لقد كان الصحابة، من المهاجرين والأنصار، على مراتبهم في الأولية، والسبق، والفضل، يتصدر التعريف بكل واحد منهم، بعد ذكر إسلامه، أنه شهد المشاهد، والغزوات كلها، مع رسول الله صلى الله عليه وسلم، أو يذكر في ترجمته مقدار ما شهد من هذه المشاهد، وشارك في تلك الغزوات، مع ذكر جمعه للقرآن، أو ما حفظه منه، وذكر عبادته، وتهجده، وإنفاقه، وبذله.. وهكذا كانت سيرة الخلفاء الراشدين، إلى تمام العشرة المبشرة، وقد زادوا فوق ذلك، تحمل أعباء الخلافة، والإمارة، والقيادة (28) .
وحيثما نظرت في تراجم هؤلاء الرجال، وجدتهم في المشهورين بالعلم، والزهد، والتعبد، والجهاد، ومن بينهم عدد وافر من الصحابيات العابدات، اللائي اشتركن في جملة من الغزوات، بما تيسر من مشاركة مناسبة، كالسقي، والتمريض، والنقل، والأعمال الإدارية، مع المشاركة الفعلية في القتال أحيانًا (29) ، وقد شاركت جملة من أمهات المؤمنين في بعض هذه الغزوات، بصحبة النبي صلى الله عليه وسلم، وفقًا لقسمهن، وسهمهن، في الخروج (30) .
وهذه نماذج يسيرة، من هدي خير القرون، من جيل الصحابة، السابقين بالإحسان، من المعروفين بالقراء والعلماء، الذين كانوا من أهل التقوى، والمغفرة، والجهاد، والبذل في سبيل الله، والعبادة، والتهجد، والصوم، وسلامة الصدر، ولزوم الذكر:
1-مصعب بن عمير.. المقرئ:
أول من يهاجر إلى المدينة، داعية إلى الإسلام، يمضي شهيدًا يوم أحد، وهو يتلو القرآن في الميدان:
لقد ظل مصعب بن عمير يعلِّم القرآن، ويدعو الناس للإسلام، واستشهد يوم أحد وهو يحمل الراية، وجعل يقرأ القرآن في الميدان، يثبت به المؤمنين، وكان آخر ما قرأ: (وما محمد إلا رسولُُ قد خلت من قبله الرسل أفإين مات أو قتل انقلبتم على أعقابكم ومن ينقلب على عقبيه فلن يضر الله شيئًا وسيجزى الله الشكرين ) (آل عمران:144) .
2-سالم مولى أبي حذيفة.. يحمل اللواء يوم القيامة، على درب مصعب بن عمير (31) :
كما اعتنق سالم مولى أبي حذيفة، اللواء يوم اليمامة، وجعل يدعو الناس للاجتماع والقتال: (يا أهل سورة البقرة، يا أهل سورة آل عمران) ، وأنكر على من ظن به أن الراية تسقط من يده فقال: (بئس حامل القرآن أنا إذًا) . وقطعت يداه، والراية على صدره، بين يديه، وهو يقرأ بين يدي استشهاده، تمامًا مثلما صنع مصعب ابن عمير، قرأ: (وما محمد إلا رسول قد خلت من قبله الرسل. .) (آل عمران:14) (32) .
3-معاذ بن جبل.. أنموذج فريد، في حب الله، ولقائه:
لقد حُبب لقاء الله إلى الصحابة، وهم سادة الذاكرين، إنهم كانوا يذكرون الله تعالى ذكرًا كثيرًا، فزكت نفوسهم، واشتاقوا للقاء الله، إن كانوا في ميدان الجهاد، فهم يرجون الشهادة، وإلا فحسن الختام، وهم في سبيل ذلك يلبون النداء، فيخرجون عن المدينة، التي يحبونها، ويحتملون ألم فراق سيد الصحابة، بل سيد الأنبياء والمرسلين، وقائد الغر المحجلين صلى الله عليه وسلم.
وإنه يمثل لنا هذا الأنموذج، معاذ بن جبل رضى الله عنه، وقد كان معلمًا، داعية إلى الخير، مجاهدًا. فعن عاصم بن حميد، عن معاذ بن جبل قال، لما بعثه رسول الله صلى الله عليه وسلم، إلى اليمن خرج معه رسول الله صلى الله عليه وسلم يوصيه، ومعاذ راكب، ورسول الله صلى الله عليه وسلم يمشي تحت راحلته، فلما فرغ قال: (يا معاذ عسى أن لا تلقاني بعد عامي هذا، ولعلك تمر بمسجدي هذا، وقبري ) ، فبكى معاذ خشعًا لفراق رسول الله صلى الله عليه وسلم، ثم التفت، فأقبل بوجهه نحو المدينة، فقال: (إن أولى الناس بي، المتقون، من كانوا، حيث كانوا ) (33) .
وقد أعد معاذ بن جبل، رضي الله عنه، نفسه للقاء الله، بل إن أهله كانوا مثله، فإنه لما أصاب ولديه الطاعون قبله، استبشر معهما بلقاء الله، قال لهما: كيف تجدانكما؟
قالا:يا أبانا (الحق من ربك فلا تكونن من الممترين ) (البقرة:147) ، قال:وأنا ستجداني إن شاء الله من الصابرين (34) .. ثم إن معاذ بن جبل استقبل الموت بحفاوة بالغة، وذلك في طاعون عمواس، بناحية الأردن، سنة ثمان عشرة من الهجرة، وله من العمر حينئذٍ ثلاث وثلاثون سنة. ولما شعر بدنو الأجل، هتف: مرحبًا بالموت مرحبًا، زائر مُغب، حبيب جاء على فاقة، اللهم إني كنت أخافك، وأنا اليوم أرجوك، إنك لتعلم أني لم أكن أحب الدنيا، وطول البقاء فيها، لكري، الأنهار، ولا لغرس الأشجار، ولكن لظمأ الهواجر، ومكابدة الساعات، ومزاحمة العلماء بالركب، عند حلق الذكر (35) .
وقد خص الله تعالى معاذ بن جبل رضي الله عنه، بجملة فضائل، من السبق في الإسلام، والبيعة، والعلم، والعمل والزهد، والورع، والكرم، والجود، والتعبد، والاجتهاد. شهد بيعة العقبة، وبدرًا، والمشاهد كلها مع رسول الله صلى الله عليه وسلم، وأردفه وراءه، وبعثه إلى اليمن، بعد غزوة تبوك، وشيعه ماشيًا في مخرجه، وهو راكب.
وهو مع ذلك، متواضع، يقول إذا قام يتهجد من الليل، يناجي ربه: اللهم قد نامت العيون، وغارت النجوم، وأنت حي قيوم، اللهم طلبي للجنة بطيء، وهربي من النار ضعيف، اللهم اجعل لي عندك هدى، ترده إلى القيامة، إنك لا تخلف المعياد (36) .
4-أبو طلحة الأنصاري.. رجل كألف:
أبو طلحة زيد بن سهل بن الأسود الأنصاري، شهد العقبة مع السبعين، وبدرًا، والمشاهد كلها مع رسول الله صلى الله عليه وسلم، وكان من الرماة المذكورين، يقي بصدره رسول الله صلى الله عليه وسلم، وكان قوي التأثير على العدو، حتى قال صلى الله عليه وسلم (لصوت أبي طلحة في الجيش خير من فئة ) (37) ، وفي رواية أخرى: (لصوت أبي طلحة أشد على المشركين من فئة ) .
وكان من أكثر الأنصار مالًا، ولما نزل قوله تعالى: (لن تنالوا البر حتى تنفقوا مما تحبون ) (آل عمران: 92) ، جاء إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم، وأوقف أمواله إليه، وجعلها صدقة في سبيل الله على الأقربين، وبني عمه (38) وعن أنس، أن أبا طلحة، ما أفطر بعد رسول الله صلى الله عليه وسلم، إلا في مرض، أو سفر، حتى لقي الله. وعنه: أن أبا طلحة، غزا البحر، فمات، فلم يوجد له جزيزة يدفن فيها، سبعة أيام، فلم يتغير (39) .
5-عبدالله بن رواحة.. الفدائي المقدام والصوّام:
عبدالله بن رواحة بن ثعلبة بن امريء القيس، يكنى أبا محمد، أحد النقباء الاثني عشر، وشهد العقبة مع السبعين، وبدرًا، وأحدًا، والخندق، والحديبية، وخيبر، وعمرة القضاء. واستخلفه رسول الله صلى الله عليه وسلم، على المدينة في عزوة بدر الموعد (بدر الآخرة) ، وبعثه في سرية في ثلاثين مجاهدًا، إلى أسير بن رزام اليهودي، بخيبر، فقتله، وأرسله إلى خيبر خارصًا.
وعن أبي الدرداء قال:لقد رأيتنا مع النبي صلى الله عليه وسلم، في بعض أسفاره، في اليوم الحار، الشديد الحر، حتى إن الرجل ليضع يده على رأسه من شده الحر، وما في القوم صائم، إلا رسول الله صلى الله عليه وسلم، وعبدالله بن رواحة (40) .
6-أبو دجانة.. يبايع على الموت:
أبو دجانة سماك بن خرشة، شهد بدرًا، وأحدًا، وثبت مع رسول الله صلى الله عليه وسلم، يومئذٍ، وبايعه على الموت، وقتل بعد اليمامة شهيدًا.
كان سليم الصدر، يحفظ وقته ولسانه، فلا يتكلم فيما لا يعنيه، فعن زيد بن أسلم، قال:دُخل على أبي دجانة وهو مريض، وكان وجهه يتهلل، فقيل:ما لوجهك يتهلل ؟ فقال:ما من عملي شيء أوثق عندي من اثنين، أما أحدهما فكنت لا أتكلم فيما لا يعنيني، وأما الأخرى فكان قلبي للمسلمين سليمًا (41) .
7-خُبيب بن عدي.. أول شهيد سن صلاة ركعتين بين يدي القتل:
وهذا خبيب بن عدي بن مالك، شهدًا أحدًا مع النبي صلى الله عليه سلم، وكان فيمن بعثه مع بني لحيان، فأسروه هو وزيد بن الدثنة، فباعوهما من قريش، فقتلوهما، وصلبوهما بمكة، بالتنعيم. ولما خرجوا به من الحرم، ليقتلوه في الحل، قال لهم خبيب:دعوني أصلي ركعتين، فتركوه، فركع ركعتين، وقال:والله لولا أن تحسبوا أن ما بي من جزع، لزدت: (اللهم أحصهم عددًا، واقتلهم بددًا، ولا تبق منهم أحدًا) .
وقال:
ولست أبالي حين أقتل مسلمًا *** على أي جنب كان في الله مصرعي
وذلك في ذات الإله وإن يشأ *** يبارك على أوصال شلوٍ ممزع
وكان خبيب، هو الذي سن هذه الصلاة لكل مسلم، ويستبشر بلقاء الله عز وجل، فيصلى بين يدي تقديمه للقتل، رحمه الله، وأحسن لقاءه (42) .
نماذج من مجاهدي التابعين لهم بإحسان
1-صله بن أشيم العدوي.. شهيد من أهل الذكر والذاكرين:
وهذا نموذج لرجل من التابعين، وهو صلة بن أشيم العدوي، من كبار التابعين، من أهل البصرة، وكان ذا فضل وورع، وعبادة، وزهد، كان يصلي ما يستطيع أن يأتي الفراش إلا حبوًا، وله مناقب كثيرة جدًا. وكان يكثر من صلاة الليل في الغزوات، التي يشارك فيها، مقاتلًا مع الجيش، وقال رجل لصله:ادع الله لي.. فقال: ( رغبك الله فيما يبقى، وزهدك فيما يفنى، ورزقك اليقين، الذي لا يرجى إلا إليه، ولا يعَّول في الدين إلا عليه) .
وكان صله في غزاة، ومعه ابنه، فقال:أي بني، تقدم فقاتل، أحتسبك.. فحمل فقاتل حتى قتل، ثم قاتل صله، حتى قتل.
واجتمع النساء عند امرأته، معاذة العدوية، فقالت:إن كنتن لتهنيئنني، فمرحبًا بكُن، وإن جئتن لتعزينني، فارجعن (43) .
2-عبدالله بن المبارك.. فقيه محدث، من أهل الذكر والجهاد:
وهذا عبدالله بن المبارك، أحد أئمة المسلمين، أدرك جماعة من التابعين، وروى عن كبار الأئمة، رجل جمع الله له بين العلم الغزير، والعمل الوفير، والإحسان الجزيل، والجهاد المتصل، فكلما سمع صيحة، لبى النداء، وهو مع ذلك كثير النفع لعباد الله، بعلمه، وماله، ويعتني في ذلك بأهل العلم، ورفقة الحج، ويجتهد في إدخال السرور على المسلمين.
وابن المبارك، كثير الخشية، والمراقبة لله عزوجل، فإذا أدرك محل استجابة الدعاء، سأل الله أن ينجيه من ظمأ يوم القيامة.. وفي هذا المعنى، يقول سويد بن سعيد:
رأيت عبدالله بن المبارك بمكة، أتى زمزم، فاستقى منها، ثم استقبل الكعبة، فقال:اللهم إن ابن أبي الموالي، حدثنا عن محمد بن المنكدر، عن جابر، عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: (ماء زمزم لما شرب له ) (44) ، وهذا أشربه لعطش القيامة. ثم شربه.
ثم إن أطيب الناس عيشًا، وأسعدهم حالًا، من كان عارفًا بالله، وفي ذلك يقول ابن المبارك: أهل الدنيا خرجوا من الدنيا، قبل أن يتطعموا أطيب ما فيها. قيل له:وما أطيب ما فيها؟ قال:المعرفة بالله عزوجل.
وعن القاسم بن محمد، قال: كنا نسافر مع ابن المبارك، فكثيرًا ما كان يخطر ببالي، فأقول في نفسي:بأي شيء فضل هذا الرجل علينا، حتى اشتهر في الناس، هذه الشهرة؟
لئن كان يصلى، إنا لنصلي، ولئن كان يصوم، إنا لنصوم، وإن كان يغزو، فإنا لنغزو، وإن كان يحج، إنا لنحج ! قال:فكنّا في بعض مسيرنا في طريق الشام، ليلة نتعشى في بيت، إذ طفيء السراج، فقام بعضنا، فأخذ السراج، وخرج يستصبح، فكمث هنيهة، ثم جاء بالسراج، فنظرت إلى وجه ابن المبارك، ولحيته قد ابتلت من الدموع. فقلت في نفسي:بهذه الخشية، فضل هذا الرجل علينا، ولعله حين فقد السراج، فصار إلى الظلمة، ذكر القيامة.
ولقد كان عبدالله بن المبارك، القدوة في الزهد، والقيام، والذكر.. كان كذلك الإمام المجاهد، بلسانه، وسنانه، حتى اصبح مثلًا يحتذى، وقدوة للمجاهدين ... وهو الذي يرسل لصاحبه وأخيه الفضيل بن عياض، من ساحات الشهادة، هذه الأبيات، كما رواها الإمام الذهبي في السير، قال:روى عبدالله بن محمد، قاضي نصيبين، ثنا محمد بن إبراهيم بن أبي سكينة، قال أملى علي ابن المبارك سنة سبع وسبعين ومئة، وأنفذها معي إلى الفضيل بن عياض، من طرسوس:
يا عابد الحرمين لو أبصرتنا لعلمت أنك في العبادة تلعب
من كان يخضب جيده بدموعه فنحورنا بدمائنا تتخضب
أو كان يتعب خيله في باطل فخيولنا يوم الصبيحة تتعب
ريح العبير لكم ونحن عبيرنا رهج السنابك والغبار الأطيب
ولقد أتانا من مقال نبينا قول صحيح صادق لا يُكْذَب
لا يستوي وغبار خيل الله في أنف امرئ ودخان نار تلهب
هذا كتاب الله ينطق الله بيننا ليس الشهيد بميت لا يكذب
قال:فلقيت الفضيل بكتابه في الحرم، فقرأه، وبكى، ثم قال:صدق أبو عبدالرحمن ونصح (45) .
لقد ظل ابن المبارك طيلة حياته، يحج عامًا، ويغزو عامًا، حتى توفي في (هيت) من نواحي العراق، وهو منصرف من الغزو، سنة إحدى وثمانين ومائة، وهو ابن ثلاث وستين سنة.
وعن محمد بن فضيل بن عياض، قال:رأيت عبدالله بن المبارك في المنام، فقلت:أي الأعمال وجدت أفضل ؟ قال:الأمر الذي كنت فيه. قلت:الرباط والجهاد ؟ قال:نعم.فقلت:فأي شيء صنع ربك ؟ قال:غفر لي مغفرة ما بعدها مغفرة، وكلمتني امرأة من أهل الجنة، أو امرأة من الحور العين (46) .
وكما كان عبدالله بن المبارك رحمه الله، العالم الذي يذكرك الآخرة برؤيته، كذلك هو بعد مماته.. فهذا أحد الصالحين، يمر على قبر عبدالله بن المبارك، فيتذكر سيرته الزكية في العبادة، وفي الجهاد، فأنشأ يقول:
مررت بقبر ابن المبارك غدوة فأوسعني وعظًا وليس بناطق
وقد كنت بالعلم الذي في جوانحي غنيًا وبالشيب الذي في مفارقي
ولكن أرى الذكرى تنبه عاقلًا إذا هي جاءت من رجال الحقائق (47) .
3-إبراهيم بن أدهم.. الزاهد الأواه، يركب البحر غازيًا في سبيل الله.
وهذا إبراهيم بن أدهم، ويكنى أبا إسحاق، ورى عن جماعة من التابعين.. نشأ في بيت شرف، وعز، ومال، وانصرف عنه إلي العبادة، والزهد، وانشرح صدره بما آتاه الله من فضله، وما ذاقه من لذة العبودية لله، والافتقار إليه، حتى قال:لو علم الملوك، وأبناء الملوك، وما نحن فيه من النعيم، والسرور، لجالدونا عليه بالسيوف، أيام الحياة.
إن هذا النعيم، يدركه أهل الذكر والجهاد، ومراقبة المولى عزوجل، وهكذا كان إبراهيم بن أدهم، فعن محمد بن الحسين، قال:ما انتبهت من الليل، إلا أصبت إبراهيم بن أدهم يذكر الله، فأغتم، ثم أتعزى بهذه الآية: (ذلك فضل الله يؤتيه من يشاء ) (المائدة:45) .
وعن عبدالملك بن سعد الدمشقي، قال:سمعت إبراهيم بن أدهم يقول:أعربنا الكلام فما نلحن، ولحنا في الأعمال فما نعرب.
وكان مستجاب الدعوة، حتى إنه ركب البحر، غازيًا في سبيل الله، عصفت بهم ريح شديدة، فأشرفوا على الهلاك، فدعا ربه: (اللهم أريتنا قدرتك، فأرنا عفوك) ، فسكن البحر، وصار كأنه قدح زيت.
وهكذا ظل إبراهيم بن أدهم، بين الذكر والجهاد، حتى قال عشية موته:
أوتروا لي قوسي، فأوتروه، فقبض عليه، فمات، وهو قابض عليه، يريد الرمي على العدو (48) .
وحسبنا ما قدمنا من سيرة هؤلاء العشرة، وقد أكثرنا من ذكر الصحابة، لأنهم النماذج العملية في حسن التأسي، والاقتداء، بهدي النبي صلى الله عليه وسلم، ورضي الله عن الصحابة الكرام الذين رضي الله عنهم، ورضوا عنه: (فالذين ءامنوا به وعزروه ونصروه واتبعوا النور الذي أنزل معه أولئك هم المفلحون ) (الأعراف:157) .
وجزى الله خيرًا من اتبعهم بإحسان: (والذين جاءوا من بعدهم يقولون ربنا اغفر لنا ولإخواننا الذين سبقونا بالإيمان ولا تجعل في قلوبنا غلًا للذين ءامنوا ربنا إنك رءوف رحيم ) (الحشر:109) .
وكلهم يتسابق في التحقق بصفات الرجال المؤمنين، الصادقين، المجاهدين، والثابتين على الحق: (من المؤمنين رجال صدقوا ما عاهدوا الله عليه فمنهم من قضى نحبه ومنهم من ينتظر وما بدلوا تبديلا ً) (الأحزاب:23) .
الحركات الإسلامية المعاصرة.. تحاول الجمع بين الذكر والجهاد:
وهكذا كانت حركات الجهاد، والتحرر من الاستعمار، في بلادنا العربية، والإسلامية، فقد ظلت ساحات الجهاد، مجالًا لسياحة أهل الذكر، في أرجاء العالم الإسلامي.. وقد لا نحتاج إلى التفضيل، فكتائب الجهاد الإسلامية، لا يمكن أن تغمر أو تطمس، في السودان، والجزائر، وفلسطين، وسائر بلاد المسلمين.
وساحات الجهاد القائمة اليوم في عالمنا الإسلامي، لجنودها، في كل ركن أذان، وإقامة، وصلاة، وقيام ليل، وتهجد، وصيام، وتلاوة جماعية للقرآن، والتزام للذكر كثيرًا، حتى أضاءت وجوه الذاكرين، فهي ناضرة بذكر الله، متعلقة بالفراديس العلى، وتتصل الأنوار من قبور شهدائها، بالسماء، ويفوح المسك من دم الشهداء، ويعظم الاحتمال والصبر، عند جرحى العلميات، ويكثر الذكر والتسبيح، من الممسكين بالزناد، في خط النار، وكلهم يتسابقون حول غايتهم في صدق ووفاء:
(من المؤمنين رجال صدقوا ما عاهدوا الله عليه فمنهم من قضى نحبه ومنهم من ينتظر وما بدلوا تبديلًا ) (الأحزاب:23) .
وأهل الذكر يجتهدون، حتى تنشرح صدورهم، وتطمئن قلوبهم بذكر الله: (ألا بذكر الله تطمئن القلوب. الذين ءامنوا وعملوا الصالحات طوبى لهم وحسن مآب ) (الرعد:28-29) .
وأهل الذكر، في جهاد متصل الحلقات، في صلاة، وركوع، وسجود، وفعل الخير، وعبادة لله، وطاعة مع جهاد للعدو، وامتثال لجميع ما أمر الله به، وانتهاء عن كل ما نهى الله عنه، وجهاد في الطاعة، ورد النفس عن الهوى، وجهاد في رد وساوس الشيطان، ومدافعة لأهل الظلم والكفر (49) .
وذلك كله امتثالًا لأمر الله جل جلاله: (يأيها الذين ءامنوا اركعوا واسجدوا واعبدوا ربكم وافعلوا الخير لعلكم تفلحون * وجاهدوا في الله حق جهاده هو اجتباكم وما جعل عليكم في الدين من حرج ملة أبيكم إبراهيم هو سماكم المسلمين من قبل وفي هذا ليكون الرسول شهيدًا عليكم وتكونوا شهداء على الناس فأقيموا الصلوة وءاتوا الزكاة واعتصموا بالله هو مولاكم فنعم المولى ونعم النصير ) (الحج: 77-78) . وقد يبلغون درجة الحبور، بذكر الله، حتى يعبر بعضهم عن هذه الحالة، فيقول: (إن في الدنيا جنة، من لم يدخلها، لايدخدل جنة الآخرة) (50) . وإنها لمجاهدة متصلة، وتزكية للنفس، لبلوغ درجة الإحسان في العبادة: (أن تعبد الله كأنك تراه، فإن لم تكن تراه فهو يراك ) (51) . وصدق الله العظيم، القائل في محكم تنزيله: (والذين جاهدوا فينا لنهدينهم سبلنا وإن الله لمع المحسنين) (العنكبوت:69) .
ــــــــــــــ