فهرس الكتاب

الصفحة 51 من 289

وصية الرسول صلى الله عليه وسلم بالسمع والطاعة لولاة الأمور وروى العرباض بن سارية السلمي -رضي الله عنه- قال: وعظنا رسول الله -صلى الله عليه وسلم- موعظة بليغة، ذرفت منها الأعين ووجلت منها القلوب، وقال قائل: يا رسول الله، كأنها موعظة مودع، فماذا تعهد إلينا؟ قال: أوصيكم بتقوى الله تعالى، والسمع والطاعة وإن كان عبدًا حبشيًا؛ فإنه من يعش منكم بعدي، فسيرى اختلافا كثيرا، وعليكم بسنتي وسنة الخلفاء الراشدين المهديين، عضوا علينا بالنواجذ، وإياكم ومحدثات الأمور؛ فإن كل محدثة بدعة، وكل بدعة ضلالة رواه أبو داود والترمذي وقال: حديث صحيح. ورواه ابن ماجه، وفيه قال: وقد تركتكم على البيضاء، ليلها كنهارها، لا يزيغ عنها بعدي إلا هالك .

وهذا حديث العرباض بن سارية السلمي -رضي الله عنه-، فيه أن النبي -صلى الله عليه وسلم- أمر بالاتباع، كل هذه النصوص ساقها المؤلف لبيان فضل الاتباع، وأنه يجب على الإنسان أن يتبع الكتاب والسنة، وأن يعمل بهما، وأن العاملين بالكتاب والسنة هم خير الناس وأفضل الناس.

يقول العرباض -رضي الله عنه-: وعظنا رسول الله -صلى الله عليه وسلم- موعظة بليغة يعني مؤثرة. ذرفت منها العيون هنا الأعين، وفي لفظة:"العيون". ووجلت منها القلوب يعني لأنها حارة، ولأنها خرجت من القلب مؤثرة، خرجت من القلب فنفذت إلى القلوب، هي موعظة بليغة مؤثرة، ذرفت منها العيون من البكاء، ووجلت منها القلوب خافت منها القلوب. فقال قائل: يا رسول الله، كأنها موعظة مودع؟ كأنك يعني ودعتنا، كأنها آخر نصيحة (آخر وصية آخر نصيحة) ؛ لأنها حارة ومؤثرة، فماذا تعهد إلينا؟ ماذا توصينا؟ بأي شيء؟ قال: أوصيكم بتقوى الله تقوى الله وصية الله للأولين والآخرين، ووصية لنبيه، قال الله -تعالى-: وَلَقَدْ وَصَّيْنَا الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ مِنْ قَبْلِكُمْ وَإِيَّاكُمْ أَنِ اتَّقُوا اللَّهَ .

هذه وصية الله للأولين والآخرين، وهي وصية نبينا -صلى الله عليه وسلم- قال: أوصيكم بتقوى الله والسمع والطاعة يعني: السمع والطاعة لولاة الأمور، لمن ولاه الله أمركم، اسمعوا لهم وأطيعوا، لا تخرجوا عليهم ولا تقاتلوهم، يعني ولا تأخذون يدًا من طاعتهم، وهذا مقيد بما إذا أمروا بطاعة الله ورسوله، أما إذا أمروا بالمعصية فلا يطاعون.

ولهذا جاء في الحديث الآخر، قال النبي -صلى الله عليه وسلم-: إنما الطاعة في المعروف وقال -عليه الصلاة والسلام-: لا طاعة لمخلوق في معصية الخالق إنما الطاعة في المعروف، فإذا أمر ولي الأمر بالمعصية لا يطاع، أو أمر الأمير بالمعصية لا يطاع، أو الزوج إذا أمر زوجته بالمعصية لا يطاع، أو الأب إذا أمر ابنه بالمعصية لا يطيعه، ولكن لا يتمرد عليه في غيرها، بس ما يطيعه في المعصية، لكن نسمع إذا أمروا بالمعصية الناس يتمردون ويخرجون على ولاة الأمور، نقول: لا، بس المعصية، إذا قال: اشرب الخمر. لا تطعه، إذا قال لك: اشرب الدخان. لا تطعه، إذا أمرك والدك تأتي له بالدخان، لا ما تطيعه، لكن لا تتمرد عليه، فانصحه فقل: يا أبي، ما يجوز ولا يسوغ لي أن أطيعك في المعصية. وهكذا.

إنما السمع والطاعة في طاعة الله، وفي الأمور المباحة، والسمع والطاعة هذه وصية النبي -صلى الله عليه وسلم-: تقوى الله، والسمع والطاعة. وإن كان عبدًا حبشيًا لو كان الأمير عبدًا حبشيًا، وفي اللفظ: وإن كان على الآخر وإن كان عبدًا حبشيًا مجدع الأطراف وفي لفظ: كأن رأسه زبيبة لو قطع الأنف والأذن وصار أميرا وتولى على الناس، يجب على الناس أن يسمعوا له ويطيعوا، وإن كان عبدًا حبشيًا؛ فإنه من يعش منكم بعدي فسيرى اختلافا كثيرًا يحصل اختلاف والأمور تنكرونها، لكن الزموا كتاب الله وسنة رسوله، وأطيعوا ولاة الأمور في طاعة الله، ثم قال: فعليكم بسنتي الزموا سنتي، وسنة الخلفاء الراشدين المهديين من بعدي .

فواجب لزوم الكتاب والسنة، وسنة الخلفاء الراشدين إذا لم يكن هناك سنة، فيما لم يكن فيه سنة، فإذا لم تتبين السنة يؤخذ من سنة الخلفاء الراشدين، أما إذا ظهرت السنة فإنه يؤخذ بالسنة، وقد يجتهد بعض الخلفاء الراشدين اجتهادا يخالف السنة فيؤخذ بالسنة، لكن إذا لم يكن في المسألة سنة يؤخذ بسنة الخلفاء الراشدين.

ثم قال النبي: عضوا عليها بالنواجذ يعني: تمسكوا بها. والنواجذ هي الأسنان التي في الأضراس، وهذا هو آخر الأضراس. يعني إنما أراد بذلك الجد في لزوم السنة؛ لأن الذي يمسك بالشيء بين أضراسه ويعض عليه، يمتنع من أن ينتزعه أحد منه، وهذا أشد ما يكون في التمسك.

وإياكم ومحدثات الأمور يعني تحذير، يعني: احذروا محدثات الأمور، محدثات الأمور هي البدع التي تخالف الكتاب والسنة. ثم قال: فإن كل محدثة بدعة، وكل بدعة ضلالة وعند النسائي -كما سبق-: وكل ضلالة في النار رواه أبو داود والترمذي وقال: حديث صحيح ورواه ابن ماجه وقال-: وقد تركتكم على البيضاء، ليلها كنهارها، لا يزيغ عنها بعدي إلا هالك هذه رواية ابن ماجه، وفي سنة أبي داود أيضا قال: تركتكم على البيضاء يعني: الشريعة البيضاء. ليلها كنهارها يعني واضحة وضوحها ليس فيه لبس، لا يزيغ عنها بعدي إلا هالك نعم.

التحذير من فتنة الدنيا وروى أبو الدرداء قال: خرج علينا رسول الله -صلى الله عليه وسلم- ونحن نذكر الفقر ونتخوفه فقال: الفقر تخافون؟ والذي نفسي بيده، لتصبن الدنيا عليكم حتى لا يزيغ قلب أحدكم إن أزاغه إلا هي، وايم الله، قد تركتكم ... -"وايم الله"أحسن بالهمز أفصح،"وايم الله"بالهمز (همزة وصل) أحسن- وايم الله، قد تركتكم على البيضاء، ليلها ونهارها سواء. قال أبو الدرداء: صدق رسول الله ... -"سواءَ"هذه عند الوقف"سواء"-، وايم الله، قد تركتكم على البيضاء، ليلها ونهارها سواءَ. قال أبو الدرداء: صدق رسول الله -صلى الله عليه وسلم-، تركنا على مثل البيضاء، ليلها ونهارها سواءَ رواه ابن ماجه .

قول المؤلف -رحمه الله-: وروى أبو الدرداء قال: خرج علينا رسول الله -صلى الله عليه وسلم- ونحن نذكر الفقر ونتخوفه، فقال: الفقر تخافون؟ والذي نفسي بيده، لتصبن الدنيا عليكم، حتى لا يزيغ قلب أحدكم إن أزاغه إلا هي، وايم الله، قد تركتكم على البيضاء، ليلها ونهارها سواء. قال أبو الدرداء: صدق رسول الله -صلى الله عليه وسلم-، تركنا على مثل البيضاء، ليلها ونهارها سواء رواه ابن ماجه .

وهذا الحديث رواه ابن ماجه في سننه في المقدمة باب"اتباع سنة رسول الله صلى الله عليه وسلم"، ولا بأس بسنده، وهو حسن، وفيه تحذير من فتنة الدنيا، وأن الدنيا لها فتنة، وأنه يخشى على الإنسان من الدنيا أكثر مما يخشى عليه من الفقر، وهذا واقع، فإن الفقر يتحمله بعض الناس ويصبرون، لكن الدنيا إذا جاءت الدنيا لا يستطيع كثير من الناس لا يصبر عليها، ولهذا قال بعض السلف:"ابتلينا بالفقر فصبرنا، وابتلينا بالدنيا فلم نصبر". جاءت الدنيا والأموال وكذا، تكون فتن الشهوات والشبهات.

يقول النبي -صلى الله عليه وسلم-: الفقر تخافون؟ والذي نفسي بيده قسم حلف وهو الصادق وإن لم يقسم، لكن للتأكيد: لتصبن الدنيا عليكم حتى يزيغ قلب أحدكم إن أزاغه إلا هي وهذا هو الواقع، كما هو الواقع الآن في عصرنا، صبت الدنيا علينا صبًا، نسأل الله أن يثبت قلوبنا على دينه وألا يزيغ قلوبنا. حتى لا يزيغ قلب أحدكم إن أزاغه إلا هي، وايم الله قسم أيضا مرة ثانية، يقسم مرتين: وايم الله (وايمن الله) ، قسم"وايمن الله"حذف النون"وايم الله". قد تركتكم على البيضاء الشريعة، ليلها ونهارها سواء يعني: الشريعة واضحة الآن، الحلال واضح والحرام واضح، الحلال بين والحرام بين قال أبو الدرداء: صدق رسول الله -صلى الله عليه وسلم-، تركنا على مثل البيضاء، ليلها ونهارها سواء وهذا فيه حث المؤلف على الاتباع. نعم.

العمل بالكتاب والسنة وعدم التفريق بينهما وروى أبو هريرة -رضي الله عنه- قال: قال رسول الله -صلى الله عليه وسلم-: إني قد خلفت فيكم ما لم تضلوا بعده ما أخذتم بهما، أو عملتم بهما: كتاب الله، وسنتي. ولن يفترقا حتى يردا علي الحوض رواه أبو القاسم الطبري الحافظ في السنن .

وهذا الحديث حديث أبي هريرة -كما ذكر المؤلف- رواه أبو القاسم الطبري في السنن، في شرح أصول الفقه لأهل السنة، وفي مسند الإمام أحمد، يقول: حدثنا الزبير قال: حدثنا عبد الملك بن أبي سليمان، عن عطية العوفي، عن أبي سعيد الخدري قال: قال رسول الله -صلى الله عليه وسلم-: إني قد تركت فيكم ما إن أخذت به لن تضلوا بعدي (الثقلين) ، أحدهما أكثر من الآخر: كتاب الله، حبل ممدود من السماء إلى الأرض، وعترتي أهل بيتي، ألا وإنها لن يفترقا حتى يردا علي الحوض الحديث هذا ضعيف، فيه عطية العوفي، وهو ضعيف شيعي مدلس، وهنا قال: كتاب الله وسنتي في الحديث الآخر: كتاب الله وعترتي .

وقد ذكر ابن القيم -رحمه الله- هذا الحديث في رده على الأحناف الذين يقولون: إن الزيادة على الكتاب نسخ، مثل الوضوء (آية الوضوء) ليس فيها النية، فالنية جاءت في السنة. يقول: هذا نسخ. رد عليهم ابن القيم -رحمه الله- ويقول: إنما حرم رسول الله كما حرم الله. وذكر أيضا قال صالح بن موسى، عن عبد العزيز بن رفيع، عن أبي صالح، عن أبي هريرة -رضي الله عنه- قال: قال رسول الله -صلى الله عليه وسلم-: إني قد خلفت فيكم شيئين لن تضلوا بعدهما: كتاب الله، وسنتي. ولن يفترقا حتى ردا علي الحوض .

يقول الشيخ ابن القيم: فلا يجوز التفريق بين ما جمع الله بينهما، ويرد أحدهما بالآخر. يعني: لا يجوز التفريق بين الكتاب والسنة، بل يجب العمل بهما، بل سكوته عما نطق به، ولا يمكن أحدًا أن يفترض ذلك، يعني مقصده أنه يجب على الإنسان أن يعمل بالكتاب والسنة ولا يفرق بينهما، وكذلك أيضا ذكر بعض الشراح هذا الحديث، وهو دليل على الاتباع، وأنه ينبغي الإنسان أن يتبع الكتاب والسنة وألا يفرق بينهما.

لن يفترقا حتى يردا علي الحوض يعني إلى يوم القيامة، حتى يموت الإنسان، يجب عليه أن يعمل بالكتاب والسنة ولا يفرق بينهما، بأن يعمل بأحدهما دون الآخر، كالذين يردون السنة، أو الذين يقولون: نعمل بالقرآن ولا نعمل بالسنة. أو يقولون: إن السنة إذا جاءت بنص زائد عن القرآن هذا نسخ. ثم يردونه، فهذا الحديث فيه رد عليهم، وهو فيه الحث على الاتباع، والمؤلف ساقه من أجل الحث على اتباع الكتاب والسنة. نعم.

قول أبي بكر إنما أنا متبع ولست بمبتدع وقال أبو بكر الصديق -رضي الله عنه- في خطبته:"إنما أنا متبع ولست بمبتدع".

نعم، قال هذا من خطبته -رضي الله عنه- بعد توليه الخلافة، رواه ابن سعد في الطبقات، والطبري في تاريخه، وابن كثير في"البداية والنهاية". يقول -رضي الله عنه-:"إنما أنا متبع ولست بمبتدع". يعني: متبع بكتاب الله وسنة رسوله، ما آتي بالبدع المخالفة للدين، وهكذا ينبغي للمسلم. نعم.

قول عمر قد فرضت لكم الفرائض وسنت لكم السنن وتركتم على الواضحة وقال عمر بن الخطاب -رضي الله عنه-:"قد فرضت لكم الفرائض وسنت لكم السنن، وتركتم على الواضحة، إلا أن تضلوا بالناس يمينا وشمالا".

نعم، وهذا رواه مالك في الموطأ، يقول عمر -رضي الله عنه-:"قد فرضت لكم الفرائض، وسنت لكم السنن، وتركتم على الواضحة -يعني الشريعة الواضحة-، إلا أن تضلوا بالناس يمينا وشمالا". يعني: لا تميلوا يمينا ولا شمالًا، بل اعملوا بالكتاب والسنة. نعم.

قول ابن مسعود إنا نقتدي ولا نبتدي ونتبع ولا نبتدع وقال عبد الله بن مسعود -رضي الله عنه-:"إنا نقتدي ولا نبتدي، ونتبع ولا نبتدع، ولن نضل ما تمسكنا بالأثر".

نعم، وهذا رواه اللالكائي في"شرح أصول الفقه لأهل السنة"عن عبد الله بن مسعود -رضي الله عنه-، قال:"إنا نقتدي (يعني نقتدي بالرسول -عليه الصلاة والسلام-، ونعمل بكتاب الله) ، ولا نبتدي من عند أنفسنا شيئا، ونتبع (الكتاب والسنة) ، ولا نبتدع (ما نأتي ببدعه) ، ولن نضل ما تمسكنا بالأثر". لن يضل الإنسان ما تمسك بالكتاب والسنة والآثار الصحيحة. نعم.

ــــــــــــــ

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت