الرسول عليه الصلاة والسلام كان يبعث أصحابه في الأقاليم يجمعون المال والصدقة، وهذا دليل لمن قال بنقل الزكاة من مكان إلى مكان؛ لأن عمر وغيره من الصحابة كانوا يذهبون إلى البوادي فيجمعون الزكاة ويأتون بها إلى مدينة الرسول صلى الله عليه وسلم، وفي صحيح البخاري في كتاب الزكاة والجهاد، قال عمر رضي الله عنه وأرضاه: [[بعثني رسول الله صلى الله عليه وسلم مصدقًا -يعني لأجمع الصدقة والزكاة- فدرت على الناس كلهم فأعطوني زكاتهم، إلا ثلاثة: العباس عم الرسول صلى الله عليه وسلم، وخالد بن الوليد وابن جميل -أحد الناس الذي عكر عليهم النفاق بعض حياتهم- ] ] أما العباس فقد امتنع لأن الرسول عليه الصلاة والسلام اقترض منه زكاة عامين، قال له صلى الله عليه وسلم: ادفع لي زكاة عامين مقدمًا؛ لأني أحتاجها في الجهاد، فأخذ العباس زكاة عامين وأعطاها الرسول عليه الصلاة والسلام، والرسول عليه الصلاة والسلام ما نسي لكن أرسل عمر للمسلمين ونسي أن يقول له: لا تأخذ من العباس ، فذهب عمر وطرق باب العباس ، وقال: ادفع الزكاة، قال: لا أدفعها، واستحى أن يقول: إنها عند الرسول عليه الصلاة والسلام، وإن دفعها سوف تذهب عليه زكاة ثالثة وما مر إلا عام، فقال عمر رضي الله عنه للرسول صلى الله عليه وسلم: دفع الناس جميعًا إلا ثلاثة: عمك، وخالد بن الوليد وابن جميل ، فأتى صلى الله عليه وسلم، يجيبه عن كل واحد ويفصل: فقال الرسول صلى الله عليه وسلم: يا عمر ! أما تدري أن عم الرجل صنو أبيه -يقول: أتيت تشكو عمي علي وهو أخو والدي بل هو والدي في الحقيقة- أما علمت أنها علي دين ومثلها له. وأما خالد فإنكم تظلمون خالدًا ، يقول: دائمًا مظلوم، احتبس أدراعه وخيوله ونفسه ودمه في سبيل الله وتطلب منه الزكاة. لأن خالدًا -رضي الله عنه- أوقف ماله في سبيل الله، يقول: ليس لي مال، كل هذه السيوف معلقة في سبيل الله، وهو أبو سليمان يعرف كيف يضرب بالسيف، وفي مؤتة ذكر ابن كثير بأسانيد كثيرة أنه كسر تسعة أسياف بيده حطمها تحطيمًا وما ثبتت إلا صحيفةٌ يمانية، وعلق مائة سيف وقال: هي في سبيل الله، وملأ اسطبلًا من الخيول وقال: هي في سبيل الله، فيقول عليه الصلاة والسلام: أما يكفي أن يوقف أمواله في سبيل الله حتى تأخذوا الزكاة من خالد . وأما ابن جميل هذا فإنه لا عذر له، فقال عنه صلى الله عليه وسلم: فما ينقم ابن جميل إلا أن كان فقيرًا فأغناه الله، أي كيف يحق لابن جميل أن يغضب ويتحامل على رسول الله صلى الله عليه وسلم وقد كان فقيرًا لا يملك شيئًا من الدنيا فأغناه الله. وروي أن ابن جميل أتى إلى الرسول صلى الله عليه وسلم، وقال له: {يا رسول الله! ادع الله أن يرزقني مالًا، فأشار عليه الصلاة والسلام ألا يفعل ذلك؛ لأنه فتنة، فألح عليه فدعا له صلى الله عليه وسلم، فكثر ما له حتى، ترك الجماعة مع الناس في المسجد، ثم ترك الجمعة، ثم منع الزكاة } وهذا ليس بثعلبة . وقصة ثعلبة لا تصح بل هي باطلة، وأما ابن جميل فهي في صحيح البخاري وسندها صحيح. فلما ذهب عمر إليه رفض وقال: إنما هي جزية وليست بزكاة، فعاد عمر وأخبر رسول الله صلى الله عليه وسلم وقال: ما ينقم إلا أن كان فقيرًا فأغناه الله، فأنزل الله عز وجل في ذلك: وَمِنْهُمْ مَنْ عَاهَدَ اللَّهَ لَئِنْ آتَانَا مِنْ فَضْلِهِ لَنَصَّدَّقَنَّ وَلَنَكُونَنَّ مِنَ الصَّالِحِينَ فَلَمَّا آتَاهُمْ مِنْ فَضْلِهِ بَخِلُوا بِهِ وَتَوَلَّوْا وَهُمْ مُعْرِضُونَ فَأَعْقَبَهُمْ نِفَاقًا فِي قُلُوبِهِمْ إِلَى يَوْمِ يَلْقَوْنَهُ بِمَا أَخْلَفُوا اللَّهَ مَا وَعَدُوهُ وَبِمَا كَانُوا يَكَذِبُونَ [التوبة:77] . كذبوا مع الله سُبحَانَهُ وَتَعَالَى، فأرسل عليه الصلاة والسلام أصحابه ومنهم معاذ بجمع الزكاة، وهذا واجب على الإمام أن يرسل السعاة وألا يترك الزكاة بأيدي الناس لأنها تضيع، بل الواجب عليه أن يأخذها منهم ثم يصرفها في مصارفها. ...
الصحابة يضربون أروع الأمثلة في الأمانة ... ...
ذكر ابن كثير بسند حسن قال: لما فتح سعد رضي الله عنه القادسية وأتى المدائن أتى بأموال منها مائدة سليمان وجدوها في قصر كسرى أنوشروان ، مائدة موروثة من عهد سليمان عليه السلام، محلاة بالزبرجد فحملت على جمل ووصلت الأموال إلى عمر رضي الله عنه وأرضاه فلما أوصلها ابن ناجية صاحب الجمال، نام عمر في تلك الليلة ورأى في المنام كأن من يكويه بكيات من نار، فقام عمر رضي الله عنه وصلى بالناس الفجر، ودعا بعض الصحابة وقال: أعيدوها إلى سعد بن أبي وقاص في العراق ، والله لا أتولى شيئًا حماني منه الله سُبحَانَهُ وَتَعَالَى، فذهب بعض أهل العلم يقولون: يتحفظ الإمام أو المسئول في أموال الناس، ويكلها إلى من هو بصير بها ويعرف منافذها ومصارفها ومنافعها ...
توصية الإمام عامله ... ...
كان عليه الصلاة والسلام دائمًا إذا أرسل عاملًا أوصاه بتقوى الله عز وجل، وهذا على العموم، ولكن كان يوصي صلى الله عليه وسلم الوصايا بما تناسب الناس، وهذه ليست إلا له صلى الله عليه وسلم، يأتي الرجل المحتد الغضبان، يقول: أوصني فيقول: {لا تغضب } لا يقول له عليه الصلاة والسلام: لا تنفق أموالك؛ لأنه ليس له أموال أو ربما يكون بخيلًا فلا يزيده صلى الله عليه وسلم إلا بخلًا، ويأتي الرجل الشجاع، فيقول: أوصني؟ فيقول: {عليك بالجهاد في سبيل الله } ويأتي الشيخ الكبير فيقول: أوصني؟ فيقول: {لا يزال لسانك رطبًا من ذكر الله } ويأتي الغني من ذوي الأموال، فيقول: أوصني يا رسول الله، فيقول: {أشبع الجائع، وفك العاني، وافدِ الأسير } أو كما قال عليه الصلاة والسلام، ويأتي صاحب الوالدة أو الوالدين وهما كبيران في السن قد بلغا الشيخوخة، فيقول: أوصني يا رسول الله، فيقول: {عليك ببر والديك أو ففيهما فجاهد } فهذا له عليه صلى الله عليه وسلم وليست لغيره؛ لأنه لا يعرف أحوال الناس إلا هو صلى الله عليه وسلم بما علمه الله. فكان يضع كل شيء في موضعه صلى الله عليه وسلم، وكان يؤمِّر من يستحق الإمارة عليه الصلاة والسلام وأتى بعض الناس من الصحابة يطلبون الإمارة فيرفض؛ لأنه يعرف أنهم ليسوا أهلًا بالإمارة لا لقلة دينهم أو لقلة زهدهم أو ورعهم، لكن لأنهم لا يجيدون التصرف في الإمارة كأبي ذر قال له صلى الله عليه وسلم: {والله إني أحبك، وأريد لك ما أريده لنفسي، لكنك رجل ضعيف } قالوا: ضعيف لا يحسن تصريف قيادة الجيش، فما ولاه عليه الصلاة والسلام، وفي هذا توصية الإمام، أو توصية من يرسل بتقوى الله عز وجل، وواجب على كل مسئول ومدير ورئيس أن يوصي الموظفين والطلاب عنده بتقوى الله عز وجل صباحًا ومساءً. قال الإمام النووي: حق على من ولاه الله شيئًا ألا تفتر لسانه بتقوى الله عز وجل للناس، فإنه إذا أدمن صباح مساء أن يوصي بتقوى الله والإخلاص في العلم وبذل الجهد والصدق مع الله رسخت هذه الكلمات ونفع الله بها سُبحَانَهُ وَتَعَالَى. أي أنه لا يكفى أن يقول لهم في الشهر مرة ثم يتركهم، لا. بل يكرر عليهم هذا دائمًا إذا كان ناصحًا وصادقًا ومخلصًا، أما إذا كان غير ذلك فنسأل الله العافية والسلامة.
قبول خبر الواحد والعمل به ... ...
ورأي العلماء أن خبر الواحد يقبل، وخالف في ذلك المعتزلة وبعض الفرق ردوا خبر الواحد، والصحيح: أن خبر الواحد يقبل، فخبر الواحد قبلناه وقبلته الأمة، فمحمد صلى الله عليه وسلم واحد أرسله الله إلى الناس، وأرسل صلى الله عليه وسلم أصحابه واحدًا واحدًا إلى الناس فقبلوا خبره. وكان عليه الصلاة والسلام يقبل خبر الواحد، فقبل خبر الذي أخبره بالهلال، والذي أخبره بأنه قد منع قوم الزكاة، والذي أخبره عليه الصلاة والسلام بصدقات القوم واحد، فقبل صلى الله عليه وسلم خبر الواحد حتى في العقائد. ...
حكم أخذ الغني من زكاة الناس ... ...
وهذا معلوم من الحديث: { تؤخذ من أغنيائهم وتعطى لفقرائهم } ومن ملك النصاب فلا يعطى، فقالوا: غني؛ لذلك بعض الناس لِمَ جعل الله في قلوبهم من الجشع والطمع يبذلون أعراضهم ودينهم وماء وجوههم في أخذ شيء من الزكاة والصدقة، فلو كان أحدهم يملك الملايين المملينة ثم سمع أن تاجرًا يوزع الصدقات في رمضان، لبس أردى ثيابه، وتحنط بالغبار، وجلس تحت الشمس والريح والبرد، ثم أخذ يمد يده في موقف شنيع مخزٍ، ما يفعله أحد عنده رجولة أو مروءة، فكيف بالذي عنده دين. فعلى الإنسان ألا ينظر إلى هذا المال، أو يجعله كما يقول ابن تيمية في كتاب التصوف"كالكنيف -يعني: الحمام- إذا احتاج إليه ذهب إليه، وإن لم يحتج فلا يفعل"، ولذلك قال عليه الصلاة والسلام لعمر {: ما أتاك من هذا المال وأنت غير مستشرف ولا سائل وما لا فلا تتبعه نفسك } فإن من أخذ المال باستشراف وبسؤال لا يبارك الله فيه، ويكون كالشاة التي تأكل من خبط الربيع أو من خضراء الربيع ينتفخ بطنها ولكنها ما شبعت، هذا مثل من يأخذ من أموال الناس ويسأل ولا يرد شيئًا ويتطلع إلى الأموال، ولا يرد فاقته بالقناعة وتقوى الله فهذا مثله. فعلى المسلم أن ينتبه لهذا، فإن من أخذ المال بقناعة أو عدم استشراف بارك الله له سُبحَانَهُ وَتَعَالَى، والبركة ليست بكثرة المال ولكن بما ينزله الله عز وجل من حلال فيه وطيب. ...
إذا تلف المال قبل الحلول فلا زكاة ... ...
إذا تلف المال قبل حلول الحول فلا زكاة عليه، وهذا ما رجحه ابن حجر وسانده في ذلك الشوكاني وكأن الرسول صلى الله عليه وسلم يقول: تؤخذ من أغنيائهم وقت الحلول، ولكن إذا تلفت قبل الحول فلا زكاة عليه بشرط أن لا يكون مفرطًا. مثلًا: يكون عنده غنم ومن حمقه لأنه لا يريد أن يدفعها إلى السلطان وأتى وقت حول الزكاة، أتى بسم، فماتت الغنم وقال: ماتت الغنم وأنا ما وجب علي شيء، فهذا إذا علم به تؤخذ عليه الزكاة ويؤدب ويعزر، ومن منعها كما قال عليه الصلاة والسلام كما في سنن أبي داود {فإنا آخذوها وشطر ماله، عزيمة من عزائم ربنا سُبحَانَهُ وَتَعَالَى } . ...
سبب عدم ذكر الحج والصيام في حديث معاذ ... ...
السؤال: لماذا لم يذكر الحج والصيام عليه الصلاة والسلام في حديث معاذ ؟ الجواب: الصحيح أنه صلى الله عليه وسلم كان معتنيًا بهذه الأركان الثلاثة، وأما تلك فتأتي تبعًا. وذكر صلى الله عليه وسلم الزكاة لأنها مقرونة في الكتاب بالصلاة في كثير من المواطن بخلاف الصوم والحج فإنها تأتي تبعًا، وبعض الصحابة منهم من شهد أن لا إله إلا الله، ولكن منع الزكاة مع أنه مسلم ولم يحارب أو يقاتل. فلما مات عليه الصلاة والسلام ارتدت العرب عن الإسلام -إلا من رحم الله- وبعضهم رفض الإسلام جملة وتفصيلًا، والبعض رفض الزكاة، حتى قالوا: ... ...
رضينا رسول الله إذ كان بيننا فما بالنا نرضى بحكم أبي بكر
أيملكها بكر إذا مات بعده فتلك لعمر الله قاصمة الظهر ... ...
فرفضوا الزكاة، فسمع أبو بكر رضي الله عنه ذلك فصعد على المنبر، وأخبر الناس وقال: ماذا ترون؟ فقام عمر: وأشار بألا يقاتلوا، وأشار عثمان بأن لا يقاتلوا، وقام علي وقال: لا يقاتلوا، وأجمع المهاجرون والأنصار في كل المسجد على ألا يقاتلوا. فسل أبو بكر السيف وقال: [[والذي نفسي بيده! لأقاتلن الذي يفرق بين الصلاة والزكاة، والله لو منعوني عقالًا كانوا يؤدونها إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم -وفي لفظ عناقًا- لقاتلتهم عليها ] ]. ثم عقد الراية وهو على المنبر، ثم سلم الجيوش وأرسل خالدًا إلى اليمامة وخالد بن سعيد بن العاص إلى اليمن وعمرو بن العاص إلى ناحية البوادي، وعكرمة رضي الله عنه إلى اتجاه البحرين وكان يعقد الرايات ويقول للصحابة: [[والله لو أخذت الكلاب بأرجل أمهات المؤمنين لأنفذن أمر رسول الله صلى الله عليه وسلم ] ]. فنصره الله نصر عزيز مقتدر، حتى أتى الذين منعوا الزكاة في عمائمهم يقودهم خالد وعكرمة وعمرو وخالد بن سعيد بن العاص حتى أدخلوهم المسجد، فقام عمر -رضي الله عنه- على المنبر، وهؤلاء أهل العمائم رافضين الزكاة، في أطراف المسجد ساداتهم ومشائخهم. فقال أبو بكر: [[اختاروا من اثنتين -وفي لفظ: من ثلاث- قالوا: وما هي يا خليفة رسول الله؟- أصبح اليوم خليفة بعد أن ذاقوا سيف خالد - قال: إما حربٌ مجلية أو سلم مخزية. قالوا: بين لنا، قال: السلم المخزية، أن نترككم كالنساء، لا تحملون سيفًا ولا رمحًا ولا درعًا، وتبقون تذهبون مع النساء ومع الأطفال، وتأتون معهم، لا تحضرون معركة ولا غنيمة، ولا فيئًا. قالوا: والحرب المجلية، قال: أن نلبس سلاحنا الآن وننزل معكم فنتقاتل، فاضطربوا فقالوا: سلم مخزية. يكفيهم ثلاثة أشهر وخالد يعمل فيهم بالسيف، والآن أبو بكر رضي الله عنه يريد أن يقاتلهم مرة ثانية، ثم قال: إذًا كل من قتل لنا فادفعوا ديته، واشهدوا على أنفسكم أنكم ضلال وأنكم تبتم، وأن قتلاكم في النار وأن قتلانا في الجنة فنكسوا رءوسهم، فقام عمر فقال: يا خليفة رسول الله! أما قتلانا ففي الجنة, وأما أن يدفعوا دية قتلانا فما نرى ذلك، فما فعلها رسول الله صلى الله عليه وسلم، قال: صدقت، ولهم ذلك. فسلب أبو بكر سلاحهم وتركهم في عامة الناس ] ]. وإذا قلنا: لماذا ذكرت الزكاة في هذا الجانب؟ قلنا: فقَّه الله أبا بكر ، وشرح صدره، ووافقه الناس على ذلك يوم يشرح الله صدور أوليائه، نسأل الله أن يهدينا بهداه، وأن يوفقنا لرضاه، وأن يأخذ بأيدينا وأيديكم لكل خير، وأن يجعلنا وإياكم من المتفقهين في دينه، المتطلعين على أسرار كتابه، العاثرين على سنن نبيه صلى الله عليه وسلم. سبحان ربك رب العزة عما يصفون، وسلام على المرسلين، والحمد لله رب العالمين. وصلى الله على محمد وعلى آله وصحبه وسلم تسليمًا كثيرًا. ... ...
ــــــــــــــ