حديث إرسال معاذ إلى اليمن وما فيه من نصائح وتوجيهات من النبي صلى الله وسلم له، يعتبر من أهم القواعد والأصول في الدعوة إلى الله تعالى. الذي لابد لكل داعية خصوصًا، ولكل مسلم عمومًا أن يضع هذه القواعد والأصول في اعتباره وأن تكون نبراسًا له وقائدًا يقوده في مسيره وطريقه.
نص حديث معاذ بن جبل ...
معاذ بن جبل الأنصاري أسلم وعمره ثمانية عشرة سنة، وأحب الدين بكل قلبه، فكان يصبح ويمسي مع الإسلام، وكان رجلًا طويلًا، وجميلًا، وبسامًا، وضحاكًا، وكريمًا
معاذ رضي الله عنه وجوده وسخاؤه
كان معاذ رضي الله عنه لا يمسك الشيء في يده من جوده وسخائه.
ألا أيها المال الذي قد أباده تعزى فهذا فعله في الكتائب
قال كعب بن مالك: [[كان أسخى الأنصار بعد سعد بن عبادة معاذ بن جبل على قلة يده ] ] مع فقره كان أسخى الناس، حتى باع بعض دوره وأملاكه ضيافة للوافدين، وكان الناس ينطلقون بالاثنين والثلاثة وينطلق هو بالثمانين من ضيوف الرسول إليه، فكثرت ديونه رضي الله عنه وأرضاه، وأتى أهل الدين رسول الله صلى الله عليه وسلم وشكوا معاذًا إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم. فلما رأى الرسول صلى الله عليه وسلم أن المسألة سوف تطول، وأن أموال الناس سوف تهدر، وأن تركته لا تغطي ولا تفي، حجر عليه صلى الله عليه وسلم، وأعلن في الناس أن ماله محجور تحت تصرف رسول الله صلى الله عليه وسلم، ثم أرسله صلى الله عليه وسلم إلى اليمن لحكم سوف أذكرها بإذن الله.
معاذ يروي أعظم حديث في التوحيد
جاء في الصحيحين أن معاذًا عندما كان رديف رسول الله صلى الله عليه وسلم على حمار، واسم هذا الحمار عُفير، وقيل: اسمه يعفور ولا يهمنا اسمه إنما هو حمار ركبه رسول الله صلى عليه وسلم من تواضعه لله تعالى. والعجيب أن ابن كثير في كتابه الشمائل ، ساق بسند مظلم أن هذا الحمار لما توفي صلى الله عليه وسلم خرج إلى المدينة يطوف ويلتمس كأنه فقد صاحبه ثم تردى في بئر ليس فيها ماء ومات. فالرسول صلى الله عليه وسلم كان راكبًا وكان معاذ رديفه قال: {فمشينا برهة -أي ردفة من الزمن- فقال عليه الصلاة والسلام يا معاذ ! أتدري ما حق الله على العباد؟ قال: الله ورسوله أعلم! وفي لفظ للبخاري قال: يا معاذ ! قال: لبيك وسعديك يا رسول الله! ثم مشى قليلًا وسكت هنيهةً، ثم قال: يا معاذ ! قال: لبيك وسعديك يا رسول الله! قال: أتدري ما حق الله على العباد؟- وفي لفظ: حق الله على العبيد- قال: الله ورسوله أعلم -وهذا من كمال أدبه وعدم تطفله، ومن توقيره لرسول الله صلى الله عليه وسلم- قال عليه الصلاة والسلام: حق الله على العباد أن يعبدوه ولا يشركوا به شيئًا، ثم مضى قليلًا وقال: أتدري -يا معاذ - ما حق العباد على الله؟! قال: الله ورسوله أعلم! قال: حق العباد على الله إذا فعلوا ذلك ألا يعذبهم } هذا الحديث رواه معاذ رضي الله عنه وأرضاه، وروى الكثير في الفضائل والعقائد والعبادات. ... ...
معاذ مع النبي صلى الله عليه وسلم في تبوك
وفي تبوك كان مع رسول الله صلى الله عليه وسلم في تلك الغزوة، وفي أثناء الطريق قال معاذ: اقتربت من راحلة رسول الله صلى الله عليه وسلم فأحسسته، وكان الصحابة يستأنسون أيما أنس بقربهم من رسول الله صلى الله عليه وسلم، لما آتاه الله من حسن الخلق والبركة والهداية والنور، وكان من سعة حلمه وتواضعه وخلقه أنه إذا صاحب الرجل من الصحابة في السفر حدثه كثيرًا حتى في الليل.
