فهرس الكتاب

الصفحة 241 من 289

يعني: أن أمير المؤمنين وخليفة الناس الذي ملك الناس في زمانه، بل كل الدولة الإسلامية جاء عند عطاء بن أبي رباح وكان مولى لامرأة، ثم أعتق، فجلس إليه يسأله عن العلم، و عطاء لا يلتفت إليه مستقبلًا القبلة يجيبهم على أسئلتهم وهم قريب من قفاه رضي الله عن عطاء وأرضاه، فالمقصود أن سليمان أخذ من هذا درسًا، وقال لبنيه: لا تنيا في طلب العلم، فإني لا أنسى ذلنا بين يدي هذا العبد، وسماه العبد باعتبار ما كان.

وقيل في عطاء بن أبي رباح رحمة الله عليه من شدة علمه: كان أشل، وكان أعور، وكان أفطس، وكان بحرًا بالعلوم، ولذلك قال بعضهم:

أشل أعور أفطس ومن بحوره العلوم تقتبس

رحمة الله عليه.

وعن عمر بن المدرك ، قال: حدثنا القاسم بن عبد الرحمن ، حدثنا أشعث بن شعبة النشيطي ، قال: قدم الرشيد - يعني: هارون الرشيد - الرقة؛ فانجفل الناس خلف عبد الله بن المبارك ، صادف أن عبد الله بن المبارك قدم في نفس الوقت الذي قدم فيه أمير المؤمنين، فعبد الله بن المبارك أمير المؤمنين بالحديث، و هارون الرشيد أمير المؤمنين في زمانه، فقدما الرقة في وقت واحد، قال: فانجفل الناس خلف عبد الله بن المبارك ، وتقطعت النعال من الزحام، وارتفعت الغبرة، فأشرفت أم ولد لأمير المؤمنين من برج القصر، فقالت: ما هذا؟

فقالوا: هذا عالم من أهل خراسان ، يقال له عبد الله بن المبارك قدم، قالت: والله هذا الملك لا ملك هارون الرشيد الذي لا يجمع الناس إلا بشرط وأعوان. نصيحة لابن مهدي في الحث على الطلب ... قال عبد الرحمن بن مهدي: كان يقال: إذا لقي الرجل الرجل فوقه في العلم، فهو يوم غنيمته، وإذا لقي من هو مثله في العلم، دراسه، أي: تدارس معه العلم.

وبهذه المناسبة أيها الأحبة، فإنني أذكر إخوتي طلبة العلم بأن هناك دورة علمية، أو أكثر من دورة علمية ستقام في إجازة الربيع إن شاء الله لبعض العلماء الأجلاء من الذين قدموا من الرياض ومن غيرها لإقامة دورات علمية في الفقه، وفي الحديث، وفي العقيدة، وفي اللغة، وفي الأصول، فأنصح بملازمة هذه الحلقات، ثم إنني أنصح بأمر آخر، وهو أن طالب العلم ينبغي له أن يحرص على مجالسة أهل العلم ويتلقى العلم عنهم، فإن فاته ذلك، فهناك ما يسمى بالتجارب كما يقول عبد الرحمن بن مهدي رحمة الله عليه، يقول: كان يقال إذا لقي الرجل الرجل فوقه في العلم، فهو يوم غنيمته، أي: فليغتنم هذا اليوم، وليتعلم منه تعلمًا عظيمًا، وإذا لقي من هو مثله -أي من مثله في العلم- دراسه، ولذلك فإنني أنصح إخواني بالمدارسة؛ كأن تخصص لنفسك وقتًا بعد صلاة الفجر تلتقي فيه مع من هو مثلك في العلم قد لا يزيد عليك، فتلتقي أنت وهو فتحفظون مثلًا عمدة الأحكام في الحديث، أو بلوغ المرام ، أو الأربعين النووية إن لم تكونوا حفظتموها، أو كتاب الله أولًا وقبل كل شيء إن لم تكونوا قد حفظتموه، وهكذا يكون لكم ورد يومي بعد صلاة الفجر أنت وأحد أقرانك يعلم بعضكم بعضًا، وينفع بعضكم بعضًا، ويخبر بعضهم الآخر بما فاته من العلم، وبما سمعه من العلماء، فإن هذا باب عظيم كان السلف يتبعونه كما يقول ابن مهدي: وإذا لقي من هو مثله، دارسه وتعلم منه، وإذا لقي من هو دونه تواضع له وعلمه، ولا يكون إمامًا في العلم من حدث بكل ما سمع، ولا يكون إمامًا من حدث عن كل أحد، ولا من يحدث بالشاذ.

هذه بعض أخبارهم في طلب العلم، ومن ذلك ما نقل عن إبراهيم الحربي -وهو أحد علماء السلف الكبار رحمة الله عليه- قال: كان إبراهيم الحربي رجلًا صالحًا من أهل العلم، بلغه أن قومًا من الذين كانوا يدالفونه -يفضلونه على أحمد بن حنبل - فوقفهم على ذلك، فأقروا به، يعني: سألهم هل تفضلوني على أحمد بن حنبل ؟ قالوا: نعم، فعاقبهم إبراهيم عقوبة شديدة، فقال: ظلمتموني بتفضيلكم لي على رجل لم أشبهه، ولم ألحق به في حال من أحواله، فأقسم بالله لا أسمعكم شيئًا من العلم أبدًا، فلا تأتوني بعد يومكم، والسبب أنهم قدموه وأنزلوه فوق منزلته حسب نظره رحمة الله عليه.

ومن أخبار السلف رحمة الله عليهم ورضي الله عنهم ما ذكره ابن جريج رحمه الله، قال: كان المسجد فراش عطاء بن أبي رباح عشرين سنةً، أي: وهو منقطع عن العلم ينام في المسجد، ويتدبر العلم ليله ونهاره.

وقال إسماعيل بن أمية: كان عطاء يجيد الصمت، فإذا تكلم خيل إلينا أنه مؤيد، يعني: كأنما تمده الملائكة بما يقول، وكان أسود أفطس أعور أشل أعرج ثم عمي، يعني: اجتمعت فيه خمسة عاهات، ففي جسمه خمسة عيوب منها: أنه أسود، وأفطس، وأعور، وأشل، وأعرج، وفي النهاية صار أعمى، فهذه خمسة عيوب كانت في جسمه رحمة الله عليه، ولكنه كان ركنًا من أركان العلم والدين والصلاح والقدوة، وكان ثقةً فقيهًا حج نيفًا وسبعين حجة.قال عبد الرحمن بن مهدي: كان يقال: إذا لقي الرجل الرجل فوقه في العلم، فهو يوم غنيمته، وإذا لقي من هو مثله في العلم، دراسه، أي: تدارس معه العلم.

وبهذه المناسبة أيها الأحبة، فإنني أذكر إخوتي طلبة العلم بأن هناك دورة علمية، أو أكثر من دورة علمية ستقام في إجازة الربيع إن شاء الله لبعض العلماء الأجلاء من الذين قدموا من الرياض ومن غيرها لإقامة دورات علمية في الفقه، وفي الحديث، وفي العقيدة، وفي اللغة، وفي الأصول، فأنصح بملازمة هذه الحلقات، ثم إنني أنصح بأمر آخر، وهو أن طالب العلم ينبغي له أن يحرص على مجالسة أهل العلم ويتلقى العلم عنهم، فإن فاته ذلك، فهناك ما يسمى بالتجارب كما يقول عبد الرحمن بن مهدي رحمة الله عليه، يقول: كان يقال إذا لقي الرجل الرجل فوقه في العلم، فهو يوم غنيمته، أي: فليغتنم هذا اليوم، وليتعلم منه تعلمًا عظيمًا، وإذا لقي من هو مثله -أي من مثله في العلم- دراسه، ولذلك فإنني أنصح إخواني بالمدارسة؛ كأن تخصص لنفسك وقتًا بعد صلاة الفجر تلتقي فيه مع من هو مثلك في العلم قد لا يزيد عليك، فتلتقي أنت وهو فتحفظون مثلًا عمدة الأحكام في الحديث، أو بلوغ المرام ، أو الأربعين النووية إن لم تكونوا حفظتموها، أو كتاب الله أولًا وقبل كل شيء إن لم تكونوا قد حفظتموه، وهكذا يكون لكم ورد يومي بعد صلاة الفجر أنت وأحد أقرانك يعلم بعضكم بعضًا، وينفع بعضكم بعضًا، ويخبر بعضهم الآخر بما فاته من العلم، وبما سمعه من العلماء، فإن هذا باب عظيم كان السلف يتبعونه كما يقول ابن مهدي: وإذا لقي من هو مثله، دارسه وتعلم منه، وإذا لقي من هو دونه تواضع له وعلمه، ولا يكون إمامًا في العلم من حدث بكل ما سمع، ولا يكون إمامًا من حدث عن كل أحد، ولا من يحدث بالشاذ.

هذه بعض أخبارهم في طلب العلم، ومن ذلك ما نقل عن إبراهيم الحربي -وهو أحد علماء السلف الكبار رحمة الله عليه- قال: كان إبراهيم الحربي رجلًا صالحًا من أهل العلم، بلغه أن قومًا من الذين كانوا يدالفونه -يفضلونه على أحمد بن حنبل - فوقفهم على ذلك، فأقروا به، يعني: سألهم هل تفضلوني على أحمد بن حنبل ؟ قالوا: نعم، فعاقبهم إبراهيم عقوبة شديدة، فقال: ظلمتموني بتفضيلكم لي على رجل لم أشبهه، ولم ألحق به في حال من أحواله، فأقسم بالله لا أسمعكم شيئًا من العلم أبدًا، فلا تأتوني بعد يومكم، والسبب أنهم قدموه وأنزلوه فوق منزلته حسب نظره رحمة الله عليه.

ومن أخبار السلف رحمة الله عليهم ورضي الله عنهم ما ذكره ابن جريج رحمه الله، قال: كان المسجد فراش عطاء بن أبي رباح عشرين سنةً، أي: وهو منقطع عن العلم ينام في المسجد، ويتدبر العلم ليله ونهاره.

وقال إسماعيل بن أمية: كان عطاء يجيد الصمت، فإذا تكلم خيل إلينا أنه مؤيد، يعني: كأنما تمده الملائكة بما يقول، وكان أسود أفطس أعور أشل أعرج ثم عمي، يعني: اجتمعت فيه خمسة عاهات، ففي جسمه خمسة عيوب منها: أنه أسود، وأفطس، وأعور، وأشل، وأعرج، وفي النهاية صار أعمى، فهذه خمسة عيوب كانت في جسمه رحمة الله عليه، ولكنه كان ركنًا من أركان العلم والدين والصلاح والقدوة، وكان ثقةً فقيهًا حج نيفًا وسبعين حجة.الزهري لا ينام الليل يبحث عن حديث ... قال الليث بن سعد: تذاكر محمد بن شهاب الزهري -الحافظ المحدث الفقيه، التابعي الجليل عالم الحجاز رحمه الله -ليلة بعد العشاء حديثًا وهو جالس متوضئ، فما زال ذلك مجلسه وهو يبحث في الحديث حتى طلع الصبح، قال مروان: جعل يتذاكر الحديث، وهو في مجلسه يذكر الحديث ويبحث في كتب العلم بعد صلاة العشاء وهو على الوضوء حتى طلع الفجر وهو كذلك رحمة الله عليه.قال الليث بن سعد: تذاكر محمد بن شهاب الزهري -الحافظ المحدث الفقيه، التابعي الجليل عالم الحجاز رحمه الله -ليلة بعد العشاء حديثًا وهو جالس متوضئ، فما زال ذلك مجلسه وهو يبحث في الحديث حتى طلع الصبح، قال مروان: جعل يتذاكر الحديث، وهو في مجلسه يذكر الحديث ويبحث في كتب العلم بعد صلاة العشاء وهو على الوضوء حتى طلع الفجر وهو كذلك رحمة الله عليه.الشنقيطي يبحث في مسألة فقهية ... وقريبًا من هذه القصة نقل عن الشيخ الإمام العابد الزاهد القدوة الشيخ محمد الأمين الشنقيطي صاحب أضواء البيان الذي توفي بمكة عام 1392 للهجرة حيث نقل عن نفسه رحمة الله عليه أنه لما كان في بلاده يطلب العلم عن مشايخه شرحت له مسألة في الفقه، فلم يفهمها، فسأل شيخه عنها، فلم يستطع أن يفهمها إياه، قال: فلما انصرفت في الضحى من عند شيخي، ذهبت إلى الكتب والشروحات والمطولات، فأخذت أفتشها وأقرأ فيها، وأبحث عن شرح هذه المسألة حتى أدركتني صلاة الظهر والعصر والمغرب والعشاء، وقال: فلما صار المغرب وأظلم الليل، أمرت خادمي أن يوقد لي النار لأستضيء بها -وكنت في الصحراء- قال: فجلست أقرأ على ضوء النار حتى طلع الفجر، فقمت فصليت الفجر، ثم جلست أقرأ حتى طلعت الشمس، ثم إنني ما طلعت الشمس حتى كانت المسألة عندي واضحة كل الوضوح، وفهمتها وعقلتها وتبينتها.

فهو رحمة الله عليه بدأ بالبحث قبل صلاة العصر وأدركته صلاة العصر والمغرب والعشاء والفجر وهو في جلسة واحدة لا يقوم منها إلا لصلاة، أو لطعام رحمة الله عليه، ولم يرقد طوال ليله، وهكذا كان السلف يشغلهم العلم حتى ينسيهم أنفسهم رحمة الله عليهم.

وقال فضيل بن غزوان: كنا نجلس أنا و المغيرة ، -وعدد أناسًا- نتذاكر الفقه، فربما لم نقم حتى نسمع النداء لصلاة الفجر. يجلسون بعد العشاء يتذاكرون الفقه والعلم، فربما لا يقومون من مجلسهم حتى يؤذن، أو يسمعون نداء صلاة الفجر، فيتفرقون رحمة الله عليهم.وقريبًا من هذه القصة نقل عن الشيخ الإمام العابد الزاهد القدوة الشيخ محمد الأمين الشنقيطي صاحب أضواء البيان الذي توفي بمكة عام 1392 للهجرة حيث نقل عن نفسه رحمة الله عليه أنه لما كان في بلاده يطلب العلم عن مشايخه شرحت له مسألة في الفقه، فلم يفهمها، فسأل شيخه عنها، فلم يستطع أن يفهمها إياه، قال: فلما انصرفت في الضحى من عند شيخي، ذهبت إلى الكتب والشروحات والمطولات، فأخذت أفتشها وأقرأ فيها، وأبحث عن شرح هذه المسألة حتى أدركتني صلاة الظهر والعصر والمغرب والعشاء، وقال: فلما صار المغرب وأظلم الليل، أمرت خادمي أن يوقد لي النار لأستضيء بها -وكنت في الصحراء- قال: فجلست أقرأ على ضوء النار حتى طلع الفجر، فقمت فصليت الفجر، ثم جلست أقرأ حتى طلعت الشمس، ثم إنني ما طلعت الشمس حتى كانت المسألة عندي واضحة كل الوضوح، وفهمتها وعقلتها وتبينتها.

فهو رحمة الله عليه بدأ بالبحث قبل صلاة العصر وأدركته صلاة العصر والمغرب والعشاء والفجر وهو في جلسة واحدة لا يقوم منها إلا لصلاة، أو لطعام رحمة الله عليه، ولم يرقد طوال ليله، وهكذا كان السلف يشغلهم العلم حتى ينسيهم أنفسهم رحمة الله عليهم.

وقال فضيل بن غزوان: كنا نجلس أنا و المغيرة ، -وعدد أناسًا- نتذاكر الفقه، فربما لم نقم حتى نسمع النداء لصلاة الفجر. يجلسون بعد العشاء يتذاكرون الفقه والعلم، فربما لا يقومون من مجلسهم حتى يؤذن، أو يسمعون نداء صلاة الفجر، فيتفرقون رحمة الله عليهم.همة حبر الأمة في الطلب ... عن عكرمة رضي الله عنه وأرضاه، قال: قال ابن عباس: [[لما قبض رسول الله صلى الله عليه وسلم وأنا شاب قلت لشاب آخر معي من الأنصار: هلم فلنسأل أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم، ولنتعلم منهم، فإنهم اليوم كثير، فقال: يا عجبًا لك يا ابن عباس ! أترى أن الناس يحتاجون إليك وفي الناس من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم من فيهم ] ]^ يعني: أن العلماء موجودون، وصحابة رسول الله صلى الله عليه وسلم كثير، أتظن يا ابن عباس أن الناس يحتاجون إليك، وأنت شاب صغير في الثالثة عشرة من عمرك؟

وهذه في الحقيقة كلمة فيها تثبيط، وكثيرًا ما نسمعها من طلبة العلم اليوم، فنجد بعض طلبة العلم لا يجتهد في الطلب، ولا يترك أحدًا يجتهد، ولا يعين مجتهدًا، بل يكون همه التثبيط، فإذا رأى طالب علم شمر عن ساعد الجد واجتهد في طلبه للعلم لينال فيه القدح المعلا، تجده يفتنه فيه في الغالب حتى يصرفه عن حلقات العلم، وحتى يصرفه عن تحصيل العلم، فلا هو بالذي حصَّل بنفسه ولا هو الذي حث غيره، وهذا لم يكف المسلمين من شره ولم يجتهد هو في الخير، وهذه من شر الخصال، والواجب على المسلم أن يتقي الله، وأن يطلب العلم بنفسه ويحث غيره، فإن عجز فلا أقل من أن يطلب العلم، فإن عجز فلا أقل من أن يكف الناس من شره، ولا يثبط طالب علم مشمر عن ساعد الجد سالك السبيل.

