المفتريات. ولذلك أجرى الله على لسانه الآيات التى تعلى قدر ابن مريم، وانساق الأسلوب فيها أقرب إلى الإطناب منه إلى الإيجاز. لماذا؟ لأن النبى الكريم عيسى تعرض لاتهام ساقط، وقذفت أمه المحصنة بما هى منه براء، فكان هدف القرآن تبرئة الرجل الشريف، والإشادة بشخصه والثناء عليه بما هو أهله. وكذلك كان موقف القرآن من موسى لما آذاه اليهود ونالوا منه: (فبرأه الله مما قالوا وكان عند الله وجيها) . وبديهى أن موقف الدفاع عن شخص ما إنما يقوم على إعظامه وتكريمه وذلك هو السر في التنويه بعيسى على النحو الذى حفل به القرآن... ولا مجال لعقد مقارنة بين الرسولين عيسى ومحمد، لأن ذلك لا باعث عليه ولا محل له ولا فائدة فيه. وإنه لمما يعلى قدر محمد أن يكون كتابه مقتضبا في مدحه، مرسلا في مدح غيره. لقد تدبرت هذه وأنا أقرأ آيات من سورة الدخان، ووجدت أن الله جل شأنه أعظم محمدا بهذه المعاملة. قال يصف موقف العرب من الرسالة وصاحبها: (أنى لهم الذكرى وقد جاءهم رسول مبين * ثم تولوا عنه وقالوا معلم مجنون * إنا كاشفوا العذاب قليلا إنكم عائدون * يوم نبطش البطشة الكبرى إنا منتقمون) . كل الذى وصف به محمد هنا هو الإبانة. فلننظر ما جاء بعد في موسى ورسالته: (ولقد فتنا قبلهم قوم فرعون وجاءهم رسول كريم * أن أدوا إلي عباد الله إني لكم رسول أمين * وأن لا تعلوا على الله إني آتيكم بسلطان مبين) إن موسى هنا وصف بالكرم والأمانة وبأنه آت بسلطان مبين!! هذا السياق المختلف هو الآية على عظمة محمد، وعلى أن الله جعله إمام الأنبياء طرا. إن الله أجرى على لسان الأخ الأكبر ما يليق بمكانته من دفاع عن إخوته وتنويه بجهادهم وإبراز لما خفى منه... 156