فهرس الكتاب

الصفحة 150 من 220

غرور، وميدان باطل. البون بعيد كما ترى بين الفريقين، وإن تجاورا في المقام، وكدحا وراء الطعام. هذا يأكل ليعيش، وذاك يعيش ليأكل... إلا أن سحر الدنيا شديد الفتنة، ومعارك الأقوات تستنفد طاقات ضخمة وتقيد 163

بازائها مشاعر وأفكارا كثيرة. ثم هناك تعويل الألوف المؤلفة على النتائج العاجلة في هذه الدنيا، وتأثرهم بها.. هذا كله جعل الدين يبرز في تعاليمه ناحيتين خطيرتين. الأولى: الإلحاح في إفهام الناس أن الدنيا لا تطلب لذاتها، وأنها لا تستحق أن يتفانى الناس فيها، إنها إذا لم تكن وسيلة للآخرة، وإذا لم تصنع منها جسرا تعبر منه إلى رضوان الله فلا خير فيها... أطلبها، وامتلكها كلها إن استطعت، لكن على هذا الأساس! إن الله لم يقل لقارون صاحب الكنوز الهائلة: انخلع من مالك كى أرض عنك لا، ابق فيه ولكن (وابتغ فيما آتاك الله الدار الآخرة ولا تنس نصيبك من الدنيا ) . الإسلام يحتقر الدنيا أشد الاحتقار عندما تكون الأمل الذى لا أمل معه، وعندما يركض البشر في طلابها لا لشىء إلا للحصول عليها، والاستكثار منها. ثم الموت في أطوائها، كما تموت دودة القز داخل ما تنسج، وليست تنسج لنفسها شيئا. إنه يحتقرها هدفا، ولكنه يحتفى بها وسيلة!. وفى الإزراء على الحياة الدنيا، عندما تكون غاية مجردة جاءت آيات كثيرة، وأحاديث شتى، نثبت هنا بعضها: قال الله تعالى: (واضرب لهم مثل الحياة الدنيا كماء أنزلناه من السماء فاختلط به نبات الأرض فأصبح هشيما تذروه الرياح و كان الله على كل شيء مقتدرا) . والمثل واضح في أن الدنيا تتبخر بين أيدى عبادها، كما يتبخر الماء من الهشيم، فإذا هم يقبضون أيديهم على وهم. ماذا كسب خزان المال عن وجوه الخير؟ وماذا ربحوا من نسيان رازقه، ورفض وصاياه فيه؟. ماذا نال عباد الأثرة والجاه والاستعلاء عندما يسلون من الحياة الدنيا سلا، مخلفين بعدهم أملاكا، ذهب اسمهم عنها، وآثار كحركة الريح في صفحة الماء، لا استقرار لها

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت