ههنا أبو حنيفة؛ وقد مرَّ أن المصنِّف لا يريدُ به الرَّد دائمًا، والأقربُ أنه اختارَ تفصيلَ الإِمام الأعظم، لأنه أيضًا فَوِّضَه إلى العُرْف، ولما كان في لفظ الخِدمة. أنه للعاريَّة بخلاف الكُسوة، ظهر وَجْهُ الفَرْق بينهما، ولعلَّ أهلَ العُرْف حملوا الكِسوة على الهبة. لأن الثَّوْب يَبْلَى ويخلق، فلا يكونُ المرادُ من كِسوته إلا الإِعطاءَ، والهِبةَ، وإنما قلنا: إنّه وافقنا في المسألة. لأنه لو أرَادَ الخِلافَ لأَخُرَجَ حديثًا يؤيد مَرَامَه، كما هو دَأبُه، وإنُ سلمناه، فَردُّ ضعيفٌ جدًا. لِوُضُوح الفَرْق بين اللَّفين، كما عرفت آنِفًا.
٢٦٣٥ - قوله: (أَخْدَمَ وَلِيدَةً) (١) ولعلّ لَفظ الخِدمة في أَصْل الوَضْع للعارِيَّة، واستُعُمِل في الحديث للهِبة توسُّعًا، وقد ذكرَه الفقهاءُ أيضًا من الفاظ العاريَّة والهِبة معًا، وذلك لأَجل اختلافِ العُرْف فيه؛ على أَنَّ كَوْنَ تلك الوليدةِ هبةً لم يُفْهم مِن لَفْظ الإِخدام، بل مِن قوله: «فأَعْطَوها أَجْرًا، كما ذكره ابنُ بَطَّال، وراجع الحاشية.
وَقَالَ بَعْضُ النَّاسِ: لَهُ أَنْ يَرْجِعَ فِيهَا.
٢٦٣٦ - حَدَّثَنَا الْحُمَيْدِىُّ أَخْبَرَنَا سُفْيَانُ قَالَ سَمِعْتُ مَالِكًا يَسْأَلُ زَيْدَ بْنَ أَسْلَمَ قَالَ سَمِعْتُ أَبِى يَقُولُ قَالَ عُمَرُ - رضى الله عنه - حَمَلْتُ عَلَى فَرَسٍ فِى سَبِيلِ اللَّهِ، فَرَأَيْتُهُ يُبَاعُ، فَسَأَلْتُ رَسُولَ اللَّهِ - صلى الله عليه وسلم - فَقَالَ «لَا تَشْتَرِ، وَلَا تَعُدْ فِى صَدَقَتِكَ» . أطرافه ١٤٩٠، ٢٦٢٣، ٢٩٧٠، ٣٠٠٣ - تحفة ١٠٣٨٥
ولا يعتيَّنُ أنه أراد به خلافَ الإِمام الأعظم، بل يمكنُ أن يكونُ على طريقِ نَقْل إحدى الجائزات، ولذا لم يشددِ في الكلام، وكأنه رآه مُحتمِلا أيضًا، والله تعلى أعلم بالصواب.
...