لما فرغ علي من وقعة الجمل انتقل إلى الكوفة ليتخذَها عاصمةً لخلافته، وأرسل جريرَ بن عبد الله إلى معاوية يدعوه إلى الطاعة، وقد دخلت جميع الأقطار في بيعته عدا الشام، فامتنع معاوية عن البيعة، واشترط قَتْلَ مَنْ قتلوا عثمان أولا، أو تسليمَهم لإقامة الحَدِّ عليهم.
وقد كانت أفاعيلُ هؤلاء القَتَلة تثير الحرب وتبعثها من تحت الرماد.
ولم يبايعْ أهلُ الشام كذلك، وقاموا بنُصْرة معاوية مطالبين بالثأر من قَتَلَةِ عثمان، أو تسليمِهم لإقامة الحدّ عليهم.
ودارت الرسل بين الطرفين، ومعاوية وأهلُ الشام مُصرُّون على القصاص من قَتَلَةِ عثمان قبل البيْعة، فأخذ عليّ يجهز للخروج إليهم، ويحض أهل الكوفة على الاستعداد، فخرج معه كثيرون، وإن كان قُرَّاءُ القرآن من تلاميذ ابن مسعود أبَوْا الخروجَ وسجلوا صورة مضيئة للمؤمن وسط هذه الفتن المظلمة. وفي أثناء ذلك سبَّ بعضُ الناس أهل الشام، فنهاهم عليّ عن ذلك، وأمرهم أن يقولوا: اللهم احقنْ دماءَنا ودماءَهم، وأصلِحْ ذات بيننا وبينهم.
وسار عليّ إلى صِفِّين، ولما علم معاوية بمسيره أسرع إلى هناك، وأقام الفريقان عدةَ أيامٍ يلتقون على الماء، ويسعى بعضُهم إلى بعض دون قتال، ولكنه الجدال والمناقشة.
ولم تُنْتِج المكاتباتُ والرسل نتيجةً، فلم يكن بُدٌّ من القتال، وأخذ علي يُعِدّ جيشه ويُوصِي جنودَه، وكذلك استعد معاوية، وبدأ القتال بين الفريقين، بعدما اجتهد كلاهما ليُصيبَ الحقَّ. وكأنما كان قتالا على اسْتحياءٍ من الطرفين؛ فتتقدم فرقة من هذا الجيش إلى فرقة من الجيش الآخر وتقع مناوشات صغيرة.. واستمر ذلك شهر ذي الحجة، ودخل شهر المحرم فتوقف القتال، وكانت الهُدْنَةُ لعل اللهَ يصلح بينهما على أمر يكون فيه حقنُ دماء المسلمين.
وكثرت السفراء بين الفريقين، وسَعى أبو الدرداء وأبو أُمامة للصلح بينهما، كما قام جماعةٌ من القُرَّاء بمحاولاتٍ للصلح بين الطرفين، ولكن دون جدوى، فاصْطَفُّوا للحرب في شهر صفر، واسْتُؤْنِفَ القتال، ولم يَغْلِبْ أحدٌ أحدًا، وظلوا أياما في حرب بلا حسم، فرأى الطرفان أنه لابد من مواجهة شاملة بين الجيشين لحسم المعركة.
ودارت رَحَى الحرب بينهم، فتقاتل الفُرْسان، وتبارز الشجعان، وقُتل خلق كثير من الأعيان من الفريقين، مثل: عبيد الله بن عمر وذي الكَلاع من الشاميين، وعمار بن ياسر وهاشم بن عتبة من أصحاب عليّ، وطارت أَكُفٌّ ومَعَاصِمُ ورءوسٌ عن أجسادها، فظهرت لذلك بوادر الصلح بين الفريقين قبل رفع المصاحف على أسِنَّةِ الرماح.
لكن الحرب عادت لتشتدَّ في يوم الخميس تاسع صفر، ولم يصدَّهم عن القتال إقبالُ الليل، فما صلَّى الناسُ المغربَ والعشاءَ إلا بالإشارة، واستمر القتالُ هذه الليلةَ كلَّها، وهي من أعظم الليالي شرّا بين المسلمين، وتُسمى"ليلة الهرير"، تكسرت فيها الرماح، ونَفِدت النِّبال، وصار الناسُ إلى السيوف، واستمر القتال إلى ضُحى الجمعة، وكلا الفريقين صابر للآخر، والناس يكاد يُفني بعضُهم بعضًا، فأشار عمرو على معاوية برفْع المصاحف على أسِنَّةِ الرماح، ونادى المنادِي: هذا كتاب الله ـ عز وجل ـ بيننا وبينكم، مَنْ لِثُغُور أهل الشام بعد أهل الشام؟! ومَنْ لِثُغُور أهل العراق بعد أهل العراق؟!
فاستجاب علي ـ رضي الله عنه ـ لنداء الصلح، وأوقف القتال، ولجأ الفريقان إلى التحكيم وضرب عليٌّ أروعَ الأمثلة في سيرته مع مَنْ قاتَلَه يوم صِفِّين.
واعترض مثيرو الفتن على الصلح، لكن رغبةَ أكثر أهل الشام وأهل العراق كانت المصالحة والمسالمة مدة، لعل اللهَ يُحْدِثُ فيها اتفاقا بين المسلمين، وكتب بينهما كتاب القضية. وقد شارك هذا الأمر في تقوية وضع معاوية بن أبي سفيان بصورة أكبر، حتى تمت له السيطرة على مصر.
وهكذا انتهت هذه الفاجعةُ الكبرى، التي راح ضحيتَها آلافٌ من النفوس الطاهرة.
دفع بعضُ الثوار من قتلة عثمان ـ رضي الله عنه ـ بالأمور إلى حافة الهاوية، وأجَّجُوا الفتنة، وأكّدوا في حِسّ معاوية وأهل الشام مسئوليتَهم عن قتل عثمان. وكان معاوية قد أرسل إلى ابنِ خاله محمدِ بنِ أبي حُذيفة عاملِ عليٍّ على مصر، يطلب منه أن يَدفع إليه رجلين شارَكَا في قَتل عثمان، فأرسل إليه ابنُ أبي حذيفة يقول:"لو طلَبْتَ مِنّا جَدْيًا رطْبَ السّرّة بعثمانَ ما دفعناه إليك"!
وكان أحدهم يرتجز يوم صِفِّين، مفتخرا بقتل أمير المؤمنين الشهيد عثمان بن عفان!
وقد بلغ من سيطرة هؤلاء السفهاء على مجريات الأمور بالكوفة أن الناس كانوا إذا سمعوا أحدا يذكر عثمان بخير ضربوه، فزجرهم عليّ لما علم بذلك ونهاهم عنه.
فهل كان في وسع معاوية عندما يسمع صوت البَغْي هذا أن يصم أذنيه؟ هل كان يُقْبَلُ منه أنْ يتجاهل كل ذلك؟!
إنها اليد المؤمنة التي أمسكت بالمصحف وتأْبَى أن تمتد إلى مسلم بسوء، فقد علمهم القرآن أن يكونوا رحماءَ بالمؤمنين، بل أذلةً بين أيديهم، وأن يكونوا أعزةً على من يحارب الحق ويمنع عن الناس ضياءه..
هؤلاء هم قُرَّاءُ القرآن الذين حضّهم علي بن أبي طالب مع أهل الكوفة؛ ليخرجوا معه لقتال أهل الشام، فأجابه جُلّ الناس إلى المسير، إلا أصحاب عبد الله بن مسعود في نحو أربعمائة رجل من القراء.
فقالوا:"يا أمير المؤمنين، قد شكَكْنا في هذا القتال مع معرفتنا فضلَك، ولا غنى بك ولا بالمسلمين عمن يقاتل المشركين، فولِّنا بعضَ هذه الثغور لنقاتل عن أهله".
فولاهم ثغرَ قزوين والريّ، وولّى عليهم الربيع بن خُثَيم، وعقد له لواء، وكان أول لواء عقد بالكوفة.
لم يقف الصحابة ـ رضوان الله عليهم ـ موقفَ الصمت إزاءَ ما يحدث بين المسلمين من شقاق ونزاع؛ فقد خرج أبو هريرة وأبو الدرداء لمنع القتال بين المسلمين يوم صفين، وقيل: بل خرج أبو الدرداء وأبو أمامة فدخلا على معاوية، فقالا له: يا معاوية، عَلامَ تقاتل هذا الرجلَ؟ فواللهِ إنه أقدم منك ومن أبيك إسلاما، وأقرب منك إلى رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ وأحقّ بهذا الأمر منك.
فقال: أقاتله على دَمِ عثمان، وأنه آوَى قَتَلَتَه، فاذهبا إليه فقولا له: فلْيُقِدْنَا من قَتَلَةِ عثمان، ثم أنا أولُ مَنْ يبايعه من أهل الشام.
فذهبا إلى عليّ، فقالا له ذلك، فقال: هؤلاءِ الذِينَ تَرَيَانِ، فخرج خلقٌ كثيرٌ فقالوا: كلُّنا قَتَلَةُ عثمان! قال: فرجع أبو الدرداء وأبو أمامة؛ فلم يشهدا لهم حربا.
ومن محاولات الصلح بين الفريقين أيضا أن قراء أهل العراق وقراء أهل الشام من أهل القرآن عسكروا ناحيةً، وكانوا قريبا من ثلاثين ألفا، فجاء جماعة من قراء العراق ـ منهم عَبيدة السلماني وعلقمة بن قيس وعامر بن عبد قيس وعبد الله بن عتبة بن مسعود وغيرهم ـ جاءوا للسعي في الصلح بين الفريقين، لكن الخلاف حول أولوية قَتْل قاتِلي عثمان ـ رضي الله عنه ـ حالَ دون نجاح هذه الجهود المخلصة.
وكان القراءُ يَحجزون بين الفريقين إذا زحف بعضهم إلى بعض، فلا يكون قتال، حتى اشتعلت الحرب بعدما فشلت محاولات الإصلاح.
وبات عليّ ليلتَه كلَّها يعبّئ الناسَ، ويكتّب الكتائبَ، ويدور في الناس يحرضهم ويوصيهم، وبرز معاوية صبح تلك الليلة، يجهز جيشه ويحرضهم، وبايع رجال من أهل الشام على الموت، وكانوا يخرجون ويصفون عشرة صفوف، ويخرج أهل العراق أحد عشر صفا، فتواقفوا على هذه الصفة أولَ يوم من صفر، واقتتلوا فكان أول يوم من أيام القتال في صفين بعد الهدنة.
لما عزم أهل الشام على نُصرة معاوية والقيام معه بطلب الثأر لعثمان، أقبل أبو مسلم الخولاني حتى قدم على معاوية، فدخل في أُناس من العباد، فقال له: يا معاوية، قد بلَغَنا أنك تهمّ بمحاربة علي، فكيف تناوئه وليست لك سابقته؟
فقال لهم معاوية: لست أدّعي أني مثله في الفضل، ولكن هل تعلمون أن عثمان قُتل مظلوما؟ قالوا: بلى.
قال: فلْيَدْفَعْ إلينا قَتَلَتَه، حتى نسلم إليه هذا الأمر.
قال أبو مسلم: فاكتبْ إليه بذلك حتى أنطلق أنا بكتابك، فكتب إليه بذلك.
فسار أبو مسلم بكتابه حتى ورد الكوفة، ودخل على أمير المؤمنين فناوله الكتاب، فقرأه. وقال أبو مسلم: يا أبا الحسن، إنك قد قُمْتَ بأمر وَوَلِيتَه، والله ما نحب أنه لغيرك إنْ أعطيتَ الحقَّ من نفسك؛ إن عثمان قُتِل مظلوما، فادْفَعْ إلينا قَتَلَتَه، وأنت أميرُنا، فإنْ خالفك أحدٌ من الناس كانت أيدينا لك ناصرةً، وألسنتُنا لك شاهدةً، وكنتَ ذا عذر وحُجة.
فقال له علي: اغْدُ عَلَيَّ بالغداة، وأَمَرَ به فأُنْزِلَ وأُكْرِمَ، فلما كان من الغد، دخل إلى عليّ وهو في المسجد، فإذا هو بزُهاء عشرة آلاف رجل قد لبسوا السلاح وهم ينادون: كلُّنا قَتَلَةُ عثمان.
فقال أبو مسلم لعلي: إني لأرى قوما ما لك معهم أمرٌ، وأحسب أنه بلغهم الذي قَدِمْتُ له ففعلوا ذلك خوفا من أن تدفعَهم إليَّ. ورجع أبو مسلم بذلك إلى معاوية بعد أن كتب له أمير المؤمنين كتابا يدعو معاوية إلى الطاعة ويحذِّرُه من الشقاق.
في يوم الأربعاء أول يوم من صفر كان بدء القتال بين الفريقين، إذْ خرج يومئذ على أهل الكوفة الأشْتَرُ، وعلى أهل الشام حبيب بن مسلمة، فاقتتلوا قتالا شديدا جُلَّ النهار، ثم تراجعوا من آخر يومهم وقد انْتَصَف بعضهم من بعضٍ وتكافأوا في القتال.
ثم أصبحوا من الغد؛ يوم الخميس، وأمير حربِ أهل العراق هاشم بن عتبة في خيل ورجالٍ حسنٍ عددُها وعُدّتُها، وخرج إليه أبو الأعور السلمي، فاقْتتلوا يومَهم ذلك، تحمل الخيل على الخيل، والرجال على الرجال، ثم انصرفوا وقد تساوت الكِفتان.
وخرج في اليوم الثالث ـ يوم الجمعة ـ عمار بن ياسر من ناحية أهل العراق وخرج إليه عمرو بن العاص في الشاميين، فاقتتل الناس كأشد القتال، وحمل عمار على عمرو بن العاص، فأزاله عن موقفه، وبارز زيادُ بن النضر الحارثي ـ وكان على الخيالة مع عمار ـ رجلًا، فلما تواقفا تعارفا؛ فإذا هما أخوان من أم، فانْصرف كل واحد منهما إلى قومه وترك صاحبه، وتراجع الناس من العشيّ، وقد صبر كل فريق للآخر.
وخرج في اليوم الرابع ـ وهو يوم السبت ـ خرج محمد بن الحنفية، ومعه جمع عظيم، فخرج إليه في كثير من جهة الشاميين عبيدُ الله بن عمر، فاقتتل الناس قتالا شديدا، وتحاجَزَ الناس يومهم ذلك وتراجعوا.
فلما كان اليوم الخامس ـ وهو يوم الأحد ـ خرج عبد الله بن عباس في العراقيين، وخرج إليه جيش الشاميين، ولم يُحسَم أمر الحرب أيضا.
وفي اليوم السادس ـ وهو يوم الإثنين ـ خرج على الناس من جهة العراقيين قيسُ بن سعد الأنصاري، وابنُ ذي الكَلاع الحِمْيَرِيّ من جهة الشاميين؛ فاقتتلوا قتالا شديدا وتصابروا ثم انصرفوا.
ثم خرج الأشْتَرُ النَّخَعِيّ في اليوم السابع ـ وهو يوم الثلاثاء ـ وعاد إليه قِرنه حبيب بن مسلمة، فاقتتلوا قتالا شديدا أيضا، ثم انصرفوا عند الظهر، ولم يَغْلِبْ أحدٌ أحدا في هذه الأيام كلها، فرأى الطرفان أنه لابدَّ من حملةٍ عامَّةٍ لحسم الموقف.
بدأ القتال في صفين منذ أول يوم من صفر، واستمر حتى اليوم السابع من الشهر، دون أن يغلب أحد أحدا، فرأى علي أن يقاتل بجميع الجيش ويحمل عليهم حملة عامة، فقام في الناس فخطب فيهم بذلك، فوثبوا إلى سيوفهم ورماحهم ونبالهم يصلحونها، ولما كان من الليل خرج علي فعبّأ الناسَ ليلتَه كلَّها، حتى إذا أصبح زحف بالناس، وخرج إليه معاوية في أهل الشام، وسأل علي عن القبائل من أهل الشام، فعرف مواقفَهم، فقال للأزْد: اكْفُونا الأزْدَ، وقال لخثعم: اكفونا خثعمًا، وأمر كل قبيلة أن تَكفيَه أختَها من الشام، إلا أن تكون قبيلة ليس منها بالشام أحد، فيَصرفها إلى قبيلة أخرى من الشام ليس بالعراق منهم أحد.
وتناهض الناس يومَ الأربعاء فاقتتلوا قتالا شديدا نهارَهم كلَّه، ثم انْصرفوا عند المساء لا يغلب أحدٌ أحدًا، ولا يفر أحد من أحد، وأصبحوا من الغد، فصلَّى بهم عليٌّ الفجرَ، وباكَرَ القتالَ، ثم بدأ أهلُ الشام الخروجَ، فلما رأوه قد أقبل إليهم خرج إليه كبراؤهم، وعلى ميمنته عبد الله بن بديل، وعلى الميْسرة عبد الله بن عباس، والناس على راياتهم ومراكزهم، وعليٌّ في القلْبِ، ثم زحف إليهم بالناس، وأقبل معاوية وقد بايعه أهلُ الشام على الموت، فتواقف الناس في موطن مَهُولٍ وأمرٍ عظيم، وحمل عبد الله بن بديل أميرُ الميمنة على حبيب بن مسلمة أمير ميسرة الشام، فاضطره إلى التراجع حتى ألْجأه إلى القلب وفيه معاوية.
وأمر معاويةُ الشجعانَ أن يعاونوا ابن مسلمة على العودة، وبعث إليه يأمره بالحملة والكَرّة على ابن بديل، فحمل حبيب بمن معه من الشجعان على ميمنة أهل العراق، فأزالُوهم عن أماكنهم، وانكشفوا عن أميرهم، حتى لم يَبْقَ معه إلا زهاء ثلثمائة..
وأمر عليٌّ سهل بن حنيف، فقدم فيمن كان معه من أهل المدينة، فاستقبلتهم جموعٌ لأهل الشام عظيمةٌ، فاحتملتْهم حتى ألجأتهم الهزيمة إلى عليٍّ، فانصرف يتمشى نحو الميسرة، فانْكشفت عنه مُضَرُ من الميسرة، وثبتت ربيعة معه، فأمر الأشْتَرَ أن يَلحق بالمنهزمين فيردَّهم، فسار فأسرع حتى استقبل المنهزمين من العراق، فجعل يؤنّبهم ويوبّخهم، ويحرض القبائل والشجعان منهم على الكَرَّة، فجعل طائفة تتابعه وآخرون يستمرون في هزيمتهم، فلم يزل ذلك دأبَه حتى اجتمع عليه خلقٌ عظيم من الناس، فجعل لا يَلقى قبيلة إلا كشفها، ولا طائفة إلا ردّها، حتى انتهى إلى أمير الميمنة، وهو عبد الله بن بديل، ومعه نحو ثلثمائة قد ثبتوا في مكانهم، فسألوا عن أمير المؤمنين، فقالوا: حي صالح، فالتفوا حوله، فتقدم بهم حتى تراجع كثير من الناس، وذلك ما بين صلاة العصر إلى المغرب.
وتقدم ابنُ بديل إلى أهل الشام وحمل نحو معاوية، فلما انتهى إليه وجده واقفا أمام أصحابه وفي يده سيفان، وحوله كتائبُ أمثالُ الجبال، فلما اقترب ابن بديل تقدم إليه جماعةٌ منهم فقتلوه، وفر أصحابُه منهزمين؛ وأكثرهم جريح ..
ثم إن عليا لما رأى الميمنة قد اجتمعت نزل إلى الناس، فعاتب بعضهم وعذر بعضهم، وحرض الناس وثبتهم، ثم تراجع أهلُ العراق فاجْتمع شملُهم، ودارت رَحى الحرب بينهم، وجالُوا في الشاميين وصالوا، وتبارز الشجعان فقتل خلق كثير من الأعيان من الفريقين، مثل عبيد الله بن عمر وذي الكَلاع من الشاميين، وعمار بن ياسر وهاشم بن عتبة من العراقيين، فخرج عليٌّ في اثني عشر ألفا، وتقدمهم على بغلته، فحمل وحملوا معه حملةَ رجلٍ واحدٍ، فلم يَبْقَ لأهل الشام صف إلا انتقض، وقتلوا كل مَن انْتهَوْا إليه، حتى بلغوا معاوية..
ثم قَدَّم عليٌّ ابنَه محمدًا في عصابة كثيرة من الناس، فقاتلوا قتالا شديدا، ثم تَبِعه عليٌّ في عصابة أخرى، فحمل بهم، فقُتل في هذا الموطن خلقٌ كثيرٌ من الفريقين لا يعلمُهم إلا الله، وطارتْ أكُفٌّ ومعاصِمُ ورءوس عن كواهلها ـ رحِمَهم الله تعالى وغَفَرَ لهم.
وكان هذا الحال المؤلم أهم دافع إلى وقف القتال والبحث عن الصلح، حقنا لدماء المسلمين الكثيرة التي سالت في هذه المعركة المشئومة.
ذاق عمار طعم الإيمان مبكرا، حينما أسلم في أيام الإسلام الأولى في مكة، وتحمل أذى السادة من قريش.. وقد كانت أبرز سمات عمار أنه يعمل بالحق متحمسا له بقوة وبسالة، مستعدا بالتضحية من أجله بكل ما يملِك..
كان عمار في معركة صفين يقاتل في جيش عليٍّ، وهو على يقين من أنه على الحق، فكان يقول والحربة في يده:"والذي نفسي بيده، لقد قاتلْت بهذه الراية مع رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ ثلاث مرات وهذه الرابعة، والذي نفسي بيده لو ضربونا حتى يبلغوا بنا سعفات (ورق الأغصان) هَجَر لعرفتُ أن مصلحينا على الحق، وأنهم على الضلالة".
وسئل عمار عن قتاله مع عليٍّ؛ رأيًا رأيتُموه؟ فإن الرأي يصيب ويخطئ، أو عهدا عهده إليكم رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم؟ فقال: ما عهد إلينا رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ شيئا لم يعهدْه إلى الناس كافة"."
وأُتي عمار في المعركة بشربة لبن فضحك، وقال:"إن رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ قال لي: آخر شرابٍ أشربُه لبنٌ حين أموت"، وقال لي:"تقتلُك الفئةُ الباغيةُ". وحمل عليهم وقاتلهم قتالا شديدا، وجاء إلى هاشم بن عتبة، وهو صاحب راية عليٍّ، فقال: يا هاشم تقدمْ، الجنةُ تحت ظلال السيوف، والموت في أطراف الأسِنَّة، وقد فتحت أبواب الجنة، وتزيَّنت الحورُ العِينُ:
اليومَ ألْقى الأحبه محمدا وحِزْبَه
ثم حملا هو وهاشم فقُتلا ـ رحمهما الله تعالى ـ وذاع خبرُ مقتل عمار في أهل الشام، وكان له وقْعٌ وأثرٌ مثبِّط لجُنْدِ معاوية، استطاع أن يتغلب عليه بحنكته السياسية.
امتد القتال العنيف والشامل في صفين إلى ضحى الجمعة، فلما رأى عمرو بن العاص أن أمر أهل العراق قد اشتد، خاف على القوم الهلاك؛ فإن كلا الفريقين صابر للآخر، والناس يتفانَوْن، فقال لمعاوية: ندعوهم لكتاب الله أن يكون حَكَمًا بيننا وبينهم. فأمر معاوية برفع المصاحف على أسِنَّة الرماح، ونادى المنادي: هذا كتاب الله عز وجل بيننا وبينكم، مَنْ لِثُغور أهل الشام بعد أهل الشام! مَنْ لِثُغور أهل العراق بعد أهل العراق!! فلما رأى الناس المصاحف قد رُفعت قالوا: نجيب إلى كتاب الله عز وجل وننيب (أي نرجع) إليه.
وكان ممن دعا إلى ذلك ساداتٌ من الشاميين، فقام عبد الله بن عمرو بن العاص في أهل العراق، فدعاهم إلى الموادعة والكفِّ وترك القتال والائتمارِ بما في القرآن، وذلك عن أمر معاوية له.
وأرسل رجل إلى عليٍّ بذلك، فقال عليٌّ:"نعم، أنا أوْلى بذلك، بيننا وبينكم كتابُ الله". فجاءه السبئيَّة يعترضون على الصلح ويريدون القتال؛ ولكنه أرسل الأشعث بن قيس إلى معاوية ليتحرَّى الأمرَ، فأتاه فقال: يا معاوية، لأيِّ شيءٍ رفعتم هذه المصاحف؟ قال: لنرجع نحن وأنتم إلى ما أمر الله ـ عز وجل ـ به في كتابه، تبعثون منكم رجلا ترضونه، ونبعث منا رجلا، ثم نأخذ عليهما أن يعملا بما في كتاب الله لا يَعْدُوانه، ثم نتبع ما اتفقا عليه، فقال له الأشعث بن قيس: هذا الحق، فانْصرفَ إلى عليّ، فأخبره بالذي قال معاوية؛ فقال الناس: فإنَّا قد رضينا وقبِلْنا، فقال أهل الشام: فإنا قد اخترنا عمرو بن العاص. واختار أهل العراق أبا موسى الأشعري..
فتفرق أهل صِفّين حين حُكِّمَ الحَكَمَان، وكُتب في ذلك كتاب، واشترطا أن يرفعا ما رفع القرآن، ويخفضا ما خفضَ القرآنُ، وأن يختارا لأمة محمد ـ صلى الله عليه وسلم، وأنهما يجتمعان بدُومة الجندل، فإن لم يجتمعا لذلك اجتمعا من العام المقبل بأذْرُح، وكان ذلك لثلاث عشرة ليلةً خلَتْ من صفر سنة سبع وثلاثين من الهجرة.
وخرج الأشعث بن قيس بذلك الكتاب، يقرؤه ويعرضه على الطائفتين، ثم شرع الناس في دفْن قتلاهم وإطلاق الأسرى.
لما حل شهر رمضان سنة سبع وثلاثين أرسل عليٌّ أبا موسى الأشعري حَكَما عنه في أربعمائة رجل، عليهم شريح بن هانئ الحارثي، ومعهم عبد الله بن عباس يصلِّي بهم ويَلي أمورهم، وبعث معاوية عمرَو بن العاص في أربعمائة فارس من أهل الشام وعليهم شُرَحْبِيلُ ابن السّمط، فتوافَوْا بدُومَة الجَنْدَل بأذْرُح، وهي نصف المسافة بين الكوفة والشام، وشهد معهم جماعة من رءوس الناس: كعبد الله بن عمر، وعبد الله بن الزبير، والمغيرة بن شعبة، وعبد الرحمن بن الحارث بن هشام.
فلما اجتمع الحَكَمان تراوَضَا على تحقيق ما فيه مصلحة للمسلمين، ونظرا في تقدير أمور، وأخذا يتباحثان.. وقد قرر الحكَمان ومن معهما من كرام الناس عزلَ معاوية عن منصبه في الشام، وأن يُوكَل أمر النظر في إمامة المسلمين إلى كبار الصحابة وأعيانهم، مع استمرار سلطان عليٍّ على ما تحت يده، ويبقى معاوية متصرفا فيما تحت يده حتى يتم نظرُ الصحابة، ولكن لم يَلْتَقِ الصحابة لتنفيذ ما اتفق عليه الحكَمان.
وكان للتحكيم نتائج كثيرة؛ أهمها: ظهور الخوارج على مسرح الأحداث.
كانت مصيبة علي بن أبي طالب في جيشه أضخم من مصيبته فيمن خالفه وحاربه في الجمل وصِفِّين، فبينما كانت طائفةٌ كبيرة من هذا الجيش أهلَ شَغبٍ؛ اعترضوا على أميرهم، وأثاروا الفتن إشعالا للقتال بين أمير المؤمنين وبين مَنْ يُخالِفُه ـ كانت الجيوشُ المخالِفةُ لعليٍّ دائما تجنح للصلح وحقن الدماء ولزوم أبواب الحق إذا تبين لها.
وقد انصرف أمير المؤمنين من صفين وجيشُه في شِقاق واختلاف: فريق منه راضٍ بالتحكيم ظنا منهم أنه حاسم للخلاف وجامِع لكلمة المسلمين، وفريق كاره له يقول: كيف نُحكّم في دين الله الرجالَ؟! وهؤلاء اعتزلوا إخوانَهم، يقولون لهم: داهَنْتُم في دين الله، وأولئك يقولون: فارقْتُم إمامَنا.
وسلك عليٌّ من صِفّين طريقَ البرِّ على شاطئ الفرات حتى انتهى إلى هِيت، ثم جاوز النخيلة، فلما دخل الكوفة سمع رجلا يقول: واللهِ ما صنع عليٌّ شيئا، ذهب ثم انصرف في غير شيء!
فقال عليّ:"لَلذين فارقْناهم خيرٌ من هؤلاء".
ــــــــــــــ