الضعف ومات منهم شىء جليل الخطر. وهكذا تعلم أن طبيعة الحياة عجيبة، لأنها لا تعطينا إلا لتأخذ منا، ولا تهب لنا شيئا إلا لتنال مقابلا، إنها تكيل لنا صاعا بصاع، فلا غرو إذا كانت آمالنا لا تتحقق إلا بين الأشواك في الأرض الوعرة، وكأنما شاءت الدنيا أن تخفى مفاتنها تحت مصارع المطامع لتدفع الإنسان إلى مواجهتها والتغلب عليها. ومن ثم نعرف قيمة الشدائد، بل نعرف الفرق بين الأبطال الصناديد، والجبناء الرعاديد، إذ الشدائد هى المحك الذى يكشف عن معدن الرجل: قوة وضعفا. عقلا وهوى، والحياة ـ في الأغلب الأعم ـ ليست إلا مزاجا من سعادة وتعاسة، وهناء وشقاء، وفرح وترح، ولا قيمة لها إذا كانت ذات لون واحد، وقديما قالوا: وبضدها تتميز الأشياء. فلا طعم للحلو دون المر، ولا مذاق للماء الفرات دون الماء الأجاج. ولعله من أنفع ما يساق في هذا المطلب، ما قصه على أستاذ من جلة المعاصرين، وكان ـ يرحمه الله ـ معروفا بالهدوء، والعزوف عن الشهرة، وقد رقى أرفع المناصب العلمية قال: لقد أخذت نفسى بتلاوة القرآن الكريم كلما ادلهم خطب، وأهرع إلى تدبر كلام الفلاسفة الحكماء، أروح به عن نفسى، وقد وقفت على تشبيه رائع لما نلابس في دنيانا، كلما تذكرته هدأت أعصابى واطمأن خاطرى. ذلك بأن الحياة اليومية، ليست إلا كوبا، نصفه مملوء بالماء، ونصفه الآخر فارغ لا ماء فيه. فلست بمستطيع أن تحكم بأنه مملوء كله ولا فارغ كله وهكذا الناس لن تجد فيهم ذا حياة مملوءة كلها ولا ذا حياة فارغة كلها، وإنما لكل منا نصيب من السعادة، ونصيب من الشقاء، ومن ثم يسعد أحدنا أو يشقى بنظرته إلى الكوب الذى يستقى منه، فإن رآه مملوءا إلى نصفه سعد بحياته، وان رآه فارغا إلى نصفه شقى بها. وهكذا تعودت إذا ما نزعت نفسى إلى الجزع، أن أذكر أن الحياة ليست فارغة إلى نصفها، بل مملوءة إلى نصفها، ومن ثم تذهب متاعبى كفاء الغم، وتروح أحزانى بددا". وتصبير النفس على لأواء العيش،"