ففي تلك الليلة قال معاذ: اقتربت منه صلى الله عليه وسلم فوجدت أبا قتادة من الأنصار قريبًا منه، وكان في آخر الليل، وأخذ رسول الله صلى الله عليه وسلم ينعس على راحلته -لأنه سهر في الليل في تلك الليلة- وكاد أن يسقط من على الراحلة وتكاد تسقط به.
قال أبو قتادة كما في صحيح مسلم: { فاقتربت منه ودعمته بيدي -أي: أسندته بيدي- حتى رددته إلى مكانه، قال: ثم نعس الثانية، فرددته، ثم نعس الثالثة حتى كاد يسقط، فانتبه عليه الصلاة والسلام، قال: من؟ قلت: أبو قتادة ، قال: حفظك الله بما حفظت نبيه عليه الصلاة والسلام } قال أهل العلم: ما زال أبو قتادة محفوظًا في أسرته وذريته حتى في القرن الثاني؛ لأنه تكلم بهذا الكلام، حتى عندما أتت الفتن لم يتدخل فيها، ولم يشترك في مشكلات الأمة؛ لأن الرسول صلى الله عليه وسلم دعا له بالحفظ، قال: { حفظك الله بما حفظت نبيه } والحفظ أعظم ما يمن به الله على عبده.
يقول ابن المسيب رضي الله عنه: [[إن الله يحفظ العبد المؤمن في أهله وأولاده ودويريته ] ] أي: حتى في الدور التي تقاربه في قريته.
ففي تلك الليلة العامرة التي لا ينساها معاذ رضي الله عنه وأرضاه تقدم ليستغل الوقت في سمر من أحسن السمر مع سيد البشر عليه الصلاة والسلام -هل يتحدث معه في الدور أو القصور أو الوظائف أو يطلبه منصبًا؟ وهو عليه الصلاة والسلام يستطيع أن يعطيه ذلك؛ فإن الله سُبحَانَهُ وَتَعَالَى أعطاه من الولايات ما الله بها عليم- فقال: يا رسول الله! ما هو العمل الذي يقربني من الجنة ويباعدني من النار؟!
هذا أعظم سؤال قد وقع بعد سؤال العقائد على النبي صلى الله عليه وسلم، فقال عليه الصلاة والسلام: {إنه ليسير على من يسره الله عليه } وفي لفظ الترمذي: {يا معاذ ! لقد سألت عن عظيم } .
أي: لقد سألت عن أمر من أعظم الأمور، وهذا الحديث الذي تسمعونه قاعدة من قواعد الإسلام وأصل من أصول الدين، وهو من الأحاديث النبوية التي عليها مبنى أحاديث المصطفى عليه الصلاة والسلام قال: {لقد سألت عن عظيم، وإنه ليسير على من يسره الله عليه } ثم أتى صلى الله عليه وسلم يسوق الأمور التي تقرب العبد من الجنة وتوصله إليها، وهي مفاتيح من مفاتيح أهل الجنة، فاستمعوا إليه:
يقول: {تعبد الله لا تشرك به شيئًا، وتقيم الصلاة، وتؤتي الزكاة، وتصوم رمضان، وتحج البيت -ثم وقف عليه الصلاة والسلام، وظن معاذ أن الخطاب قد انتهى- ثم قال عليه الصلاة والسلام: ألا أدلك على رأس الأمر وعموده وذروة سنامه } انظر إلى الكلام! كأنه هيئ من شهر أو شهرين وهو وليد الساعة؛ لأن الرسول صلى الله عليه وسلم أفصح من نطق بالضاد، حتى يقول أبو موسى: [[إنه صلى الله عليه وسلم قد أوتي جوامع الكلم ] ].
وقال ابن مسعود: [[أوتي رسول الله جوامع الكلم وهديه وآخره ] ].
ثم قال: { ألا أدلك على رأس الأمر وعموده وذروة سنامه؟ قال: قلت: بلى يا رسول الله! قال: رأس الأمر الإسلام، وعموده الصلاة، وذروة سنامه الجهاد في سبيل الله، ثم سكت صلى الله عليه وسلم وقال: ألا أدلك على أبواب الخير؟ قال: قلت: بلى يا رسول الله! قال: الصوم جُنة -يعني: وقاية- والصدقة تطفئ الخطيئة كما يطفئ الماء النار، وصلاة الرجل في جوف الليل صدقة، ثم تلا عليه الصلاة والسلام قوله تبارك وتعالى: تَتَجَافَى جُنُوبُهُمْ عَنِ الْمَضَاجِعِ يَدْعُونَ رَبَّهُمْ خَوْفًا وَطَمَعًا وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنْفِقُونَ... ) [السجدة:16] إلى قوله: (يعلمون) ثم قال عليه الصلاة والسلام: ألا أدلك على ملاك ذلك كله؟ قال: قلت: بلى يا رسول الله! قال: كف عليك هذا، وأخذ بلسان نفسه عليه الصلاة والسلام، فقال معاذ: وإنا لمؤاخذون بما نتكلم به يا رسول الله؟! -أي: أيسجل علينا؛ لأنهم ما علموا إلا ما علمهم رسول الله صلى الله عليه وسلم- قال عليه الصلاة والسلام: ثكلتك أمك يا معاذ ! -وهذا عند العرب لا يراد به الظاهر وإنما هو دعاء، أي: فقدتك، حتى هذه المسألة لا تعرفها- وهل يكب الناس على مناخرهم أو قال: على وجوههم إلا حصائد ألسنتهم } رواه الترمذي وقال: حديث حسن.
عاش معاذ رضي الله عنه مع رسول الله صلى الله عليه وسلم، وكان عليه الصلاة والسلام معجبًا به وبعلمه، وروى الإمام أحمد في مسنده ، والترمذي بسند صحيح قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: {أرحم أمتي بأمتي أبو بكر ، وأشدهم في دين الله عمر ، وأعلمهم بالحلال والحرام معاذ بن جبل ، وأمين هذه الأمة أبو عبيدة بن الجراح } .اختيار معاذ لما أرسل إلى اليمن ... أرسله صلى الله عليه وسلم إلى اليمن ، وكانت هذه الرسالة إلى اليمن رسالة تشريفية تكليفية من رسول الله إلى معاذ ، وقال أهل العلم: إنما أرسله بأمر الله عز وجل، وفي بعض الآثار: أنه صلى الله عليه وسلم لما أوحى الله إليه أن أرسل أحد أصحابك، تحير صلى الله عليه وسلم فيمن يرسل ونزل عليه جبريل،وقال: إن الله يقرئك السلام ويقول: أرسل معاذ بن جبل فاستدعاه عليه الصلاة والسلام -ونحن نتوخى الأحاديث الصحيحة؛ لأنه قد زيد في قصة معاذ بعض الأحاديث الباطلة الموضوعة- وأرسله إلى اليمن .
فاشتد عليه ذلك أيما شدة؛ لأنه سوف يفقد حبيبه عليه الصلاة والسلام، وسوف يفقد صاحبه الذي يقول له كما في سنن أبي داود وغيره قال: {صليت مع رسول الله صلى الله عليه وسلم العصر، فشبك أصابعه مع أصابعي، وقال: يا معاذ والله إني لأحبك، فقال معاذ: والله إني لأحبك يا رسول الله! ثم قال له: لا تدع في دبر كل صلاة أن تقول: اللهم أعني على ذكرك وشكرك وحسن عبادتك } .ملاحظات النبي صلى الله عليه وسلم على معاذ
لم يجعل الرسول صلى الله عليه وسلم معاذًا مفوضًا في كل الأمور، بل استدرك عليه بعض الملاحظات.
كان معاذ -رضي الله عنه- فيه بعض الحدة على جودة خلقه وجودة يده وسخائه، فقال له صلى الله عليه وسلم كما في الترمذي: {يا معاذ ! حسن خلقك للناس } وكان دائمًا باسطًا يده ويمينه وكفه.
تراه إذا ما جئته متهللًا كأنك تعطيه الذي أنت سائله
ولو لم يكن في كفه غير روحه لجاد بها فليتق الله سائله
من ملاحظاته صلى الله عليه وسلم على معاذ:
أن معاذًا -كما في الصحيحين - كان إمامًا على قباء عند بني سلمة، فصلى بهم وأطال العشاء، وفي ألفاظ في السنن أنه قرأ بهم سورة البقرة، فأتى أحد الأنصار كان يعمل على ناضح له طيلة يومه يروي النخل، فأقبل الظلام فترك عمله وأتى للصلاة فوجد معاذًا يصلي، فكبر وبدأ معه، فطال عليه الليل وطالت القراءة، ومعاذ ربما كان متفرغًا مرتاحًا همه أن يراجع الآيات وهو جالس في البيت، لكن كثيرًا من الأنصار عندهم سقي المزارع رضوان الله عليهم وأرضاهم، فهم أهل كسب ومعيشة.
فانتظر هذا الرجل وإذا الليل يسري، فأخذ نفسه وصلى في طرف المسجد، فلما سلم قال الناس: يا أبا عبد الرحمن ! إن فلانًا دخل في الصلاة ثم قطعها، فأفتاهم معاذ ، قال: ذاك رجل منافق؛ لأنه ظن أنه من لا يصبر على طول الصلاة أنه منافق.
فسمع الرجل هذه الفتوى فذهب إلى الرسول عليه الصلاة والسلام، وطرح القضية بين يديه، قال: يا رسول الله! والله إني لأترك صلاة الغداة مما يطول بنا معاذ ، وقد تركت معه صلاة البارحة مما طول بنا، فلما تركت الصلاة قال إني منافق.
فاستدعاه صلى الله عليه وسلم، وربما يتوهم متوهم أنه سوف يعطيه جائزة على صبره وحسن قراءته، ولأنه طول بالناس، قال ابن مسعود: {فلما دخل معاذ على رسول الله صلى الله عليه وسلم، تغير وجهه وغضب، ثم التفت إليه وقال: أفتان أنت يا معاذ ؟! أفتان أنت يا معاذ ؟! ثم قال عليه الصلاة والسلام: من صلى منكم بالناس فليخفف، فإن فيهم الضعيف والفقير والكبير والصغير وذا الحاجة، ثم قال عليه الصلاة والسلام: اقرأ بسبح اسم ربك الأعلى، أو والليل إذا يغشى } وهذا في صلاة العشاء وما يناسبها، وهذه من ملاحظاته صلى الله عليه وسلم الله وسلم عليه في القول.النبي صلى الله عليه وسلم يودع معاذًا لما أرسله إلى اليمن ... وأما من ملاحظات رسول الله عليه في الأفعال:
قال الذهبي: صح بأسانيد أنه لما أرسله صلى الله عليه وسلم إلى اليمن قال له: {حفظك الله يا معاذ من بين يديك وخلفك، ودرأ الله عنك شياطين الإنس والجن } ثم قال له: {لعلك يا معاذ لا تراني بعد يومي هذا، فأجهش معاذ بالبكاء وجزع، فقال له صلى الله عليه وسلم: لا تبكي فإن البكاء من الشيطان } وهذا حديث صحيح.
ثم التفت إليه صلى الله عليه وسلم فقال: {اتق الله حيثما ما كنت -وهذا أعظم حديث وهو من الأحاديث النووية- وأتبع السيئة الحسنة تمحها، وخالق الناس بخلق حسن } ثم قال: {يا معاذ ، اذكر الله عند كل شجر وحجر ومدر } فوصل إلى اليمن ، والصحيح أنه وصل إلى بلد الجند ، فاستقبله الناس وكان معه قوس ورمح -رضي الله عنه وأرضاه- وهو شاب، ثم أخبرهم برسالة رسول الله صلى الله عليه وسلم، فاستقبلوها أيما استقبال، وكان مثالًا للقدوة في التواضع والزهد والتعليم وحسن الخلق، وكان بحق سيدًا من سادات العلماء وقائدًا من قوادهم العلماء، فمكث هناك حتى توفي عليه الصلاة والسلام، وجاءه الخبر وكان خبرًا مؤسفًا عليه؛ لأنه من أعظم الأخبار التي تلقاها في حياته؛ لأن أحب الناس إليه وأعظمهم عنده وأجلهم هو رسول الله صلى الله عليه وسلم.
طوى الجزيرة حتى جاءني خبره فزعت فيه بآمالي إلى الكذب
حتى إذا لم يدع لي صدقه أملًا شركت بالدمع حتى كاد يشرق بي
حياة معاذ بعد رجوعه من اليمن ... علم معاذ أن أبا بكر تولى الخلافة فقدم-رضي الله عنه وأرضاه- وعنده بعض الإبل والخيول والمال أخذها من كده وكسبه في اليمن .رد معاذ ما كسب من أموال في اليمن إلى أبي بكر ...
لما وصل معاذ إلى المدينة لقيه عمر فاروق الإسلام الذي فرق الله به بين الحق والباطل، والذي ما رآه الشيطان سالكًا فجًا إلا سلك فجًا غير فجه، وقال: يا معاذ ! أأرسلك رسول الله للتجارة أم للولاية والتعليم؟! قال: وماذا يا ابن الخطاب ؟! قال: ما هذه الخيول والجمال التي عندك؟ قال: أخذتها بكسبي وبتجارتي، قال: لا. أدها إلى أبي بكر ، قال: لا. وكلاهما يريد وجه الله، لكن عمر كان فيه صرامة واتجاه وصدق حتى على نفسه يحكمها بحكم الله عز وجل.
فذهب عمر -رضي الله عنه- إلى أبي بكر وقال: يا خليفة رسول الله! أأرسلتم معاذًا إلى اليمن تاجرًا أو معلمًا؟! قال: وماذا؟! قال: أتى بإبل وخيل ومال، فحاكمه وناصفه وخذها لبيت المال.
وهو يقصد النصيحة، وإلا فوالله إنه يحب معاذًا كما يحب نفسه، وهذا لا نشك فيه؛ لأن الله عز وجل جعلهم إخوة متحابين كما وصفهم في القرآن أنهم رحماء بينهم.
فقال أبو بكر: لا والله لا آخذ مال معاذ ، إنه أصدق وأنصح لله ولرسوله من أن يأخذ من بيت المال شيئًا، قال معاذ: فحلمت تلك الليلة وكأنني أساق إلى النار، وكأن عمر يأخذ بحجزي -يعني بأطراف ثيابي يبعدني عن النار- فلما أصبح الصباح، صليت الفجر، فسلمت على عمر واحتضنته وهو يبكي وأنا أبكي، قال: مالك؟! قال: رأيت البارحة كذا وكذا. قال عمر: قلت أما قلت لك ذلك.
قال: فذهبت إلى أبي بكر رضي الله عنه وأرضاه حتى بسوطي -أي: بعصاي التي أتيت بها من اليمن - فقلت: يا خليفة رسول الله! والله ما أبقيت في بيتي فرسًا ولا جملًا ولا درهمًا، ولا دينارًا حتى هذا السوط الذي أتيت به من اليمن خذه، قال أبو بكر: لا. الآن طابت أنفسنا، هو لك حل وبل فخذه.
قال: فخرجت فلقيت عمر: قال هو لك حل وبل فخذه، الآن طابت أنفسنا، فاستمر معاذ -رضي الله عنه وأرضاه- على هذه الحالة، وكان من المقربين في أصحاب محمد عليه الصلاة والسلام.معاذ يشارك في معركة اليرموك ... حضر معاذ من المعارك معركة اليرموك ، وكان من الصادقين مع الله في تلك المعركة، رؤي أنه أخذ السيف وسلَّه ومده قبل المعركة، وقرأ سورة الأنفال على الناس، قال: أبو سفيان بن حرب ، ما سمع أحدٌ معاذ بن جبل يقرأ سورة الأنفال في اليرموك إلا بكى، ثم قال: [[يا أيها الناس: اجثوا على الركب فإن هذا موعود الله، إن الله قد تجلى لكم سُبحَانَهُ وَتَعَالَى، أما ترضون أن يكون الله في صفكم وأن يكون الشيطان في صف أعدائكم؟! ] ] فجلس الصحابة ومعهم سبعون من أهل بدر ، ومنهم معاذ رضي الله عنه فلما أقبل الأعداء زحفوا وكان النصر.وفاة معاذ بن جبل ... ذهب معاذ إلى فلسطين معلمًا، ومفقهًا في دين الله، وعمره أربعة وثلاثون وقيل: ثلاثة وثلاثون كما قال الذهبي ، فأتته قرحة في كفه اليمني، فعزاه الصحابة وقالوا: لا بأس عليك جعلها الله لك طهورًا وشفاك الله، قال: [[لا والله. أسأل الله أن يكبرها فإنه يكبر الصغير ويبارك في القليل، وأسأل الله أن تكون وفاتي في هذه، والله لقد مللت الحياة، ولو كانت نفسي في يدي لأطلقتها ] ]. هو ما تمنى الموت، لكنه هكذا قال، وآتاه موعود الله عز وجل.
ولما ابتلي بالطاعون -والطاعون شهادة لكل مسلم- مكث في بلده صابرًا محتسبًا، رزقه الله سُبحَانَهُ وَتَعَالى الشهادة فهو من الشهداء بلا شك، فحضرته الوفاة وتغشى جسمه بالطاعون حتى أصبح كل جسمه أحمر، فأتوا وهو على الفراش، فسلموا عليه وعزوه.
فلما أتى صباح يوم من الأيام صلى الفجر، يومئ إيماءً على فراشه؛ ثم قال لجاريته: [[انظري هل طلع الفجر؟ فنظرت، قالت: لا بعد، فانتظر برهة ثم قال لها: انظري هل طلع الفجر؟ فقالت: طلع، قال: اللهم إني أعوذ بك من صباح إلى النار ] ] لأن هذا الصباح أول صباح يلقى فيه الله عز وجل، وهذا اليوم أول أيام الآخرة، وهذا اليوم آخر أيام الدنيا، يوم يستقبل الإنسان سجل أعماله، ويقبل على الله عز وجل: وَلَقَدْ جِئْتُمُونَا فُرَادَى كَمَا خَلَقْنَاكُمْ أَوَّلَ مَرَّةٍ وَتَرَكْتُمْ مَا خَوَّلْنَاكُمْ وَرَاءَ ظُهُورِكُمْ وَمَا نَرَى مَعَكُمْ شُفَعَاءَكُمُ الَّذِينَ زَعَمْتُمْ أَنَّهُمْ فِيكُمْ شُرَكَاءُ لَقَدْ تَقَطَّعَ بَيْنَكُمْ وَضَلَّ عَنْكُمْ مَا كُنْتُمْ تَزْعُمُونَ [الأنعام:94] .
فيقول: [[أعوذ بالله من صباح إلى النار ] ] لأن الإنسان إذا مات في الليل إما أن يمسى في الجنة أو يمسي في النار، إما روضة من رياض الجنة أو حفرة من حفر النار، وإذا مات في الصباح فإما أن يصبح في حفرة من حفر النار أو روضة من رياض الجنة، فهو ينظر إلى هذا الصباح الذي أطل عليه ويقول: [[أعوذ بالله من صباح إلى النار ] ].
ولذلك يقول الحسن البصري: [[يا بن آدم! إنما هما يومان، يوم تصوم فيه ويوم تفطر، فاجعل صيامك في الدنيا عن المحرمات وفطرك عند الله عز وجل ] ].
وهذا صح من كلام سالم بن عبد الله لما كتب لقريبه عمر بن عبد العزيز لما تولى الخلافة، قال: [[يا أمير المؤمنين! اجعل الدنيا يوم صوم تفطره عند الله عز وجل ] ].
فمعاذ -رضي الله عنه- يقول: [[اللهم إني أعوذ بك من صباح إلى النار، ثم التفت إلى أهله -وكان عنده ابن فقط اسمه عبد الرحمن -وقال: إني أستودعكم الله الذي لا تضيع ودائعه، ثم قال: اللهم إنك كنت تعلم أني لم أحب الحياة لغرس الأشجار، ولا لجري الأنهار، ولا لعمارة الدور، ولا لرفع القصور، ولكن كنت أحب الحياة لمزاحمة العلماء بالركب في حلق الذكر، ولصيام الهواجر، ولقيام الليل ] ].
فقبض -رضي الله عنه وأرضاه- وتأسف عليه الناس أيما أسف، وأصابتهم حسرة، وكان ممن قال فيهم عمر رضي الله عنه: [[والله لقد هممت أن أوصي بالخلافة بعدي لمعاذ ، فإذا سألني الله عز وجل يوم القيامة، أقول: سمعت رسولك محمد صلى الله عليه وسلم يقول: معاذ يأتي يوم القيامة، يتقدم العلماء برتوة ] ] أي: قبلهم بخطوات وبمسافة يقودهم إلى الجنة، هذا هو معاذ بن جبل الحبيب المحبوب، والذي كان من أجلِّ أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم.
قال عمر لخادمه: خذ هذه الدراهم وسلمها إلى أبي عبيدة وانتظر عنده قليلًا وانظر ماذا يفعل بها؟ فذهب بها فلما أعطاها أبا عبيدة ، قال أبو عبيدة: وصله الله ورحمه -يقصد عمر - ثم وزعها على جيرانه ومساكين الحي ثم نفذت فلما انتهى ورجع الخادم قال: خذ هذه الدراهم، وسلمها لمعاذ بن جبل وتلهى في بيته قليلًا، فلما أعطاها معاذًا وجلس عنده وتلهى، فأخذ معاذ خادمة وقال: يهذا بذهب إلى فلان، وبهذا إلى فلان، حتى ما أبقى درهمًا واحدًا، فلما وصل إلى عمر ، دمعت عينا عمر وتلا قوله تعالى: [آل عمران:34] .
وأثر في ترجمة معاذ: أن عمر -رضي الله عنه وأرضاه- صلى بالناس الفجر فالتفت إلى الناس وقال: [[يا أيها الناس: يا أصحاب محمد.. والله الذي لا إله إلا هو، إني لأشتاق إلى الواحد منكم فأبيت سهران لا يأتيني النوم حتى أصبح، ولقد اشتقت اليوم لمعاذ بن جبل ، فقام هو ومعاذ يتعانقان ويبكيان ] ].
فهذا معاذ رضي الله عنه وأرضاه بقي له حديث واحد، قال: ابن القيم في مدارج السالكين -وهذا الحديث في مسند أحمد -"ثبت أن عمر مر بقبر الرسول صلى الله عليه وسلم، فوجد معاذًا جالسًا عنده يبكي قال: مالك، قال سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: {إن أدنى الرياء شرك } وإن أحب الناس إلى الله كما قال: الذين إذا حضروا لم يعرفوا، وإذا غابوا لم يفتقدوا، أولئك مصابيح الدجى يخرجون من فتنة مدلهمة، رضي الله عن معاذ وأرضاه، ورضي الله عن أصحاب محمد رسول الله صلى الله عليه وسلم، ونسأل الله أن يحشرنا في زمرتهم."
وقفات مع عمر بن الخطاب ...
موقف عمر مع أبي هريرة لما بشر الناس بالجنة ... يقول أبو هريرة رضي الله عنه وأرضاه: دخل رسول الله صلى الله عليه وسلم بستان رجل من الأنصار، فالتمسناه فلم نجده؛ وكان الصحابة إذا فقدوا رسول الله صلى الله عليه وسلم ساعة ذهبوا ليلتمسوه؛ لأنهم يريدون أن يجلسوا مع هذا النور الذي دقائقه تعادل السنوات من كثير من سنوات الصالحين، ومكسب عظيم أن يجلس المرء مع الرسول ولو ساعة، فهو رسول الهدى وأعظم من خلق الله.
يقول: فالتمسناه فلم نجده، فذهبنا بددًا -أي: انتشرنا- لنجد رسول الله صلى الله عليه وسلم، قال: فأتيت فسمعت حسه صلى الله عليه وسلم في المزرعة، فأتيت إلى قائد ماء، أي ساقية يدخل فيها الماء، وكان الأنصار يسقون مزارعهم فكان لكل واحد منهم قائدًا. قال: فجمعت ثيابي -كما في رواية مسلم - فدخلت كالثعلب من هذا المكان، فرأيت الرسول صلى الله عليه وسلم، فلما رآني صلى الله عليه وسلم قال: يا أبا هر -كان رسول الله يمازحه- قلت: نعم. بأبي أنت وأمي يا رسول الله! قال: خذ نعلي هاتين واخرج فمن لقيت من الناس يشهد أن لا إله إلا الله وأني رسول الله فبشره بالجنة، فأخذ رضي الله عنه نعلي الرسول وضمهما.
قال: ثم جمعت نفسي وخرجت، قال: ثم لقيت الناس، وقلت: يا عباد الله! من يشهد أن لا إله إلا الله وأن محمدًا رسول الله فإن رسول الله صلى الله عليه وسلم يبشره بالجنة، قال: فلقيني ابن الخطاب -أي: عمر بن الخطاب رضي الله عنه وأرضاه- قال: وما جاوزت المكان كثيرًا، فجمع يديه، ثم ضربني في صدري فوقعت على قفاي، قال: أتبشر الناس فيتكلوا؟! عد إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم.