وإرهاق الواجب، وإغراء الهوى يحتاج إلى عزم وقوة، وللعرب في هذا الأفق آداب رفيعة، استوحوها من تجاربهم ومن أشواقهم إلى العزة، ورغبتهم في وفرة العرض وصون الجانب، وهم يرون أن الركوع للشدائد لا جدوى منه إلا الذلة التى منها يأنفون، وأن هذه الشدائد لا تقيم بساحة إلا ريثما تتحول عنها، فعل المرء أن يواجه ما يكره بجلد، آملا أن تنقشع الغمة وهو ثابت الخلق نقى الصفحة قال عبد العزيز بن زرارة: 1 ص 6
وليلة من ليالى الدهر كالحة ونكبة باشرت من هولها مرأى ومصطرعا لو رمى الرامى بها حجرا أصم، من جندل الصوان- لانصدعا مرت على، فلم أطرح لها سلبى ولا اشتكيت لها وهنا ولا جزعا لا يملأ الأمر صدرى قبل موقعه ولا يضيق به صدرى إذا وقعا كلا لبست فلا النعماء تبطرنى ولا تخشعت من لأوائها جزعا وقال ابن الرومى: ولا تحسبن الشر يبقى فإنه شهاب حريق واقد ثم خامد ستألف فقدان الذى قد فقدته كإلفك وجدان الذى أنت واجد ومن لم يزل يرعى الشدائد فكره على مهل، هانت عليه الشدائد وللشر إقلاع، وللهم فرجة وللخير، بعد المؤيسات، عوايد وكم أعقبت بعد البلايا مواهب وكم أعقبت بعد الرزايا فوائد وكم سىء يوما سيقفوه صالح وكم شاءمت يوما سيقفوه حاسد والصبر الذى دعا إليه هؤلاء الشعراء، رياضة نفسية يعرفها ألو النهى من كل جنس وملة، وهى رياضة تحمد لطبيعتها ونتائجها، فإن العزم أشرف من الوهن والأمل أجدى من اليأس. وهؤلاء أبانوا عما في الصبر من محاسن ضبط النفس وطيب العقبى. ونحن نزكى هذه الوجهة إلا أننا نتحدث عن صبر المؤمنين ابتغاء وجه الله. وهو مسلك يجعل الصبر مشوبا بالذكر، ويجعل المؤمن بصيرا بأن القدر الأعلى من وراء الأحداث التى تنوبه، ومن ثم فهو في شدته يظل قوى الصلة بربه، يدعوه ويرجوه، ويستسلم له ويعتمد عليه، ويتحمل ما يتحمل لأن الله شاء، ومشيئته موضع التسليم والإعزاز... والكلمة التى تثلج فؤاده"إنا لله وإنا إليه راجعون"يستشعر معناها