فهرس الكتاب

الصفحة 144 من 220

والله عز وجل ـ وله المثل الأعلى ـ بين أن له في أرضه حمى يجب تهيبه، وهذا الحمى يتمثل في المحرمات، التى نهى عنها، والكيس من باعد بين نفسه وبين هذه المحرمات، ضنا بشرفه عن التلوث، وسيرته عن الاعوجاج. ثم إن الحلال المحض والحرام المحض قد بينت أدلتهما، واتضحت حكمة التحليل والتحريم فيهما: إن الله يأمر بالعدل والإحسان وإيتاء ذى القربى، وينهى عن الفحشاء والمنكر والبغى، يعظكم لعلكم تذكرون. بيد أن هناك أمورا أخذت من جانب الحلال شيئا ومن جانب الحرام شيئا، فإذا تأملها الناظر وجد لها الوجهين المتضاربين، وتساءل: أى الناحيتين يسلك؟. والمؤمن الصالح يرجح هنا الحظر على الإباحة ضمانا لبراءة عرضه ودينه. وسيره مع الحزم في هذه الميادين يرسخ قدمه في طريق الحق ويجعله قصيا عن أسباب الإغواء والإغراء. أما التهاون فربما بدأ خفيف الأثر لكنه قد يجر بعد إلى ما لا يليق. والروايات الأخرى لحديث الحلال والحرام تدل على ذلك. فلأبى داود أن الرسول قال:"إنه من يرتع حول الحمى يوشك أن يخالطه وإن من يخالط الريبة يوشك أن يجسر"وفى رواية النسائى"فمن ترك ما شبه عليه من الإثم كان لما استبان أترك، ومن اجترأ على ما شك فيه من الإثم أوشك أن يواقع ما استبان"وفى رواية الطبرانى"الحلال بين والحرام بين، وبين ذلك شبهات، فمن أوقع بهن، فهو قمن أن يأثم، ومن اجتنبهن فهو أوفر لدينه...". في الأمور المعتادة: ما خير رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ بين أمرين إلا اختار أيسرهما ما لم يكن إثما فإن كان إثما كان أبعد الناس عنه، وذلك جرى على منهج الإسلام في التيسير لا التعسير، ولا عجب فرسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ يقول:"بعثت بالحنيفية السمحة السهلة". أما فيما يتصل بالخير والشر والجمال والقبح، وما يرضى الله وما يسخطه، فإن مقتضى الحزم أن يحصن المرء نفسه بمزيد من الحيطة فيترك شيئا من الحلال القريب من الحرام كراهية للحرام وما يتصل

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت