الاعتدال والقصد. إن عظمة الإيمان ليست في أنه يجرد أصحابه من الدنيا... وما يظن ذلك إلا جاهل قاصر... عظمة الإيمان أنه يتيح لأصحابه امتلاك ما يشاءون؟ على أن يكون ذلك في أيديهم لا في قلوبهم، ينزلون عنه جملة وتفصيلا في ساعة فداء، ويحيون في ظله ـ ما عاشوا ـ أعفاء سمحاء. 1 ص 2
فى مجال الترقى قد تكون الحرب سجالا بين المرء وهواه، يستقيم حينا، ويتعثر حينا آخر، ولكن إصراره على المضى إلى هدفه يصل به على طول المدى. والمرء في المراحل الأولى من هذه المجاهدات يلقى نوازعه الدنيا وجها لوجه فإذا انتصر عليها أحس لذة الظفر نورا يشرق على روحه ويتخلل شعاب قلبه. وفى هذه الحال يقول رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ:"أحب الصدقات أن تتصدق وأنت صحيح شحيح تحب الغنى وتخشى الفقر". ومدافعة شح النفس إذا حدثت بالبخل عمل حسن، وله أجره الكريم. وهناك نفوس لا تزال تتعود العطاء حتى يكاد يكون لها طبعا. فإذا وجدت دواعى الكرم انطلقت إليه كالسهم المارق، لا يعوقها حديث نفسى ولا يثبطها تعلق بدنيا... كما يصف ذلك العربى نفسه وهو يستقبل الضيف الوافد، يقول: فقمت، ولم أجثم مكانى، ولم تقم مع النفس علامات البخل الفواضح إلى جذم ما قال قد نهكنا سوامه وأعراضنا فيه بواق صحائح كذلك موقف المؤمن مع الدنيا. لقد حجبته عزائم الإيمان عن كل محرم فيها، وملأ يديه من أسبابها ليتوسل بها إلى إقامة الحق، وعبادة الله. وربما أقبل على ما أباح الله منها، ولا عليه في ذلك. وربما سيطرت عليه المعانى الكبيرة التى يعيش فيها فصرفته صرفا عن أنواع المباهج التى يهش لها غيره. ومن ثم ترى فريقا من الناس يمر بأفراح الدنيا كما يمر التلميذ الممتحن غدا، بضجة الناس في الشوارع، لا يعلق بانتباهه منها إلا القليل. عن ابن عباس أن رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ دخل عليه عمر وهو على حصير قد أثر في جنبه. فقال: يا رسول الله، لو اتخذت فراشا أوثر من هذا.