لكن تسعير هذا العمل بما يساوى قيمته الحقيقية، ثم الزيادة عليه بما يشاء الله من فضل، أمر موكول لله وحده. فقد يؤدى رجلان متساويان المواهب والجهد عملا واحدا، فيعطى أحدهما حقه كاملا، ويمنح الآخر نصيبا اكبر من صدارة أو عافية، أو ثراء.. إنه لم يظلم الأول فليس له اعتراض. ولما كان الله هو المريد المختار الماجد الذى لا يعوق قضاءه شىء، ولا يتحكم في 169
عطائه أحد، فقد أعلن هذا التفاوت منسوبا إلى مشيئته، حتى يشعر البشر طرا بأنه القاهر فوق عباده فلا يقهر، الغالب على أمره فلا يغلب. قال جل شأنه: (من كان يريد العاجلة عجلنا له فيها ما نشاء لمن نريد ثم جعلنا له جهنم يصلاها مذموما مدحورا * و من أراد الآخرة و سعى لها سعيها و هو مؤمن فأولئك كان سعيهم مشكورا * كلا نمد هؤلاء وهؤلاء من عطاء ربك و ما كان عطاء ربك محظورا) . وهذه الآيات مبينة في أن أثمان ومنح الكافرين على ما يعملون موكولة للقدر الأعلى الذى لا يظلم، وإن فاوت في العطاء. وأن هذه الدنيا يمرح فيها الكافرون والمؤمنون متمتعين بالإمداد الإلهى الرحب الغدق، ولكن الكافرين الذين ظفروا في عاجل أمرهم بالرحمة الإلهية على ما يعملون، وعلى ما لا يعملون، يحرمون يقينا من الدار الآخرة... فإن هذه الدار لا يكسبها إلا من أرادها، واستعد للحياة الباقية فيها، وكان المهاد الذى آثره لنيلها هو الإيمان الحق... وفى معاملة طلاب الآخرة، وما يتنزل عليهم من رحمات الله وأفضاله يقول جل شأنه: (من كان يريد حرث الآخرة نزد له في حرثه ..) . أساس المعاملة هنا ليس العوض المكافئ ، بل العطاء الواسع، وهو عطاء يشمل الدنيا والآخرة؟ وإن كانت الدنيا ليست دار جزاء، إلا أن الابتلاء المفروض في فترتها لا ينافى أن تورق للمؤمن أغصان من عمله يسير في ظلها حينا إذا كان هناك من يلفحه الحر، ويئوده التعب. وتوضيحا للمعاملة التى يلقاها المؤمن من ربه روى أبو هريرة أن رسول الله ـ صلى الله عليه