والعبرة في قصة ابن عباس أنه لم ينثنِ، ولم ينفتل، ولم يتراجع عن عزيمته القوية على طلب العلم، ولم يصغ إلى كلام هذا الشاب الأنصاري الذي أراد أن يصرفه عن ذلك، ويقول له: اقعد، فالعلماء كثير و أبو بكر موجود و عمر و عثمان و علي ، والعلماء كثر، ولن يحتاج الناس إليك، لم يسمع لكلامه، بل شمر ابن عباس عن ساعد الجد وطلب العلم.

يقول ابن عباس: [[فترك ذاك -يعني: ترك العلم- وأقبلت أنا على المسألة -يعني: أقبل يسأل العلماء من الصحابة من أبي بكر و عمر و عثمان و علي وغيرهم من علماء الصحابة؛ يجمع منهم ويروي عنهم أحاديث رسول الله صلى الله عليه وسلم- قال: فإن كنت لآتي الرجل في الحديث الواحد يبلغني أنه سمعه من رسول الله صلى الله عليه وسلم ] ]^.

في أيامهم رضي الله عنهم لم يكن العلم ميسرًا كما هو الآن، فتجد الواحد منا يمسك صحيح البخاري ويجد فيه خمسة آلاف حديث، و صحيح مسلم ، وغيرها من كتب الحديث، كلها موجودة بين أيدينا في ورق، في مكان صغير يجتمع عشرات الألوف من أحاديث رسول الله صلى الله عليه وسلم يصل إليها الإنسان بكل سهولة، أما الصحابة فلم تكن عندهم كتب، ولم تكتب أحاديث رسول الله صلى الله عليه وسلم، إنما الذي كتب القرآن الكريم فقط، فكان الواحد منهم يسمع أن فلان بن فلان من الصحابة عنده حديث، فيسافر إليه سفرًا طويلًا من أجل أن يأخذ عنه هذا الحديث، يقول ابن عباس: [[فإن كنت لآتي الرجل في حديث يبلغني أنه سمعه من رسول الله صلى الله عليه وسلم، فأجده قائلًا -يعني: نائمًا وقت القيلولة في منتصف النهار- فأتوسد ردائي على بابه -فلا يطرق عليه بابه في وقت من أوقات العورات التي قال الله عز وجل فيها: مِنْ قَبْلِ صَلاةِ الْفَجْرِ وَحِينَ تَضَعُونَ ثِيَابَكُمْ مِنَ الظَّهِيرَةِ وَمِنْ بَعْدِ صَلاةِ الْعِشَاءِ ثَلاثُ عَوْرَاتٍ لَكُمْ لَيْسَ عَلَيْكُمْ وَلا عَلَيْهِمْ جُنَاحٌ بَعْدَهُنَّ [النور:58] قال: فإن كنت لآتي الرجل في حديث يبلغني أنه سمعه من رسول الله صلى الله عليه وسلم، فأجده قد قال: فأتوسد ردائي على بابه تسفي الريح على وجهي التراب ]] رضي الله عنه وأرضاه، وهو ابن عم رسول الله صلى الله عليه وسلم، ينام ويتوسد رداءه على بيت عالم من علماء الصحابة من أجل ألا يطرق عليه الباب فيزعجه ويوقظه من نومه، بل ينتظره عند بابه ويتوسد رداءه، فتأتي الريح فتسفي عليه التراب وهو ينتظر أن يخرج الرجل من بيته حتى يسأله عن حديث واحد رضي الله عنه وأرضاه.

ولذلك كان ابن عباس كما قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: {اللهم فقهه في الدين، وعلمه التأويل } ^ كان عالمًا جليلًا من علماء الصحابة رضي الله عنهم، بل هو من أكابر العلماء في الفقه والتفسير، وفي فهم كتاب الله، وتعلمون قصته التي رد بها على الخوارج ، وكانوا ثمانية آلاف، أو عشرة آلاف كما نقل في السير والأخبار، فناقشهم ابن عباس في العلم فرجع منهم أربعة آلاف هداهم الله عز وجل بسبب علم ابن عباس واطلاعه.

فقد جاءهم وعليه ثوب غالي الثمن، ثوب جميل لبسه ابن عباس لما ذهب ليناظرهم، فقالوا: تلبس هذا الثوب بهذا الثمن الغالي وبهذا الثمن الباهظ، فرد عليهم ابن عباس بكتاب الله: قُلْ مَنْ حَرَّمَ زِينَةَ اللَّهِ الَّتِي أَخْرَجَ لِعِبَادِهِ وَالطَّيِّبَاتِ مِنَ الرِّزْقِ قُلْ هِيَ لِلَّذِينَ آمَنُوا فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا خَالِصَةً يَوْمَ الْقِيَامَةِ [الأعراف:32] ^ فأفحمهم بكتاب الله.

ثم إنه ناظرهم في مسألة الحكم لما قالوا: إِنِ الْحُكْمُ إِلَّا لِلَّهِ [الأنعام: 7] ^ و علي حكم الرجال، فقال لهم ابن عباس: لو أتيتكم بشيء من كتاب الله، أفترجعون عن قولكم؟

لأن الخوارج يحتجون بأن عليًا حكم الرجال، يعني: حكم أبا موسى الأشعري ، و عمرو بن العاص ، مع أن الله عز وجل يقول: إِنِ الْحُكْمُ إِلَّا لِلَّهِ [الأنعام:7] ^ ويقول: أَلا لَهُ الْحُكْمُ وَهُوَ أَسْرَعُ الْحَاسِبِينَ [الأنعام:62] ^ فالحكم له وحده و علي حكَّم الرجال هكذا كانوا يقولون.

فقال: أرأيتكم لو أتيتكم بشيء من كتاب الله، أفترجعون؟ قالوا: نعم، فذكر لهم قول الله عز وجل: يَحْكُمُ بِهِ ذَوَا عَدْلٍ مِنْكُمْ هَدْيًا بَالِغَ الْكَعْبَةِ [المائدة:95] ^ وقال تعالى: فَابْعَثُوا حَكَمًا مِنْ أَهْلِهِ وَحَكَمًا مِنْ أَهْلِهَا [النساء:35] ^ قال: ألم تروا أن الله عز وجل نصب حكامًا من الخلق في مسائل في طير يقتل بالحرم، قالوا: بلى.

فالشاهد: أنه ناظرهم حتى رجع منهم أربعة آلاف وهداهم الله عز وجل على يدي ابن عباس ذلك العالم الرباني الذي طلب العلم، وبذل جهده الواسع في سبيل تحصيله حتى كان إمامًا في الدين، وهدى الله على يديه هذه الأمة الكبيرة، ويناله أجرهم بإذن الله، لأن الرسول صلى الله عليه وسلم يقول: من دل على هدى كان له مثل أجر من عمل به إلى يوم القيامة، لا ينقص ذلك من أجورهم شيئًا ^ ويقول: {لئن يهدي الله بك رجلًا واحدًا خيرٌ لك من حمر النعم } ^ ويقول: {لئن يهدي الله بك رجلًا واحدًا خيرٌ من الدنيا وما فيها } ^ ويقول ابن عباس: [[ فكانت الريح تسفي التراب على وجهي حتى يخرج، فإذا خرج، قال: يا بن عم رسول الله صلى الله عليه وسلم ما جاء بك؟ هلا أرسلت إليَّ فآتيك -الصحابي يقول لابن عباس: لو أرسلت إليَّ حتى آتيك أنا بدل أن تأتي إلى بيتي وتتوسد ردائك وتسفي الريح التراب على وجهك- فيقول ابن عباس: لا، أنا أحق أن آتيك، بلغني حديث عنك أنك تحدثه عن رسول الله صلى الله عليه وسلم، فأحببت أن أسمعه منك ] ].

وهذه الواقعة تعددت وحصلت عدة مرات من ابن عباس رضي الله عنهما، يقول ابن عباس: [[ فكان الرجل -يعني: الشاب الأنصاري الذي اقترح عليه أن يجتهد في طلب العلم في أول أيام شبابهما- بعد ذلك يراني وقد ذهب أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم- يعني: العلماء الكبار من الصحابة- واجتمع الناس حولي يسألونني عن العلم، فيقول: هذا الفتى كان أعقل مني ] ] أي: الصحابي الشاب الذي اقترح على ابن عباس أن يجمع العلم من الصحابة فرفض، ورأى ابن عباس بعد سنين طويلة أكثر من عشرين أو ثلاثين أو أكثر من ذلك من السنين رآه وقد مات علماء الصحابة الكبار وبقي ابن عباس ، والتف الناس حوله يسألونه عن العلم، فرآه ذلك الشاب الذي كان شابًا، فيقول: كان هذا الفتى أعقل مني.

قال الحاكم عقب هذا الخبر: هذا الحديث أصلٌ في طلب الحديث وتوقير المحدث.

وقال محمد بن عبد الله الأنصاري بسنده عن ابن عباس قال: [[ وجدت عامة علم رسول الله صلى الله عليه وسلم عند هذا الحي من الأنصار، إن كنت لأقيل بباب أحدهم-أقيل: أقضي وقت القائلة -ولو شئت أن يؤذن لي عليه لأُذن لي، يعني: وأنا أعلم أني لو طرقت الباب، لأذنوا لي وفتحوا الباب، لكني ما كنت أفعل ذلك حتى لا أزعجه، وحتى لا يتذمر مني، وحتى يقبل عليَّ بنفس منشرحة وقد ارتاح واطمأن ] ] وهذا من توقير ابن عباس رضي الله عنهما للعلم وأهله، فلم يكن يسعى لإزعاج من عنده العلم، ومن عنده الفهم والأحاديث عن رسول الله صلى الله عليه وسلم، لم يكن يسعى لإزعاجه، بل كان يتلطف تلطفًا؛ مع أنه لو طرق عليه الباب لخرج له، يقول: ولو شئت أن يؤذن لي عليه، لأُذن لي، ولكني أبتغي بذلك طيب نفسه، يعني: لا يريد أن يعكر مزاجه ويحدثه وهو سيء المزاج وهو متعب متكدر.عن عكرمة رضي الله عنه وأرضاه، قال: قال ابن عباس: [[لما قبض رسول الله صلى الله عليه وسلم وأنا شاب قلت لشاب آخر معي من الأنصار: هلم فلنسأل أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم، ولنتعلم منهم، فإنهم اليوم كثير، فقال: يا عجبًا لك يا ابن عباس ! أترى أن الناس يحتاجون إليك وفي الناس من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم من فيهم ] ]^ يعني: أن العلماء موجودون، وصحابة رسول الله صلى الله عليه وسلم كثير، أتظن يا ابن عباس أن الناس يحتاجون إليك، وأنت شاب صغير في الثالثة عشرة من عمرك؟

وهذه في الحقيقة كلمة فيها تثبيط، وكثيرًا ما نسمعها من طلبة العلم اليوم، فنجد بعض طلبة العلم لا يجتهد في الطلب، ولا يترك أحدًا يجتهد، ولا يعين مجتهدًا، بل يكون همه التثبيط، فإذا رأى طالب علم شمر عن ساعد الجد واجتهد في طلبه للعلم لينال فيه القدح المعلا، تجده يفتنه فيه في الغالب حتى يصرفه عن حلقات العلم، وحتى يصرفه عن تحصيل العلم، فلا هو بالذي حصَّل بنفسه ولا هو الذي حث غيره، وهذا لم يكف المسلمين من شره ولم يجتهد هو في الخير، وهذه من شر الخصال، والواجب على المسلم أن يتقي الله، وأن يطلب العلم بنفسه ويحث غيره، فإن عجز فلا أقل من أن يطلب العلم، فإن عجز فلا أقل من أن يكف الناس من شره، ولا يثبط طالب علم مشمر عن ساعد الجد سالك السبيل.

والعبرة في قصة ابن عباس أنه لم ينثنِ، ولم ينفتل، ولم يتراجع عن عزيمته القوية على طلب العلم، ولم يصغ إلى كلام هذا الشاب الأنصاري الذي أراد أن يصرفه عن ذلك، ويقول له: اقعد، فالعلماء كثير و أبو بكر موجود و عمر و عثمان و علي ، والعلماء كثر، ولن يحتاج الناس إليك، لم يسمع لكلامه، بل شمر ابن عباس عن ساعد الجد وطلب العلم.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت