فهرس الكتاب

الصفحة 26 من 289

وتمضي الأحداثُ مسرعةً، لا ترحم الناسَ ولو بقليل من البطء؛ فلم تمض ثلاثة أشهر على رجوع الثائرين من المدينة، حتى أعد المنْدَسُّون وسط الصفوف وأصحابُ الأيادي المشبوهة ـ للعودة.

وفي شهر شوال سنة خمس وثلاثين كانت عودتُهم في صفة الحجيج، حتى تلاقى حول المدينة الثُوَّارُ من الأمصار، وعسكروا خارجها، فلما سمع أهلُ المدينة بذلك لم يأذنوا لهم بدخولها، وعسكر الصحابة ليمنعوهم من ذلك، في محاولة لمنع انتشار الحريق، وأرسل كبارُهم أولادَهم ليكونوا قريبين من الخليفة.. فخرجت وفود من الثوار المنحرفين ليكلموا كبار الصحابة في دخول المدينة، فرفضوا جميعًا دخولَهم وزجروهم؛ فلما يَئِسُوا من دخولِها تظاهروا بالانصراف عنها وأنهم راجعون إلى بلدانهم، وبدأوا في الرحيل حتى اطمأن أهل المدينة فانصرفت جموعُهم، وسار الثوار أيامًا راجعين ثم كرّوا عائدين إلى المدينة، ودخلوها على حين غفلةٍ من أهلها، وحاصروا دار عثمان، وسألوا الخليفة عن أمر الكتاب المزعوم، الذي برع ابنُ سبأ وأتباعُه في تَلْفِيقِه، واتهموا الخليفة بأنه أرسله إلى والي مصر يأمر فيه بقتلهم. وبالرغم من أنه تبرأ من ذلك، فإنهم أصروا على المواجهة.

وبدأ الحصار وعثمان يخرج من داره فيصلي بالناس، ويصلون هم وراءَه، ويَغْشَى مَنْ يشاء وهم في عينِه أَدَقُّ من التراب، وظل يصلي بالناس ثلاثين يوما حتى شددوا عليه الحصار ومنعوه من الصلاة في المسجد، وتجرءوا عليه حتى ضربوه بالحَصَى، فأغمي عليه ـ كل هذا ولم يطلب عثمان النجدة من الأمصار، ولم يعمل باقتراحات الصحابة لاستنقاذه من أيدي الثائرين، بل طالب الناسَ بكفِّ أيديهم، ووطَّد نفسَه على الصبر والمحافظة على كرامة الدولة ومبادئ الحكم في الإسلام. ولم يُقَصِّرْ في بذل أيِّ جهدٍ لإقناع هؤلاء المتمردين بإلقاء سلاحهم، فكان لا يَمَلُّ من محاورتِهم لعلهم يتخلَّوْن عن غَيِّهم، ويعودوا إلى رشدهم، لكن الأحداث تصاعدت حتى وقعت الخطيئةُ الكبرى، ونشبت الأنياب الغادرة في جسد الخليفة الشهيد، وقتلوه مظلوما ـ رضي الله عنه.

حرص الثوار على التفريق بين الخليفة وبين أهل المدينة، لينفردوا به وينفّذوا ما يشاءون من مخططاتهم دون اعتراض، فلما ضربوا أمير المؤمنين عثمان بالحَصَى، وشُجَّ رأسُه وهو على المنبر، وسقط مغشيًا عليه، واحتُمِلَ إلى داره ـ تفاقم الأمر وطمع فيه أولئك الأجلاف الأخلاط من الناس، وألجأُوه إلى داره، وضيَّقوا عليه، وأحاطوا بداره محاصِرين له، ولزم كثيرٌ من الصحابة بيوتَهم، خاصة عندما منع البُغاةُ أميرَ المؤمنين من الصلاة، فصلى بالناس أميرُهم الغافقيُّ الذي دان له المنحرفون المصريون والكوفيون والبصريون بعد ثلاثين يوما من بَدْءِ الحصار..

عندئذ تفرق أهل المدينة في مزارعهم، ولزموا بيوتهم، فكان لا يخرج أحد ولا يجلس إلا وعليه سيفُه يمتنع به من القوم، وكانت مدةُ الحصار أربعين يوما، وفيهن كان قَتْلُ البغاة لعثمان، ومَنْ تعرض لهم أَعْمَلُوا فيه السلاحَ، وكانوا قبل ذلك ثلاثين يوما يَكُفُّون أهلَ المدينة ويمنعونهم أن يجتمعوا.

وكانت طائفة من أبناء الصحابة قد سارت إلي أمير المؤمنين عن أمر آبائهم، منهم: الحسن والحسين ابنا الإمام علي، وعبد الله بن الزبير ـ وكان أميرَ الدارِ ـ وعبدُ الله بنُ عمر، وغيرهم، وصاروا يُحَاجُّون عنه ويناضلون دونَه، يمنعون أن يصل إليه أحد منهم. واعتزل الآخرون رجاء أن يجيب عثمانُ أولئك الثوارَ إلى واحدةٍ من مطالبهم، ولم يقعْ في خاطر أحد أنَّ قَتْلَ الخليفة كان في نية الخارجين.

لم يكن يَخفى على الخليفة عثمان أن الحوار مع المعترضين واحدٌ من أهم الأساليب التي تكشف الحقائق، وتزيل أسباب الخلاف، لذا كان لا يغلق باب الكلام بينه وبين مَنْ يَعترض عليه حتى يجلِّي له الحقائق؛ فاستدعى الأشْتَرَ النَّخَعيَّ ممثلا عن الثوار، فقال له: يا أَشْتَر، ماذا يريد الناس منِّي؟ قال: ثلاثا ليس من إحداهن بُدٌّ؛ قال: ما هي؟ قال: يخيّرونك بين أن تخلع لهم أمرَهم، فتقول: هذا أمرُكم فاختاروا له مَنْ شئتم، وبين أنْ تَفتديَ مِنْ نفسك مَنْ قد ضربتَه أو جلدتَه أو حبستَه، فإن أبَيْتَ هاتَيْن فإن القومَ قاتِلُوك.

فقال له: لا والله لأَنْ أُقدَّم فتُضْرَبَ عنقي أحبُّ إليَّ مِنْ أنْ أَخْلَعَ قميصا قمَّصنيه اللهُ، وأتركَ أمةَ محمد ـ صلى الله عليه وسلم ـ يَعْدُو بعضُها على بعض، ويولِّي السفهاءُ مِن الناسِ مَنْ يختارونه هم، فيقع الهَرْجُ (أي: القتل وفساد الأحوال واختلالها) ، ويفسد الأمر.

"وأمَّا أنْ أُقِصَّ من نفسي، فوالله لقد علمتُ أن صاحِبَيَّ بين يديَّ (أبا بكر وعمر) قد كانا يعاقبان، وما يقوم بدني بالقصاص ( لضعفه وكبر سنه) ."

ثم قال:"وأما أنْ تقتلوني؛ فوالله لئن قتلتموني لاتتحابُّون بعدي أبدًا، ولا تُصَلُّون جميعًا بعدي أبدًا، ولا تقاتِلون بعدي عدوًا جميعًا أبدًا."

وطلبوا منه أن يعزل نوابَه عن الأمصار ويولِّي عليها مَنْ يريدون هم ـ وإن لم يعزلْ نفسَه ـ وأن يسلِّم لهم مروانَ بن الحكم ليعاقبوه، وقد اتهموا مروان بأنه هو الذي زوَّر على عثمانَ الكتابَ المزعومَ إلى مصر. فخشِيَ عثمان أن يسلِّم إليهم مروان فيقتلوه، فيكون سببا في قتل امرئ مسلم، وما فعل شيئا يستحق بسببه القتلَ.

وأما تولية مَنْ يريدونه هم على الأمصار، فعاقِبَةُ ذلك أنْ يولِّي السفهاءُ من الناس مَنْ يختارونه هم، فيقع الهَرْجُ ويفسد الأمر بسبب ذلك.

وقال لهم فيما قال:"وأي شيء إليَّ من الأمر إنْ كنتُ كلما كرهتم أميرًا عزلتُه، وكلما رضيتم عنه ولَّيْتُه.."؟!

فقام الأشترُ من عنده، وانطلق بردود عثمان إلى أصحابه من قادة الفتنة، وما هي إلا أيام حتى جاءوا لتنفيذ جريمتهم المشئومة.

وكان الخليفة قد استوثق من صحة موقفه من أحد أجلاء الصحابة، وهو عبد الله بن عمر الذي قال للخليفة:"لا تخلع قميصَ اللهِ عنك، فتكون سنة، كلما كره قوم خليفتَهم خلعوه أو قتلوه".

لم يستسلم عثمان لمطالب الثوار، ولم يسلّم لهم مصاير الإسلام، وأَبَى إلا أن يحفظ كرامة الدولة ومبادئ الحكم في الإسلام .

وطَّنَ أمير المؤمنين عثمان نفسَه على التضحية، وذلك هو ما يتفق مع طبيعة الأحداث، فلم يكن الثائرون على عثمان ممثِّلين للأمة لتجب عليه طاعتُهم وخَلْعُ نفسِه من الخلافة، ولم يكن زعماؤهم من السابقين إلى الإسلام، أو أهل الحَلّ والعَقْدِ الذين لهم حق الخلع والتأمير، بل كانوا جماعاتٍ من رجال القبائل الذين أنكروا تفضيلَ قريش عليهم في الحكم والعطاء، ومن المخدوعين بالدعاية السَّبَئِيّة النشطة التي تبغي الكيد للإسلام من وراء ستار، وتستهدف مسيرتَه في الفتح والجهاد..

وكان زعماؤهم رجالا لم يحسنوا فقه الإسلام في التغيير، أو ممن غاظهم بعضُ اجتهاداتِ عثمانَ أو أحكامه ضد بعض رجال عشائرهم ممن أقام عليهم الحدود الشرعية، ومَنْ أوى إلى هؤلاء وأولئك من الأعراب واللصوص وطلاب الدنيا الذين لا تتحقق أهدافهم في أجواء الاستقرار والأمن.

ولا يستقيم نظامٌ لجماعة ولا لدولة إذا كانت كلما أراد فريق من أبنائها تغيير أمير ثاروا عليه فخلعوه أو قتلوه..

وللإسلام منهجه في تغيير الأمير إذا كان جائرًا، فيتحتّم توافر الرغبة العامة من أولي النُّهَى وأهلِ الحل والعقد في هذا التغيير، ووجودُ القوة القادرة عليه، مع ضرورة ألا يؤدي ذلك إلى إحداث منكر أكبر منه وأشد خطرًا، مثلما حدث في هذه الفتنة الهوجاء.

كان الصحابة من المهاجرين والأنصار ـ رضي الله عنهم ـ يرون أنهم شركاء للخليفة في المسئولية وحماية المجتمع من الشرور والفتن، لذا شاركوا في محاولات تهدئة الأمور، وإبطال أصوات الاحتجاج الباطلة ضد الخليفة، وبذلوا في ذلك جهدا مضنيا، وتحملوا مع خليفتهم فوق طاقتهم.

وكانت الرياح التي يثيرها المتمردون من كل جانب تتحدى زورق الصحابة المستبسل، وتعصف بمحاولاتهم النبيلة.. بَيْد أنهم لم ييأسوا، وظلوا يغالبون العاصفة، ويُهدِّئون بحوارهم المقْنِع عالِيَ صوتِها، ولكن الفتنة كانت قد جاوزت كل الحدود، واستحكمت من قلوبٍ مريضةٍ وعقولٍ معطَّلةٍ، فلم يعد للحكمة ولا للإقناع مكان.

لقد شدد المتمردون حصارهم القاسي حول دار الخليفة؛ فمنعوا عنه زوارَه ومنعوا عنه الماء الذي تتفجر به"بئر رَومة"التي اشتراها ـ رضي الله عنه ـ من خالص ماله في أوائل أيام الهجرة إلى المدينة، وجعلها هدية منه للمسلمين!!

في ظل هذه الغيوم الكثيفة، والخطر المُحْدق بالخليفة، لم يتخلَّ الصحابة عن تقديم العون لخليفتهم، وشاركوه المحنة، وعرضوا عليه حلولًا واقتراحاتٍ لتجنيب الأمة هذا الخطر المحدق بها، فتقدم المغيرة بن شعبة إلى عثمان بهذا الرأي:"يا أمير المؤمنين، لقد نزل بك ما ترى.. وإني أشير عليك بثلاث، اخترْ إحداهن: إما أن تخرج فنقاتلهم، فإن معك قوة وعددا، وأنت على الحق وهم على الباطل، وإما أن نفتح لك من خلف الدار بابا تخرج منه في غفلة منهم حيث تَحملك رواحلُك إلى مكةَ، فإنهم لن يستحلُّوا دمَك وأنت بها، وإما أن تلحق بالشام: فإنهم أهلُ الشامِ، وفيهم معاوية"..

وتزداد شدة الحصار، ويكاد المتآمرون يفعلون جريمتَهم النكراء، فيشير عبد الله بن الزبير بمثل ما أشار به المغيرة بن شعبة؛ والعجيب أن إجابة أمير المؤمنين تكاد تكون متماثلة في كلا الموقفين، ونلمح فيها ضمير المهاجر إلى الله وخلقَه وتصميمَه، ولا نلمح فيها مناورةً ولا حرصًا على الحياة، إذْ قال ـ رضي الله عنه ـ للمغيرة:".. أما أن أخرج إلى مكة فإنهم لن يستحلُّوني بها؛ فإني سمعت رسولَ الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ يقول: يُلْحِدُ رجلٌ من قريش بمكة يكون عليه نصفُ عذابِ العالمِ، فلن أكونَ أنا إيّاه".

وأما الخروج إلى الشام، فقال:".. لا والله، لن أفارق دارَ هجرتي ومجاورةَ رسول الله ما حَيِيتُ...".

وقال:"إني أستحْيِي أن أخرج من بينهم خائفا فيراني أهل الشام، وتسمع الأعداء من الكفار ذلك..".

وأما الخروج لقتالهم فقال:"والله لن أكون أولَ مَنْ يَخْلُف رسولَ الله في أمته بسفك الدماء..!! فإني أرجو أنْ ألقَى اللهَ وليس يُراق بسببي مِحْجَمَةٌ (قدر قليل) من دَمٍ..!!"

أيُّ ورعٍ، وأي جلالٍ هذا..؟؟ خليفة تتأجج من حوله الفتن، وتُحاك له المؤامرات، وهو لا يريد مهما تكن العواقبُ أن يواجه هذا التمردَ بقوة السيف، مكتفيا بالزجر والتهديد.. ومع مَنْ؟؟ مع أناس يهاجمونه بألسنة حِدادٍ، ويُحرّضون على خلعه وقتله!.. رجلٌ يحيط به بغاةٌ مسلحون يريدون رأسه، وأمامه فرص النجاة والخلاص، ثم يرفضُها جميعا؛ لأنها ستنال من هيبة الدولة ومكانتها، وستنال أيضا من كرامة هجرتِه وثوابها.. ؟؟!!

وفي أية سِنٍّ كان وهو يحملُ هذا الولاء الفَتِيَّ الشابَّ للهجرة ولِحَقِّها، ويرفعُ هذا اللواء للدفاع عن مكانة الدولة وهيبتها..؟! في سن تجاوزت الثمانين..!! إنه يرفض أيَّ نقص شكلي أو موضوعي للدولة وسلطانها ومبادئها، أو للهجرة وحقها ولو كان ثمن الرفض حياته..!!

