمون ) (البقرة:216) ، وبجهاد النفس، يصير ما تكرهه حبيبًا إليها، حتى القتال، ومبارزة العدو، وتعريض النفس للخطر، وحينئذ فالمجاهدون لا يفرغون من غزوة، إلا وأعدوا أنفسهم لما بعدها، ولولا هذه الروح الدافعة، والسر العظيم في الجهاد، ما بلغوا في وجيز من الزمان مشارق الأرض ومغاربها. وفي بيان المقام العظيم لجهاد النفس يقول صلى الله عليه وسلم: (المجاهد من جاهد نفسه في ذات الله عز وجل ) (9) .

الجهاد: المعنى .. والمراتب

معنى الجهاد:

وتفسير الجهاد، في لغة القرآن الكريم، على ثلاثة وجوه:

1-الجهاد بالقول، في ذلك كما في قوله تعالى: (وجاهدهم به جهادًا كبيرًا ) (الفرقان:52) .

2-القتال بالسلاح كما في قوله تعالى: (لا يستوى القاعدون من المؤمنين غير أولى الضرر والمجاهدون في سبيل الله ) (النساء:95) .

3-الجهاد يعني العمل، فذلك قوله تعالى: (ومن جهاد فإنما يجاهد لنفسه ) (العنكبوت:6) ، يعني:ومن عمل الخير، فإنما يعمل لنفسه، وله نفع ذلك (10) .

والجهاد في سبيل الله باب واسع، فمنه جهاد النفس، وجهاد العلم، والحجة، واللسان، وجهاد المال، والبذل، والإنفاق، وجهاد العدو بالقتال والمبارزة.

وقد حقق بعض العارفين القول في الجهاد، ومراتبه، على نحو ما يرد موجزًا، في فيما يلي:

مراتب الجهاد:

الجهاد على أربع مراتب:

المرتبة الأولى:جهاد النفس، وهو أيضًا أربع مراتب:

أحدها:أن يجاهدها على تعلم الهدى.

الثانية:على العمل به بعد علمه.

الثالثة:على الدعوة إليه، وإلا كان من الذين يكتمون ما أنزل الله.

الرابعة: على الصبر على مشاق الدعوة، ويتحمل ذلك كله لله.

فإذا استكمل هذه الأربع، صار من الربانيين، فإن السلف مجمعون على أن العالم لا يكون ربانيًا، حتى يعرف الحق، ويعمل به، ويعلمه.

المرتبة الثانية:جهاد الشيطان، وهو مرتبتان:إحداهما، جهاده على دفع ما يلقي من الشبهات، والثانية جهاده على دفع ما يلقي من الشهوات.

فالأولى بعدة اليقين، والثانية بعدة الصبر، قال تعالى: (وجعلنا منهم أئمةً يهدون بأمرنا لما صبروا وكانوا بأياتنا يوقنون ) (السجدة:24) .

المرتبة الثالثة:جهاد الكفار والمنافقين، وهو أربع مراتب: بالقلب، واللسان، والمال والنفس.. وجهاد الكفار أخص باليد، وجهاد المنافقين أخص باللسان.

المرتبة الرابعة: جهاد أرباب الظلم، والمنكرات، والبدع، وهو ثلاث مراتب: باليد إذا قدر، فإن عجز انتقل إلى اللسان، فإن عجز جاهد بقلبه (11) .

وقد كانت حياة السلف الصالح، قائمة على ذكر الله آناء الليل، وأطراف النهار، تلاوة للقرآن، مع الالتزام ْوردٍ فيه معلوم، بحسب مقام كل واحد منهم، مع التزام الجماعة، جماعة المسلمين، وجماعة الصلاة، وقيام الليل، وصيام التطوع، والسعي في مصالح المسلمين، وإيصال النفع، والخير لهم، مع الاستقامة على أمر الله، والقيام بواجبات الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، في رفق، وأناة، وحلم، حتى رضى الله عنهم، ورضوا عنه، وكانوا خير أمة أخرجت للناس، يوالي بعضهم بعضًا، ويذكرون الله بلسان حالهم، ومقالهم، على نحو ما قال معاذ بن جبل رضى الله عنه: (اجلس بنا نؤمن ساعة) (12) .

وما أثر عن عمر رضي الله عنه، أنه كان يقول، وهو يأخذ بيد الرجل والرجلين أصحابه: (قم بنا نزدد إيمانًا) ، فيذكرون الله تعالى بعض الوقت (13) .

لقد كانوا حقًا رهبانًا في الليل، فرسانًا في النهار، وربما تقرحت بطون بعضهم، من التزام أكل قدر محدود من التمر كل يوم، كأهل الصفة الذين رحم حالهم حبيبهم رسول الله صلى الله عليه وسلم، الموصوف بالرأفة، والرحمة، حتى إنه لم يجد شيئًا يطعمهم غير شعير ولبن، مع تطييب خاطرهم، بأنه لا يجد في بيته غير هذا (14) .

وقد يسقط بعضهم من الإعياء، في طريقه إلى صلاة الجماعة، على قرب المكان، أو يربط على بطنه الحجر من الجوع، لكنه إذا نودي للجهاد، كان أسرع إجابة للنداء، ولربَّما قال بلسان حاله، أو مقاله: ما أحسن الآن لو سمعت مناديًا ينادي: يا خيل الله اركبي (15) . إن همهم الفردوس الأعلى.

وهذان مثلان لرجلين، من هؤلاء الرجال، فأحدهما وهو يصب ماء الضوء لنبي لله، فيطلبه أن يسأل ما يتمنى، فلا يكون جوابه إلا: (أسألك مرافقتك في الجنة) ، قال له عليه الصلاة والسلام: (أو غير ذلك ) ؟ فأكد ما طلبه أولًا، فقال عليه الصلاة والسلام: ( فأعني على نفسك بكثرة السجود ) (16) .

والمثل الثاني لعمير بن الحمام، وقد بلغ به الشوق مداه لدار الخلد، لما سمع النبي صلى الله عليه وسلم يحض على القتال، ويبشر الشهداء، فما كان منه إلا أن سارع إلى مبتغاه، وهو يلقي، بتمرات كن معه قائلًا: (لئن أنا عشت حتى آكلهن إنها لحياة طويلة) (17) .

النبي صلى الله عليه وسلم أسوة المؤمنين في جميع أبواب البر:

وإن التأسي برسول الله صلى الله عليه وسلم، على قدر طاقتنا، وهو سيد الذاكرين، والشاكرين، والحامدين، والمصلين، والصائمين، والمنفقين، وهو سيد قراء القرآن، وهو قائد الغر المحجلين، وهو إمامنا في كل خير (18)

الجهاد ذروة سنام الإسلام:

والجهاد ذروة سنام الإسلام، وهو ركن من أركان الدين.. والنبي صلى الله عليه وسلم، أسوة المؤمنين، هو المعظم شأن الجهاد، الواصف له بأنه ذروة سنام الإسلام (19) .

والجهاد ملحق بأركان الإسلام الخمسة، وقد وعدّ النبي صلى الله عليه وسلم، أسهم الإسلام الثمانية: الخمسة المعروفة، وأضاف إليها ثلاثة، هي: الجهاد في سبيل الله، والأمر بالمعروف، والنهي عن المنكر (20) .

النبي صلى الله عليه وسلم أسوة الذاكرين والمجاهدين:

وقد جاء ذكر الأسوة في القرآن، في ثلاثة مواضع، في سورتي الأحزاب، والممتحنة، المدنيتين، كلها في سياق الولاء، والبراء في الله تعالى، والجهاد في سبيله.. ففي موضعي سورة الممتحنة، دعاء إلى التأسي بأبي الأنبياء إبراهيم عليه وعلى نبينا، وعلى جميع المرسلين الصلاة والسلام، وموضوع الأسوة هنا، في الولاء في الله تعالى، لأوليائه، والبراءة من المشركين، ومقاطعة الذين يصدون عن سبيل الله، ويبغونها عوجًا.

قال تعالى: (قد كانت لكم أسوة حسنة في إبراهيم والذين معه إذ قالوا لقومهم إنا بُرءآؤا منكم ومما تعبدون من دون الله كفرنا بكم وبدا بيننا وبينكم العداوة والبغضاء أبدًا حتى تؤمنوا بالله وحده إلا قول إبراهيم لأبيه لأستغفرن لك وما أملك لك من الله من شىءٍ ربنا عليك توكلنا وإليك أنبنا وإليك المصير * ربنا لا تجعلنا فتنة للذين كفروا واغفر لنا ربنا إنك أنت العزيز الحكيم * لقد كان لكم فيهم أسوة حسنة لمن كان يرجو الله واليوم الأخر ومن يتول فإن الله هو الغني الحميد ) (الممتحنة: 4-6) .

أما آية سورة الأحزاب، فقد جاءت في سياق الجهاد، تدعو للتأسي بسيد الذاكرين، وقائد الغر المحجلين، وخاتم الأنبياء والمرسلين، عليهم الصلاة والسلام، قال تعالى: (لقد كان لكم في رسول الله أسوة حسنة لمن كان يرجو الله واليوم الأخر وذكر الله كثيرًا * ولما رءا المؤمنون الأحزاب قالوا هذا ما وعدنا الله ورسوله وصدق الله ورسوله وما زادهم إلا إيمانًا وتسليمًا * من المؤمنين رجال صدقوا ماعاهدوا الله عليه فمنهم من قضى نحبه ومنهم من ينتظر وما بدلوا تبديلا ً ) (الأحزاب: 21-23) .

يقول ابن كثير في تفسيره: هذه الآية، أصل كبير في التأسي برسول صلى الله عليه وسلم، في أقواله وأفعاله، وأحواله، ولهذا أمر تبارك وتعالى الناس بالتأسي بالنبي صلى الله عليه وسلم في صبره، ومصابرته، ومرابطته، ومجاهداته، ولهذا قال تعالى للذين تضجروا، وتزلزوا، واضطربوا في أمرهم يوم الأحزاب: (لقد كان لكم في رسول الله أسوة حسنة) ، أي: هلا اقتديتم به، وتأسيتم، بشمائله صلى الله عليه وسلم، ولهذا قال تعالى: (لمن كان يرجو الله واليوم الآخر وذكر الله كثيرًا ) (21) .

وهذه الآية الأخيرة، قرأها رسول الله صلى الله عليه وسلم، يوم أحد، بين يدي جثمان المعلم الأول، ومقرئ القرآن بالمدينة، الصحابي الشهيد مصعب بن عمير، رضى الله عنه، ثم قال: (إن رسول الله يشهد أنكم الشهداء عند الله يوم القيامة) .

وعن أنس بن مالك رضى الله عنه، أن هذه الآيات، نزلت في عمه أنس بن النضر رضي الله عنه: (من المؤمنين رجال صدقوا ما عاهدوا الله عليه ) ... الآية (22) .

ومن الصحابة، من أسعده الله، وشرفه بالشهادة النبوية، أنه ممن ينتظر، وما بدول تبديلًا.. فعن طلحة رضي الله عنه، قال: لما رجع رسول الله صلى الله عليه وسلم، من أحد، صعد المنبر، فحمد الله، وأثنى عليه، وعزى المسلمين بما أصابهم، وأخبرهم بما لهم فيه من الأجر، والذخر، ثم قرأ هذه الآية: (من المؤمنين رجال صدقوا ما عاهدوا الله عليه فمنهم من قضى نحبه ومنهم من ينتظر وما بدلوا تبديلا ً) ، فقام إليه رجل من المسلمين، فقال: يا رسول الله، من هؤلاء ؟ فأقبلت وعليَّ ثوبان أخضران حضرميان فقال: (أيها السائل هذا منهم) (23) .

المجاهدون وملازمة الذكر:

وذكر الله، يلازم المجاهدين في سبيل الله، وهم يستغيثون الله، ويدعونه، ويتضرعون إليه، في ساحات القتال، ويفتقرون إليه تعالى، ويخضعون له، ومع إعدادهم العدة اللازمة، فهم لا يعتمدون عليها، بل يفوضون أمرهم إلى الله، ويتوكلون عليه، أو كما وصف صاحب البردة صحابة رسول الله صلى الله عليه وسلم:

كأنهم في ظهور الخيل نبتُ ُربىً *** من شدة الحزم لا من شدة الحُزُمِ

ولكنهم معتمدون على عناية الله:

وقاية الله أغنت عن مضاعفة *** من الدروع وعن عال من الأطم

ودعوة هذا شأنها، وهؤلاء جنودها، فإنها منصورة بإذن الله، مهما كان أعداؤها:

ما حوربت قط إلا عاد من حرب *** أعدى الأعادي إليها ملقي السلم

وقد اقتدى بالنبي صلى الله عليه وسلم، رجال من الصحابة الكرام، وتبعهم بإحسان رجال ممن جاء بعدهم: (والذين جآءو من بعدهم يقولون ربنا اغفر لنا ولإخواننا الذين سبقونا بالإيمان ولا تجعل في قلوبنا غلًا للذين ءامنوا ربنا إنك رءوف رحيم ) (الحشر:10) .

لقد كان ذكر الله حالة غالبة عليهم، وجهاد النفس سمة تميزهم، وساحات الجهاد، سياحة لهم. والمؤمنون مأمورون بالإكثار من ذكر الله تعالى.

ثم إنه لو كان الله تعالى، مرخّصًا لأحد في ترك الذكر، لكتن ذلك مع زكريا عليه السلام حين سأله أن يجعل له آية: (رب اجعل لي ءايةً قال ءايتك ألا تكلم الناس ثلاثة أيامٍ إلا رمزًا واذكر ربك كثيرًا وسبح بالعشى والإبكار ) (آل عمران:41) ، ولكان ذلك أيضًا مع المجاهدين، وهم يقاتلون في ساحات الجهاد، فقد أُمروا بذكر الله كثيرًا: (يأيها الذين ءامنوا إذا لقيتم فئة فاثبتوا واذكروا الله كثيرًا لعلكم تفلحون ) (الأنفال:45) .

أهل الذكر وساحات الجهاد:

وأهل الذكر، قلوبهم متعلقة بساحات الجهاد، لأنها مظنة استجابة الداء، ومدد الملائكة في الغزوات: (إذ تستغيثون ربكم فاستجاب لكم أنى ممدكم بألفٍ من الملائكة مردفين ) (الأنفال:9) .. وقد بشرنا النبي صلى الله عليه وسلم، أن الدعاء يستجاب في ميدان القتال، حيث قال صلى الله عليه وسلم: (ثنتان لا تردان- الدعاء عند النداء، وعند البأس، حين يلجم بعضهم بعضًا ) (24) ، كما روى الشافعي في كتابه (الأم) ، بسند مرسل، عن النبي صلى الله عليه وسلم، قال: (اطلبوا استجابة الدعاء، عند التقاء الجيوش، وإقامة الصلاة، ونزول الغيث ) (25) .

وأهل الذكر، هم المرابطون على ثغور الإسلام: (يأيها الذين ءامنوا اصبروا وصابروا ورابطوا واتقوا الله لعكلم تفلحون ) (آل عمران:200) .

وعيون الخاشعين، الذاكرين الله كثيرًا، مثل عيون المرابطين، يحرسون ثغور الإسلام، كتب الله لها النجاة: (عينان لا تمسهما النار، عين بكت من خشية الله، وعين باتت تحرس في سبيل الله ) (26) .

الجهاد من أركان الدعوة إلى الإسلام:

وأهل الذكر، مجاهدون، دعاة إلى الله.. والجهاد من أركان الدعوة إلى الإسلام، وهو ذروة سنامه، وأقصر طريق إلى رضوان الله، وأقربه، فالجنة تحت ظلال السيوف، ثم إنه لا سبيل لإعلاء كلمة الله تعالى، بدون الجهاد، وإنه لحقًا أعظم العبادات، حتى إن المالكية يذكرون باب الجهاد، متصلًا بالعبادات، اعتبارًا بنية المجاهد: (لتكون كلمة الله هي العليا) (27) .

نماذج من مجاهدي الصحابة

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت