فهرس الكتاب

الصفحة 106 من 289

لما أصيب سعد رضي الله عنه في يده قال ابن سعد رحمه الله في الطبقات الكبرى: أخبرنا وكيع بن الجراح، عن إسرائيل، عن أبي إسحاق، عن أبي ميسرة، قال: رمي سعد بن معاذ في أكحله فلم يرقأ الدم، حتى جاء النبي صلى الله عليه وسلم فحسمه، أي: كيًا بالنار كوى له الجرح، فارتفع الدم إلى عضده، قال: فكان سعد يقول: [اللهم لا تمتني حتى تشفني من بني قريظة] قال: فنزلوا على حكمه، فقال النبي صلى الله عليه وسلم: (احكم فيهم، قال: إني أخشى يا رسول الله! ألا أصيب فيهم حكم الله) انظر تحرز سعد رضي الله عنه قال: يا رسول الله أنت تحكمني فيهم أنا أخشى ألا أصيب فيهم حكم الله، تورع، وليس كما هو حال المتفيقهة اليوم الذين لم ترسخ أقدامهم في العلم فإنهم يسارعون إلى الفتيا بغير دليل.. بغير سلطان.. بغير أثر من كتاب الله ولا من سنة رسوله صلى الله عليه وسلم، لا يخشون الله تعالى فيما يصدرونه من فتاوي أو أحكام، فإن أخذ الدين يجب أن يكون عن الخبراء به، قال تعالى: فَاسْأَلْ بِهِ خَبِيرًا [الفرقان:59] .. فَاسْأَلُوا أَهْلَ الذِّكْرِ إِنْ كُنْتُمْ لا تَعْلَمُونَ [الأنبياء:7] ، ثم قال عليه الصلاة والسلام: ( احكم فيهم ) قال: فحكم أن تقتل مقاتلتهم، وتسبى ذراريهم، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (أصبت فيهم حكم الله) ثم عاد الدم فلم يرقأ حتى مات رضي الله عنه. وهناك رواية أخرى صحيحة عن رجل من الأنصار قال: (لما قضى سعد بن معاذ في بني قريظة رجع، فانفجرت يده دمًا، فبلغ ذلك النبي صلى الله عليه وسلم فأقبل في نفر معه، فدخل عليه فجعل رأسه في حجره، فقال: اللهم إن سعدًا قد جاهد في سبيلك، وصدق رسلك، وقضى الذي عليه، فاقبل روحه بخير ما تقبلت به الأرواح) .

وفاة سعد بن معاذ واهتزاز عرش الرحمن

وهناك حديث آخر ساقه الذهبي في سير أعلام النبلاء ، قال المعلق: رجاله ثقات، وأخرجه ابن سعد في الطبقات، عن شعبة، عن سماك أنه سمع عبد الله بن شداد يقول: دخل رسول الله صلى الله عليه وسلم على سعد وهو يكيد نفسه فقال: (جزاك الله خيرًا من سيد قوم، فقد أنجزت ما وعدتهم، ولينجزنك الله ما وعدك) . وقد جاء عند الإمام أحمد رحمه الله والحديث الصحيح: (لما أصيب أكحل سعد يوم الخندق فثقل، حولوه عند امرأة يقال لها: رفيدة ، وكانت تداوي الجرحى) . أيها الإخوة: إن للنساء في المجمع الإسلامي دور عظيم لا يجب أن يغفل عنه، وحتى النساء أنفسهن لا يصح أن يغفلن عن دورهن أبدًا، هذه المرأة رفيدة يقول ابن إسحاق عنها: كانت تداوي الجرحى، وتحتسب بنفسها على خدمة من كانت به ضيعة من المسلمين. هذه المرأة التي يقال لها: رفيدة كانت تحتسب الأجر عند الله عز وجل في خدمة من نزل به مصيبة من المسلمين، رجل جريح يحتاج إلى مداواة، أو أيتام يحتاجون إلى رعاية، أو أسرة تحتاج إلى معين، كانت هذه المرأة تتدخل، تحتسب بنفسها عند الله عز وجل خدمة لهذه الأسر المسلمة المنكوبة. إذًا: ينبغي على نسائنا اليوم أن يقمن بدورهن في خدمة المجتمع المسلم والقيام على أحواله، بإصلاح ذات البين بين المتخاصمين، وهذه نقطة مهمة، فإن كثيرًا من النساء يشعلن الفتنة بدلًا من أن يخمدنها بالنميمة ونقل الكلام من طرف إلى آخر، بينما يجب عليهن أن يقمن بدور المصلحات بين المتخاصمين والمتخاصمات، فإذا كان رجل وامرأة بينهما مشكلة، على النساء الخيرات اللاتي يخفن من الله أن يقمن بدور الإصلاح، المرأة مع المرأة، والرجل مع الرجل يُصلح ذات البين حتى يعاد عود الأسرة قائمًا، فلا تنهار الأسر ويتشتت الأطفال. النساء اليوم يعرفن عن خبايا البيوت أكثر من الرجال، يعرفن عن أيتام، ويعرفن عن أرامل، ويعرفن عن فقراء ما لا يعلمه كثير من الرجال، فيجب على النساء أن يقمن بدورهن في إبلاغ من له أمر في هذه الأمور، أن ينقذ هؤلاء البؤساء من الفقر المدقع، والهلكة المحققة: أَوْ إِطْعَامٌ فِي يَوْمٍ ذِي مَسْغَبَةٍ * يَتِيمًا ذَا مَقْرَبَةٍ * أَوْ مِسْكِينًا ذَا مَتْرَبَةٍ [البلد:14-16] . المرأة لها دور عظيم ليس هذا موقف الاستطراد فيه، ولكن الإشارة من خلال قصة هذه المرأة رفيدة التي كانت تداوي الجرحى، فكان النبي صلى الله عليه وسلم إذا مر به يقول: (كيف أمسيت؟ وإذا أصبح قال: كيف أصبحت؟) فيخبره سعد بحاله، حتى كانت الليلة التي نقله قومه فيها، فثقل فاحتملوه إلى بني عبد الأشهل، وكانت حالته خطيرة جدًا، و (جاء رسول الله صلى الله عليه وسلم كما كان يسأل عنه، وقالوا: قد انطلقوا به، فخرج رسول الله صلى الله عليه وسلم وخرجنا معه، فأسرع المشي حتى تقطعت شسوع نعالنا) الرسول صلى الله عليه وسلم يسرع يريد أن يدرك سعد بن معاذ قبل أن يموت، وسقطت أرديتنا عن أعناقنا، فشكا ذلك إليه أصحابه، قالوا: يا رسول الله! تسرع بنا سرعة شديدة، يا رسول الله! أتعبتنا في المشي، فقال: (إني أخاف أن تسبقنا الملائكة إليه فتغسله كما غسلت حنظلة) فانتهى رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى البيت وهو يغسل وأمه تبكيه، وهي تقول: ويل أمك سعدًا ، حزامة وجدًا، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (كل نائحة تكذب إلا أم سعد) ثم خرج به، قال: يقول القوم أو من شاء الله منهم: (يا رسول الله! ما حملنا ميتًا أخف علينا من سعد -مع أن سعدًا كان عظيم الجسم بدينًا- فقال: ما يمنعكم من أن يخف عليكم وقد هبط من الملائكة كذا .. وكذا .. -يقول الراوي: سمى عدة كثيرة لم أحفظها- لم يهبطوا قط قبل يومهم، قد حملوه معكم) الملائكة تحمل الجنازة، لذلك صارت جنازة سعد خفيفة على المسلمين، قال الألباني: وإسناده صحيح، ورجاله كلهم ثقات، و محمود بن لبيد صحابي صغير. وورد في حديث صحيح آخر في صحيح الجامع أخرجه النسائي: عدد الملائكة الذين نزلوا من السماء لتشييع جنازة سعد قال رسول الله صلى الله عليه وسلم في الحديث الصحيح: (هذا العبد الصالح الذي تحرك له العرش، وفتحت له أبواب السماء، وشهده سبعون ألفًا من الملائكة، لم ينزلوا إلى الأرض قبل ذلك لقد ضم ضمة - أي: في قبره- ثم أفرج عنه) سبعون ألف من الملائكة ما نزلوا من قبل، نزلوا لتشييع جنازة سعد بن معاذ، وفتحت له أبواب السماء، واهتز له عرش الرحمن، وقد ورد في رواية صحيحة سبب اهتزاز عرش الرحمن، وهذه مسألة قد يفكر فيها الكثير، وفي السلسلة الصحيحة المجلد الثالث بإسناد جيد من حديث الإمام أحمد قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (اهتز العرش لموت سعد بن معاذ من فرح الرب عز وجل) الله عز وجل إذا قدم عليه أحد من عباده الصالحين الذين أبلوا في الله بلاءً حسنًا، فإن الله عز وجل يفرح فرحًا شديدًا بقدوم عبده عليه، يفرح بقدوم عبده أشد مما يفرح أحدنا بقدوم الغائب العزيز عليه من مكان بعيد، وقد طالت فترة الغياب، إن الله يفرح بقدوم عبده عليه، لماذا أيها الإخوة؟ لكي يجازيه الجزاء الأوفى. هؤلاء المسلمون الصادقون الأوفياء يتعبون في الدنيا، وينصبون كثيرًا، يتعبون كثيرًا ويؤذون في الله، والله عز وجل ينتظرهم بفرح شديد لكي يكافئهم فيستريحوا من عناء الحياة الدنيا، ويستريحوا من لأوائها ونصبها وتعبها، يستريحوا عند الله تعالى، هذا الفرح ليس لأي أحد! إنه لأناس آمنوا بالله وصدقوا المرسلين، أبلوا في الله بلاءً حسنًا، وقالت عائشة رضي الله عنها تبين الفراغ والقيمة، قيمة فقد سعد بن معاذ ، والحديث في فضائل الصحابة من تأليف الإمام أحمد قال المحقق: إسناده حسن عن عائشة رضي الله عنها، قالت: (ما كان أحد أشد فقدًا على المسلمين بعد رسول الله صلى الله عليه وسلم وصاحبيه أو أحدهما من سعد رضي الله عنه) ما شعر المسلمون بمصيبة في فقد أحدٍ منهم بعد الرسول وأبي بكر و عمر بعدهم مباشرة كسعد بن معاذ رضي الله عنه. إن رحيل الأخيار عن الأرض وعن المجتمع المسلم يترك فراغًا مؤثرًا في الأمة.. إن رحيل الكبار يترك فراغًا في النفوس، وألمًا لفقد هؤلاء الذين كانوا في حياتهم مشعلًا يستضيء به الناس، وقدوة يحتذي بها المسلمون، فلذلك فإن إحياء ذكراهم، ونشر سيرتهم العطرة من أقل الواجبات تجاههم، ولقد كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يستغل وفاة سعد بن معاذ حتى في توضيح نعيم الجنة، فانظر معي إلى هذا الحديث الذي رواه الإمام البخاري رحمه الله تعالى في صحيحه، عن أبي إسحاق، قال: سمعت البراء رضي الله عنه يقول: (أُهديت إلى النبي صلى الله عليه وسلم حلة حرير فجعل أصحابه يمسونها ويعجبون من لينها، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: أتعجبون من لين هذه؟! لمناديل سعد بن معاذ في الجنة خير من هذه وألين)

حال الصحابة بعد موت سعد بن معاذ رضي الله عنه

لقد كان صحابة الرسول صلى الله عليه وسلم إذا ذكروا سعدًا بكوا بكاءً شديدًا على تلك السيرة التي فقدت، فهذا الحديث الذي يرويه الإمام أحمد في كتاب: فضائل الصحابة بإسنادٍ صحيح، عن واقد بن عمرو بن سعد بن معاذ ، حفيد سعد بن معاذ قال: دخلت على أنس بن مالك، فقال لي: من أنت؟ قلت: أنا واقد بن عمرو بن سعد بن معاذ ، وكان واقد من أحسن الناس وأعظمهم وأطولهم، الحفيد كان يشبه جده، فقال أنس: إنك لسعد لشبيه، ثم بكى وأكثر البكاء، ثم قال: رحمة الله على سعد! كان من أعظم الناس وأطولهم، ثم قال: بعث رسول الله صلى الله عليه وسلم، وساق قصة هذه الجبة من الحرير، وأخبر بحديث رسول الله صلى الله عليه وسلم أن مناديل سعد في الجنة أعظم من هذا الحرير بكثير. وهنا أيها الإخوة! أختم لكم بوصف عائشة رضي الله عنها لحال الصحابة عند موت سعد بن معاذ رضي الله تعالى عنه بين أيديهم. تقول عائشة: قال سعد بعد ما حكم في بني قريظة: [اللهم إن كنت أبقيت على نبيك من حرب قريش شيئًا فأبقني لها، وإن كنت قطعت الحرب بينه وبينهم فاقبضني إليك، قالت: فانفجر كلمه] هذا ليس دعاء على نفسه بالموت، لأنه قال في إحدى الروايات: [فافجر جرحي هذا] أو [افجر هذه واجعل موتتي فيها] سعد رضي الله عنه جرح في المعركة، فأراد ألا يفوته أجر الشهادة في سبيل الله، فدعا الله أن يميته من هذا الجرح الذي حصل له وهو يقاتل في سبيل الله، فانفجر كلمه وكان قد برئ حتى لا يرى إلا مثل الخدش. لما قضى سعد في بني قريظة وقتلوا، ودعا سعد الله قال: [اللهم إن كان بقي من حرب قريش شيء فأبقني لهم] لكن لم يبق شيء من الحروب التي كان سيكون للمشركين فيها شأن، وما بقي من الحروب كان كله انتصارات للمسلمين. [فاستجاب الله دعاءه؛ فانفجر كلمه، ورجع إلى قتبه الذي ضرب عليه الرسول صلى الله عليه وسلم، قالت عائشة: فحضره رسول الله صلى الله عليه وسلم و أبو بكر و عمر ، قالت: فو الذي نفس محمد بيده إني لأعرف بكاء عمر من بكاء أبي بكر وأنا في حجرتي -هي في حجرتها والخيمة في المسجد في الساحة- وكانوا كما قال الله عز وجل: رُحَمَاءُ بَيْنَهُمْ [الفتح:29] . قال علقمة: قلت: أي أمه! فكيف كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يصنع؟ قالت: كانت عينه لا تدمع على أحد ولكنه إذا وجد فإنما هو آخذ بلحيته] كان الرسول صلى الله عليه وسلم إذا وجد أمرًا حزينًا كان يأخذ بلحيته.. كان الرسول صلى الله عليه وسلم يتمالك نفسه، وهذا الحديث في السلسلة الصحيحة في المجلد الأول. إذًا: أيها الإخوة! هذا الموقف يعكس لنا حب الصحابة لبعضهم.. يعكس لنا تماسك المجتمع الإسلامي.. يعكس لنا أثر الفرد في المجتمع الإسلامي.. يعكس لنا رحمة الصحابة فيما بينهم، هذا المثل الذي يجب أن يكون قدوة لنا نحن الآن ونحن نعيش في مجتمع، نحاول أن نعيش في مجتمع من الأخوة الإسلامية، كثيرٌ من الناس اليوم فقدوا معاني الأخوة الإسلامية.. فقدوا الترابط.. فقدوا الحنان والعطف فيما بينهم.. فقدوا حسن الأخلاق والمعاملة.. فقدوا سؤال بعضهم عن بعض، فقدوا أشياء كثيرة. إن هذه القصص كفيلة إن شاء الله بأن تعيد إلينا جميعًا روح الأخوة الإسلامية الصحيحة التي تربط بين أفراد المجتمع المسلم حتى تجعله جدارًا صامدًا أمام سهام الأعداء ومخططاتهم وفقنا الله وإياكم لهدي كتابه وأن نسير عليه سيرًا حسنًا. اللهم واجعلنا ممن يقتفون آثار نبيك وصحبه عليهم رضوان الله تعالى، ونسأل الله عز وجل أن ينفعنا وإياكم بما سمعنا، وأن يجعل هذه الكلمات عونًا لنا في درب طاعته، وصلى الله وسلم على نبينا محمد. سبحانك اللهم وبحمدك، أشهد أن لا إله إلا أنت، أستغفرك وأتوب إليك

ــــــــــــــ

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت