وهذا التعبير صحيح إن كان يعنى أنه يرى آثاره وشواهده. أما إن كان يعنى وحدة الخالق والمخلوق، أو وحدة الوجود كما يهرف الكذبة، فالتعبير باطل من ألفه إلى يائه، والقول بهذا كفر بالله والمرسلين... ووصف الإحاطة الإلهية في هذا المجال وسيلة لا غاية، وسيلة لتصحيح النية والجهد والهدف، وإهابة بالإنسان أن يدير نشاطه البدنى والعقلى على مرضاة الله وحده. وليت الناس يسعون في هذا الطريق بنصف قواهم! لو أن امرءا حاول استرضاء الله بنصف الجهد الذى يبذله في كسب المال، أو التمكين في الأرض لقطع مرحلة رحبة في طريق الارتقاء الروحى والخلقى، ولو أن امرءا كره الشيطان ووساوسه بنصف الشعور الذى يكره به الآلام، والخصوم لنال من طهر الملائكة حظا... إن الله قد يقبل نصف الجهد في سبيله، ولكنه لا يقبل نصف النية. إما أن يخلص القلب له، وإما أن يرفضه كله. وقد أسلفنا القول أن الإنسان قد تحتل قلبه مقاصد شتى هى التى تبعثه على الحركة والسكون، وعلى الرضا والسخط، وأن هذه المقاصد تنبعث عن أنانيته لا عن إيمانه بربه، وابتغائه ما عنده. والعلماء المربون يطاردون هذه المقاصد المتسللة إلى القلب، ويمنعونها أن تئوى فيه، ولا يتوانون في مطاردتها حتى تخفى ويطهر القلب منها. ذلك أن الإسلام دقيق جدا في تقويم العمل بالنية الباعثة عليه والغاية المصاحبة له، فمن لم يكن الله وجهته في هجرته فلا عمل له ولا خير فيه. وفى الحياة الآن ألوف من المدرسين والأطباء والمهندسين والضباط والعمال والتجار والموظفين... إلى آخره يزحمون ظهر الأرض بحركة واسعة المدى، فأما ما كان للتكاثر والتظاهر فسوف يلصق بالتراب، وربما بقى لصاحبه طول حياته، وربما افتقده قبل أن يموت وأما ما كان لله فهو مبارك الثمر ممتد الأثر، إن البقاء لما قصد به رب السماء (من كان يريد حرث الآخرة نزد له في حرثه ومن كان يريد حرث الدنيا نؤته منها وما له في الآخرة من نصيب) . ونعود إلى الصنف