وصل إلى مسامع البُغاة تحركُ جيوش الأمصار لنجدة الخليفة، فأصروا على حَصْرِهِ والتضييق عليه، حتى منعوا عنه الطعام والماء، بل والصلاةَ في المسجد، وتهددوه بالقتل، ولهذا ذكّرهم بتوسعتِه للمسجد النبوي من ماله ـ وهو أول من مُنِعَ من الصلاة فيه ـ وأنه وَقَفَ بئرَ رومة على المسلمين ـ ومُنِع الشُّربَ من مائها ـ وذَكَرَ لهم سابقتَه في الإسلام وأعمالَه مع الرسول ـ صلى الله عليه وسلم ـ علَّ كلماتِه تنجح في كفِّهم عنه وردِّهم إلى الطاعة لله ولرسوله وأولي الأمر منهم. ولكنهم لجُّوا في طغيانهم يَعْمَهُون، وأبَوْا إلا الباطل والبقاء على ما هم عليه من البغْيِ والعدوان، ومضوا يلتمسون العلل التي يحتجُّون بها لتبرير قتله.

ومنعوا الناس من الدخول إليه والخروج من عنده، حتى اشتد عليه الحال، وضاق المجال، ونَفِدَ ما عنده من الماء، فاستغاث بالمسلمين في ذلك، فكان أسرعَهم نجدةً له عليُّ بن أبي طالب وأم حبيبة بنت أبي سفيان زوجُ النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ التي بادرت بنجدته، فنالها منهم شدةٌ عظيمة، ولم يبق لعثمان وأهله من الماء إلا ما يوصله إليهم آل عمرو بن حزم في خُفْيَةٍ ليلًا.

ولَمَّا وقع هذا أعْظَمَه الناسُ جدًا، ولزِم أكثرُهم بيوتَهم، وجاء وقت الحج فخرجت السيدة عائشة لتبتعد عن جحيم الثائرين وحماقتهم، وأشرف عثمانُ على الناس محاوِلا أنْ يَصرف عنه مَنْ يريد القتال؛ كي لا يراق دَمٌ بسببه، ساعيا للنهوض بحق الأمة وهو محصور؛ فوَلَّى ابنَ عباس إمارة الحج، وأقسم عليه، فخرج بالناس إلى الحج، ورمى عثمانُ إلى الزبير بوصيته، وجمع أهلَ المدينة وودَّعهم، ولم يَدُرْ بِخَلَدِ أحد أن الثوار مُقْدِمون على قتل الخليفة.

لما اشتد الحصار على عثمان ـ رضي الله عنه ـ ورأى الصحابةُ بالمدينة ما آلَ إليه الأمرُ، هَبُّوا لنجدة خليفتِهم، لكن عثمانَ الرحيمَ كان أمرُه عجبًا، يمنع الصحابة من الدفاع عنه، ويرفض النجاةَ من سيوف قاتِلِيه، إذا كان ثمنُ هذه النجاة قطراتِ دمٍ تُرَاقُ من مسلم بريء..!!

يدخل عليه عليّ، متقلِّدًا سيفَه للدفاع عنه ويستأذنه في قتالهم.

ويرسل إليه الزبيرُ والأنصارُ في الإذن لهم بالدفاعِ عنه والقتالِ دونه.

ويبعث كبارُ الصحابة بأبنائهم ليدافعوا عنه ولِيَبْقَوْا في داره يَحْمُونَه.

ويأتي أبو هريرة شاهرًا سلاحَه في اهْتِيَاجٍ شديدٍ، ويُحمِّسُ الناسَ للقتال وللدفاع عنه..

فإذا بعثمان يَصيح في الصحابة الذين تجمّعوا حول دارِه ليواجهوا الثوار بالسلاح قائلا:"إن أعظمَكم عنِّي غناءً، رجلٌ كَفَّ يدَه وسلاحَه..!!"

وحين يَعلم أن عُصْبَةً من شباب المسلمين على رأسهم الحسنُ والحسينُ وابنُ عمر وعبدُ الله بن الزبير ومروان بن الحكم، ما زالوا عند داره قد أخذوا مكانَهم لحِراستِه، وشهروا سلاحَهم ـ يتفطَّر قلبُه أسى، ويدعوهم ويتوسل إليهم قائلًا: أناشِدُكم اللهَ، أسألُكُم بِهِ، ألا يُرَاقَ بسببي مِحْجَمُ دَمٍ..!!!

أحس عثمان ـ رضي الله عنه ـ بقرب أجله، وتيقن مِن تَحَقُّقِ موعودِ رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ باستشهاده بين لحظة وأخرى، وهو يَرْقُبُ حضورَ هذا الأجلِ ولا يَرهَبُه؛ لذا أسرع ورمَى من فوق الدار بوصيته إلى أخيه الزبيرِ بن العوام، وكان مكتوبا فيها:

"هذه وصية عثمان: بسم الله الرحمن الرحيم، عثمانُ بنُ عفانَ يشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأن محمدًا عبدُه ورسوله، وأن الجنة حق، وأن النَّارَ حقٌّ، وأنَّ اللهَ يَبْعَثُ مَنْ في القبور ليومٍ لا ريب فيه، إن الله لا يخلف الميعاد، عليْها يَحْيَا وعليْها يَموتُ وعليْها يُبْعَثُ إنْ شاء الله تعالى".

وجمع عثمانُ الناسَ لمَّا رأى تشديد المتآمرين الحصار عليه، وتيقن من دنُوِّ أجلِه، وعزم على المسلمين أنْ يَنصرفوا فلا يقاتلوا عنه، وعزم له المسلمون على الصبر والامتناع على البغاة بسلطان الله، فقال: اخرُجُوا ـ رَحِمَكُم اللهُ ـ فكُونوا بالباب..

وأرسلَ إلى طلحةَ والزبير وعليّ وعِدَّةِ رجال من الصحابة أن يقتربوا منه، فلما اجتمعوا أشْرَفَ عليهم مِن الدار، وقال:"يا أيها الناس، اجْلِسوا، فجَلَسوا جميعا؛ أهلُ المدينة والطارئون عليها.. فقال:"يا أهل المدينة، إني أستودعُكم اللهَ، وأسألُه أن يُحسِنَ عليكم الخلافةَ من بعدي، وإنِّي والله لا أَدخل على أحدٍ بعد يومي هذا حتى يَقضيَ اللهُ فِيَّ قضاءَه؛ ولأَدَعَنَّ هؤلاء وما وراء بابي غيرَ مُعطِيهم شيئًا يتخذونه عليكم دَخَلًا في دين الله أو دنيا حتى يكون اللهُ ـ عز وجل ـ الصانعَ في ذلك ما أَحَبَّ .."."

وأَمَرَ أهلَ المدينة بالرجوع، وأقسم عليهم، فرجعوا إلا الحسن بن علي، ومحمد بن طلحة، وعبد الله بن الزبير، وجماعة أمثالهم من أبناء الصحابة، فجلسوا بالباب عن أمر آبائهم، وعاد إليهم ناسٌ كثيرٌ، ولَزِمَ عثمانُ الدارَ.

أحس عثمان ـ رضي الله عنه ـ بقرب أجله، وتيقن مِن تَحَقُّقِ موعودِ رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ باستشهاده بين لحظة وأخرى، وهو يَرْقُبُ حضورَ هذا الأجلِ ولا يَرهَبُه؛ لذا أسرع ورمَى من فوق الدار بوصيته إلى أخيه الزبيرِ بن العوام، وكان مكتوبا فيها:

"هذه وصية عثمان: بسم الله الرحمن الرحيم، عثمانُ بنُ عفانَ يشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأن محمدًا عبدُه ورسوله، وأن الجنة حق، وأن النَّارَ حقٌّ، وأنَّ اللهَ يَبْعَثُ مَنْ في القبور ليومٍ لا ريب فيه، إن الله لا يخلف الميعاد، عليْها يَحْيَا وعليْها يَموتُ وعليْها يُبْعَثُ إنْ شاء الله تعالى".

وجمع عثمانُ الناسَ لمَّا رأى تشديد المتآمرين الحصار عليه، وتيقن من دنُوِّ أجلِه، وعزم على المسلمين أنْ يَنصرفوا فلا يقاتلوا عنه، وعزم له المسلمون على الصبر والامتناع على البغاة بسلطان الله، فقال: اخرُجُوا ـ رَحِمَكُم اللهُ ـ فكُونوا بالباب..

وأرسلَ إلى طلحةَ والزبير وعليّ وعِدَّةِ رجال من الصحابة أن يقتربوا منه، فلما اجتمعوا أشْرَفَ عليهم مِن الدار، وقال:"يا أيها الناس، اجْلِسوا، فجَلَسوا جميعا؛ أهلُ المدينة والطارئون عليها.. فقال:"يا أهل المدينة، إني أستودعُكم اللهَ، وأسألُه أن يُحسِنَ عليكم الخلافةَ من بعدي، وإنِّي والله لا أَدخل على أحدٍ بعد يومي هذا حتى يَقضيَ اللهُ فِيَّ قضاءَه؛ ولأَدَعَنَّ هؤلاء وما وراء بابي غيرَ مُعطِيهم شيئًا يتخذونه عليكم دَخَلًا في دين الله أو دنيا حتى يكون اللهُ ـ عز وجل ـ الصانعَ في ذلك ما أَحَبَّ .."."

وأَمَرَ أهلَ المدينة بالرجوع، وأقسم عليهم، فرجعوا إلا الحسن بن علي، ومحمد بن طلحة، وعبد الله بن الزبير، وجماعة أمثالهم من أبناء الصحابة، فجلسوا بالباب عن أمر آبائهم، وعاد إليهم ناسٌ كثيرٌ، ولَزِمَ عثمانُ الدارَ.

بعضُ الناس مرضَى النفوس يَفتحون أبواب الفتن على الخَلْقِ، ويموتون وتبقى الفتنُ يَصْلَى عبادُ اللهِ لهيبَها المُحرِقَ؛ وقد نَجِدُ هؤلاء المرضَى يُطوِّحون بسيوف التخويف في وجوه المسالمين في المواقف الحرجة، ظانِّينَ أنَّ ما يفعلونه بطولةٌ لا نظير لها، مع أنهم بذلك يفتحون أبوابا من الجحيم على أنفسهم وعلى الخلق، ويبوءون بإثمهم وآثام الخلق، مَثَلُهم في ذلك كَمَثَلِ الأشْقَى الذي حَمَلَ على ناقة النبي الكريم صالح ـ عليه السلام ـ حتى قتلها، فأهلكه الله هو ومَنْ كفر معه.

وقد نال المكانة البارزة في دنيا الأشقياء هؤلاء الذين امتدَّتْ أيديهم إلى الخليفة الراشد عثمانَ بن عفان ـ رضي الله عنه ـ فقتلوه؛ إذْ أضاعوا على الأمة خيرا كثيرا كانت تَجْنِيهِ في ظلال الخلافة الراشدة، وأوقعوا الشر في صفوفها بسبب هذا الدم الحرام الذي سفكوه..

لقد دخلوا عليه الدار جماعةً، وتمالأوا عليه؛ فمِنْهم مَنْ يضربه بنَصْل سيفِه، ومنهم مَنْ يلكزُه، وجاءه رجلٌ بمشاقِص (نصل عريض، أو سهم يُرمى به الوحش عند الصيد) ، فضربه في تَرْقُوَتِه، فسالَ الدَّمُ على المصحف، وهُمْ في ذلك يهابون قَتْلَه. وكان عثمان ـ رضي الله عنه ـ شيخا كبيرًا، فغُشِيَ عليه.

ودخل آخرون، فلما رأوه مَغْشِيًّا عليه جَرُّوا بِرِجْلِه، فصاحتْ زوجته نائلةُ، وبناتُه، وجاء كِنانةُ بنُ بِشْرٍ التُّجِيبِيُّ مخترطا سيفَه ليضعَه في بطنه، ففادتْه نائلةُ، فقطَع يدَها، واتَّكأ بالسيف على صدر الخليفة الشهيد.

وقيل: إن كِنانةَ بن بشر ضَرَبَ جبينَه ومُقَدَّمَ رأسِه بعمود حديد، فخَرَّ لجَنْبَيْهِ، فضربَه سُودانُ بنُ حُمرانَ بعدما خَرَّ لجَنْبِه فقتلَه. وأما عمرو بن الحَمِق فوَثَبَ على عثمانَ فجلسَ على صدره، وبه رَمَقٌ، فطعنَه تسعَ طعناتٍ.

ــــــــــــــ

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت