كالشجرة الحية. قد تنظر إلى جذعها الذى يحمل الغذاء للغصون الدانية والذوائب العالية. وقد تنظر إلى الأثمار المطعومة والأوراق المظللة. وقد تنظر إلى ينع الشجرة وحفولها وازدهارها. بيد أن هذه الأنظار المختلفة لا تغير من وحدة الشجرة، واكتمال صورتها في الذهن وفى الخارج. من الجذع القائم، والأغصان الممتدة، والرواء الشائع في الأزهار والجنى... وربما انكمشت العناصر التى تتكون منها حقيقة الدين، ووهت الروابط التى تشد بعضها إلى البعض الآخر، فيكون الإسلام عملا خافتا لا تلمح وراءه قوة الإيمان، أو يكون الإيمان باعثا مريضا لا يدفع الأهواء ولا يوقظ الضمائر، أو يكون الإحسان زعما لا يبصر الحق ولا يحس هيمنته. نعم، قد يقع هذا في حياة الناس كما ترى أحيانا شجرة معطوبة الثمر، ذابلة الورق، لا جذعها يحمل الخصب والثمار، ولا أفنانها تحمل القطوف والخير ولا منظرها يوحى بالبهجة والرضا. ولكن هذه الأحوال المعتلة ليست الفطرة العامة والطبيعة السائدة. والحديث الذى بين أيدينا يشرح الحقيقة الصحيحة للدين. والإيمان إذا صح لابد أن ينتج العمل. والعمل إذا صح لابد أن يرتكز على الإيمان. والإحسان إذا صح لا ينشأ إلا من إيمان راسخ وعمل كامل. ويمكنك أن تقول: إن الدين الذى جاء جبريل يعلمه هو الإسلام. والإسلام لا يصح إلا بالروح الكامنة فيه، والوقود المحرك له أى الإيمان الحق. فإذا استبطن هذا اليقين الدافع فأمامه مثله الأعلى في إحكام الصلة بالله، والشعور برقابته الدائمة وشهوده الجليل، وهو مقام الإحسان. وقد شرحنا الحديث بهذا الأسلوب لأن بعض الناس وهم أن كلمات الإسلام والإيمان والإحسان مراتب يسلم بعضها إلى البعض الآخر، وأن بينها فواصل وفجوات، أى أن الإسلام قد ينفك عن الإيمان، وأن الإيمان قد ينفك عن الإسلام 023